رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
منوعات

من قلب الأمم المتحدة.. مصر تحسمها: أمننا المائي قضية وجودية والنيل شريان حياة لا يحتمل المساومة

جاهز للاستماع

مدبولي من الأمم المتحدة: أمن مصر المائي قضية وجودية والنيل شريان حياة لا يحتمل المساومة

رئيس الوزراء: مصر تحتفظ بحقها المشروع وفق ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي

السلام لن يُبنى على اقتلاع الفلسطينيين من أرضهم.. واستمرار إدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه «وهم وخيال»

مدبولي: لا يمكن أن يقوم أمن دولة على انعدام أمن جيرانها أو انتهاك سيادة الدول وتهديد طرق الملاحة والتجارة والطاقة

مصر تطالب بإصلاح شامل لمجلس الأمن وإنهاء الظلم التاريخي الواقع على أفريقيا

رئيس الوزراء: التنمية حق وليست منحة.. والاستثمار فيها استثمار في الاستقرار العالمي

أكد الدكتور مصطفى مدبولي، رئيس مجلس الوزراء، أن الأمن المائي لمصر يمثل قضية وجودية لا تحتمل المساومة، مشددًا على أن نهر النيل ليس مجرد مورد اقتصادي، وإنما شريان حياة ارتبط به وجود المجتمع المصري وتنميته عبر التاريخ.

جاء ذلك خلال بيان جمهورية مصر العربية الذي ألقاه رئيس الوزراء أمام جلسة النقاش العام للشق رفيع المستوى من أعمال الدورة العادية الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، خلال ترؤسه وفد مصر في الاجتماعات بتكليف من الرئيس عبد الفتاح السيسي.

«استعادة الثقة وإدارة التحول»

استهل مدبولي كلمته بالتهنئة لرئيس الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة خليل الرحمن، مؤكدًا دعم مصر له في إدارة أعمال الدورة، كما رحب بالأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش وقادة الدول والحكومات المشاركين.

وقال رئيس الوزراء إن انعقاد الجمعية العامة تحت عنوان «استعادة الثقة وإدارة التحول» يعكس بدقة طبيعة التحديات التي يواجهها النظام الدولي، في وقت يتغير فيه العالم بوتيرة أسرع من قدرة مؤسسات الحوكمة الدولية على الاستجابة.

وأوضح أن الأزمة لا تكمن في غياب المواثيق والمبادئ، وإنما في اتساع الفجوة بين ما يعلنه المجتمع الدولي وما يطبقه فعليًا، وبين الأطراف التي تتخذ القرارات والشعوب التي تتحمل نتائجها.

وشدد على أن العالم لا يحتاج إلى تعددية شكلية تكتفي بجمع الدول حول طاولة النقاش، وإنما إلى تعددية فعالة تضمن لكل دولة صوتًا مسموعًا ولكل شعب نصيبًا عادلًا من القرارات والفرص والموارد.

وأكد أن الثقة في جدوى العمل الجماعي والنظام متعدد الأطراف شهدت تراجعًا، ما يفرض ضرورة استعادة الاحتكام إلى القانون الدولي والابتعاد عن سياسات القوة والاستقطاب والمعايير المزدوجة.

ثلاث ركائز لاستعادة الثقة الدولية

وأشار مدبولي إلى أن مصر، باعتبارها عضوًا مؤسسًا في الأمم المتحدة، ترى أن استعادة الثقة في النظام الدولي تتطلب ثلاث ركائز مترابطة تتمثل في العدالة في التمثيل وصنع القرار، والعدالة في تطبيق القانون، والعدالة في توزيع فرص التنمية والتحول.

وأوضح أن مصر لا تدعو إلى بناء نظام دولي جديد من الصفر، وإنما إلى الوفاء بالوعود والمقاصد الأصلية للنظام القائم، وفي مقدمتها مساواة الدول في السيادة واحترام القانون وتسوية النزاعات بالطرق السلمية وتحقيق التعاون الدولي لصالح الشعوب.

فلسطين الاختبار الحقيقي لمصداقية النظام الدولي

وأكد رئيس الوزراء أن القضية الفلسطينية تظل الشاهد الأبرز على الخلل في تطبيق قواعد النظام الدولي، مشددًا على أن ما يتعرض له الشعب الفلسطيني من معاناة وقمع وانتهاكات لا يجوز أن يتحول إلى واقع مألوف أو أزمة ممتدة يجري التعامل معها من جولة إلى أخرى.

وشدد على ضرورة تثبيت وقف إطلاق النار في قطاع غزة وضمان الالتزام الكامل به، ووقف الانتهاكات الإسرائيلية، واستكمال الانسحاب وتأمين وصول المساعدات الإنسانية بصورة آمنة ومستدامة، وتمكين اللجنة الوطنية لإدارة غزة من مباشرة أعمالها، تمهيدًا للانتقال إلى التعافي المبكر وإعادة الإعمار.

