د. أحمد السيد يكتب: لماذا لا تثق الشركات في تقييماتها؟

من المفارقات أن كثيرًا من الشركات تستثمر وقتًا طويلًا في تقييم الأداء، ثم عندما تتخذ قرار ترقية أو مكافأة أو استبعاد تعود إلى السؤال القديم: من نعتقد أنه الأفضل؟ وكأن الدرجات التي جُمعت طوال العام لا تكفي لاتخاذ القرار. هذه المفارقة تكشف أزمة ثقة داخلية في نظام صنعته المؤسسة بنفسها.
لماذا يحدث ذلك؟ لأن الأرقام في كثير من الأنظمة تبدو دقيقة أكثر مما هي دقيقة فعلًا. لدينا درجات من واحد إلى خمسة، نسب مئوية، أوزان للكفاءات، ونماذج إلكترونية، لكن الأساس الذي بنيت عليه قد يظل انطباعيًا. التقنية تستطيع أن تجمع الأحكام، لكنها لا تستطيع أن تجعل الحكم الضعيف قويًا.
أحد أسباب انعدام الثقة هو تضخم التقييمات. عندما يحصل معظم الموظفين على «يفوق التوقعات»، تفقد الدرجة معناها. يبدأ المديرون في رفع الدرجات لتجنب المواجهات أو لحماية فرقهم من خسارة المكافآت، ثم تكتشف الإدارة العليا أنها أمام أرقام ممتازة ونتائج أعمال عادية. عندها تصبح التقييمات منفصلة عن الواقع.
سبب آخر هو اختلاف المديرين. مدير صارم يعطي أفضل موظفيه أربعة من خمسة، ومدير آخر يعطي خمسة بسهولة. إذا لم توجد معايرة بين الإدارات، يصبح الحظ في هوية المدير جزءًا من نتيجة التقييم. الموظفون يلاحظون هذا بسرعة، والثقة تضعف حين يرون أن المعيار يتغير عند باب كل إدارة.
هناك أيضًا مشكلة الأهداف نفسها. هدف غامض مثل «تحسين التعاون» أو «رفع الجودة» يسمح بتفسيرات واسعة. وإذا تغيرت الأولويات خلال العام دون تحديث الأهداف، نصل إلى نهاية الفترة ونحاسب الناس على خريطة لم تعد تعكس العمل الحقيقي. التقييم عندها يصبح توثيقًا للماضي لا قياسًا للأداء الفعلي.
الثقة تحتاج إلى بساطة أكثر لا تعقيد أكثر. عدد قليل من النتائج المحددة، معايير سلوكية مفهومة، مراجعات قصيرة خلال العام، وأدلة يمكن الرجوع إليها. ليس مطلوبًا أن نقيس كل شيء. محاولة تحويل كل جانب في العمل إلى رقم قد تنتج وهمًا بالموضوعية بدل الموضوعية نفسها.
من المهم أيضًا مراجعة العلاقة بين تقييمات الأفراد ونتائج الفرق. إذا كان قسم كامل لم يحقق أهدافه بينما أغلب موظفيه حصلوا على تقييمات مرتفعة، فهناك سؤال يجب طرحه. ليس بالضرورة أن يكون الموظفون ضعفاء، فقد تكون الأهداف غير واقعية أو النظام معيبًا، لكن التناقض يحتاج إلى تفسير.
أما أخطر ما يقتل الثقة فهو عندما تعرف النتائج قبل بدء العملية. إذا كان الجميع يدرك أن ترقية شخص معين محسومة، أو أن ميزانية المكافآت ستحدد الدرجات بدل أن تتبعها، فإن التقييم يصبح مسرحًا تنظيميًا. الناس تشارك لأنها مطالبة، لا لأنها تؤمن بأن العملية ستنتج قرارًا عادلًا.
لكي تثق الشركة في تقييماتها، يجب أن تبني نظامًا هي نفسها مستعدة للاحتكام إليه. وإذا كانت القيادة تتجاوز الدرجات كلما جاء قرار مهم، فهي تقول للموظفين ضمنيًا إن ما نطلب منكم أخذه بجدية لا نأخذه نحن بجدية. التقييم القوي هو الذي يجعل المدير قادرًا على الدفاع عن حكمه بأمثلة، والموظف قادرًا على فهم النتيجة، والمؤسسة قادرة على استخدام البيانات فعلًا في قرارات التطوير والمكافأة.