وأكد مدبولي رفض مصر القاطع لأي محاولة لتهجير الشعب الفلسطيني من أرضه، سواء من قطاع غزة أو الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية، مطالبًا المجتمع الدولي بتحمل مسؤوليته في وقف الانتهاكات الإسرائيلية للقانون الدولي.

وقال إن «السلام لا يمكن أن يُبنى على اقتلاع شعب من أرضه»، مؤكدًا أن تصور إمكانية تحقيق الاستقرار في المنطقة مع تجاهل معاناة الفلسطينيين والاستمرار في إدارة الاحتلال بدلاً من إنهائه هو «محض وهم وخيال».

وجدد التأكيد على أن الهدف يظل إقامة دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة ومتصلة جغرافيًا على خطوط الرابع من يونيو 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، في إطار حل الدولتين ووفق قرارات الشرعية الدولية.

أمن المنطقة لا يتجزأ

وأكد رئيس الوزراء أن تجارب الشرق الأوسط أثبتت أن إدارة الأزمات بدلاً من حلها لا تصنع استقرارًا، وإنما تؤجل الانفجار وتضاعف تكلفته.

وأوضح أن الرؤية المصرية للأمن الإقليمي تقوم على سيادة الدول ووحدة أراضيها واحترام مؤسساتها الوطنية، ورفض تفكيك الدول أو إنشاء كيانات موازية لها، مع إعطاء الأولوية للحلول السياسية والتسويات الوطنية الجامعة.

وشدد على أن الأمن كل لا يتجزأ، وأنه لا يمكن أن يقوم أمن دولة على انعدام أمن جيرانها أو تهديد طرق الملاحة والتجارة والطاقة أو انتهاك سيادة الدول وقصفها بالمخالفة للقانون الدولي.

كما حذر من تقويض مؤسسات الدول الوطنية ودعم الميليشيات أو التوجهات الانفصالية والاقتتال الأهلي، مؤكدًا ضرورة التصدي لهذه الممارسات ودعم وحدة الدول ومؤسساتها الشرعية.

النيل شريان حياة.. وأمن مصر المائي لا يحتمل المساومة

وفي رسالة واضحة بشأن ملف المياه، أكد مدبولي أن «الأمن المائي لمصر قضية وجودية لا تحتمل المساومة»، مشددًا على أن النيل ليس مجرد مورد اقتصادي وإنما شريان حياة ارتبط بوجود المجتمع المصري وتنميته على مدار التاريخ.

وأكد أن مصر تؤمن بأن موارد المياه العابرة للحدود يجب أن تتحول إلى مجال للتعاون والتكامل وليس الصراع، وأن الأمن المائي والتنمية ليسا هدفين متعارضين إذا توافرت الإرادة السياسية وحسن النوايا والالتزام بالقانون الدولي.

وشدد رئيس الوزراء على أن مصر لا تعارض حق أي شعب في التنمية، لكنها تتمسك بمبدأ واضح يقوم على ألا تُبنى تنمية طرف على إلحاق الضرر بالآخرين.

وأوضح أن الموارد المشتركة لا يمكن إدارتها بالإجراءات الأحادية أو بسياسة فرض الأمر الواقع، وإنما بالتعاون وحسن الجوار والتوصل إلى اتفاقات ملزمة وفقًا للقانون الدولي تحفظ الحقوق والمصالح المشروعة لجميع الأطراف.

وأكد أن مصر تحتفظ بحقها المشروع والمكفول بموجب ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي في حماية أمنها المائي والحفاظ على المقدرات الوجودية لشعبها.

السودان.. مصر تتمسك بوحدة الدولة ومؤسساتها

وتطرق رئيس الوزراء إلى الأزمة السودانية، مؤكدًا أن تداعياتها تجاوزت المواجهات العسكرية لتطال أمن وسلامة المدنيين وتهدد مؤسسات الدولة.

وشدد على وقوف مصر إلى جانب الشعب السوداني وحقه في الحفاظ على وحدة بلاده ومؤسساتها الوطنية القادرة على صون مقدرات الدولة وكرامة مواطنيها.

إصلاح مجلس الأمن وإنصاف أفريقيا

وطالب مدبولي بإصلاح حقيقي وشامل لمجلس الأمن، مؤكدًا أن مرور أكثر من ثمانية عقود على إنشاء الأمم المتحدة يستوجب إعادة النظر في بنية المؤسسات الدولية التي لا تزال تعكس توازنات تاريخية تجاوزها الواقع الحالي.

وأكد تمسك مصر بإصلاح مجلس الأمن وفقًا لتوافق «أوزولويني» وإعلان سرت، بما يعالج بصورة خاصة الظلم التاريخي الواقع على القارة الأفريقية ويمنحها تمثيلًا أكثر عدالة في منظومة صنع القرار الدولي.

التنمية حق وليست منحة

وفي الملف الاقتصادي، قال رئيس الوزراء إن الدول النامية مطالبة بتسريع التنمية وتوفير فرص العمل وتمويل التحول الأخضر والتكيف مع الأزمات، بينما تواجه في الوقت نفسه أعباء ديون متزايدة وتكلفة تمويل مرتفعة وحيزًا ماليًا محدودًا.

وأكد أن إصلاح بنية التمويل الدولي أصبح ضرورة، داعيًا إلى مؤسسات مالية أكثر تمثيلًا واستجابة وتوسيع نطاق التمويل الميسر وزيادة قدرة بنوك التنمية متعددة الأطراف على الإقراض والحشد، إلى جانب تسريع معالجة الديون بصورة عادلة وفعالة.

وشدد على أنه لا يجوز وضع الدول أمام الاختيار بين خدمة الديون وتمويل التعليم والصحة والغذاء والبنية الأساسية، مؤكدًا أن «التنمية ليست منحة بل حق ومصلحة مشتركة»، وأن الاستثمار فيها يمثل استثمارًا في الاستقرار العالمي ومنع الأزمات قبل تحولها إلى أزمات إنسانية وأمنية عابرة للحدود.

مصر تدعو إلى عدالة عالمية في الذكاء الاصطناعي

وتناول مدبولي التحولات المتسارعة في مجال الذكاء الاصطناعي، مؤكدًا أن هذه التكنولوجيا تفتح آفاقًا واسعة للنمو والمعرفة والابتكار، لكنها قد تؤدي في الوقت نفسه إلى ظهور فجوة عالمية جديدة في القوة ترتبط بالقدرات الحاسوبية والبيانات والنماذج والمهارات والتمويل.

ودعا إلى وضع أطر لحوكمة الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيات الناشئة على أساس اعتبار التكنولوجيا منفعة عالمية وليست امتيازًا مغلقًا أمام عدد محدود من الدول والشركات.

وأكد دعم مصر لدور الأمم المتحدة في وضع مبادئ تحقق التوازن بين الابتكار والمسؤولية وتحمي الخصوصية وتضمن الشفافية والمساءلة وعدم التمييز والإشراف البشري واحترام القانون الدولي.

كما شدد على ضرورة تمثيل اللغات والمجتمعات العربية والأفريقية بصورة عادلة داخل بيانات ونماذج الذكاء الاصطناعي، مشيرًا إلى إطلاق مصر الإصدار الثاني من الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2025–2030.

التحول الأخضر ونزع السلاح

وأكد رئيس الوزراء أن الانتقال الأخضر لا يمكن أن يكون عادلًا إذا انفصل الطموح المناخي عن العدالة في وسائل التنفيذ، مشددًا على ضرورة الربط بين العمل المناخي والتنمية ومكافحة الفقر وخلق فرص العمل، مع إعطاء الأولوية للتكيف والأمنين المائي والغذائي، خصوصًا في أفريقيا والدول الأكثر تعرضًا لتداعيات تغير المناخ.

كما جدد تمسك مصر بمنظومة متوازنة لنزع السلاح وعدم الانتشار دون معايير مزدوجة، وبهدف إنشاء منطقة خالية من الأسلحة النووية وجميع أسلحة الدمار الشامل في الشرق الأوسط.

وأكد أن الأمن الجماعي لا يتحقق بتراكم أدوات الدمار، وإنما بقواعد متساوية والتزامات تطبق على الجميع وإرادة سياسية تجعل منع التصعيد أولوية.

«الثقة لا تُطلب بل تُبنى بالعدل»

واختتم رئيس الوزراء بيان مصر بالتأكيد على أن القاهرة لا تكتفي بالدعوة إلى إصلاح النظام الدولي، وإنما تضع خبرتها وقدراتها في خدمة الحلول، مستندة إلى موقعها وإرثها العربي والأفريقي والمتوسطي ودورها التاريخي في تأسيس النظام الدولي متعدد الأطراف.

وأكد أن مصر ستظل جسرًا للتعاون وشريكًا لكل من يسعى إلى بناء نظام دولي أكثر عدلًا وفاعلية، وستواصل العمل مع دول الشمال والجنوب من أجل حلول تحترم الأولويات الوطنية ولا تفرض نموذجًا واحدًا على الجميع.

وقال مدبولي: «الشرعية تكتسب معناها حين تتحول إلى نتائج، والمؤسسات تستعيد الثقة حين تنصف من تخدمهم، والثقة لا تُطلب بل تُبنى بالعدل، والتحول لا يُفرض بل يُدار بالمشاركة».

واختتم كلمته بتوجيه الشكر إلى الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو جوتيريش، مشيدًا بجهوده في قيادة المنظمة خلال واحدة من أصعب مراحل تاريخها، ودفاعه عن القانون الدولي ومكانة الأمم المتحدة ومصداقيتها.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال