رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

«مطاريد وزارة التربية والتعليم».. حين يصبح اختيار الثانوية العامة عقوبة!

جاهز للاستماع

كان المفترض أن يكون السؤال بسيطًا، ثانوية عامة أم بكالوريا؟ يختار الطالب، وتوفر له الدولة المسار الذي اختاره، ثم يدخل فصله ويبدأ عامه الدراسي مثل بقية زملائه، لكن ما يحدث مع بعض الطلاب الذين تمسكوا بالثانوية العامة يطرح سؤالًا مختلفًا تمامًا، ماذا لو اخترت الثانوية العامة ثم اكتشفت أن مدرستك لم تعد توفر هذا النظام؟

هنا لا أتحدث عن شائعة بلا أصل، فوزارة التربية والتعليم وجهت بالفعل بتجميع طلاب الصف الثاني الثانوي بالنظام القديم في مدرسة واحدة أو مدرستين على الأكثر داخل كل إدارة تعليمية، بعدما أظهرت عمليات الحصر محدودية أعدادهم في بعض المدارس، وبررت الوزارة ذلك بالحاجة إلى الاستخدام الأمثل للفصول وهيئات التدريس.

من الناحية الإدارية قد يبدو القرار مفهومًا، لكن التعليم لا يُدار بالأرقام وحدها، خلف كل رقم طالب يستيقظ صباحًا ويحتاج إلى مدرسة يصل إليها، ومدرس يجده في الفصل، وأسرة تتحمل تكلفة انتقاله، وولي أمر اطمأن عندما قيل له إن ابنه يملك حرية الاختيار بين نظامين.

وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية، لا تمنحني حق الاختيار ثم تجعل أحد الاختيارين أكثر مشقة من الآخر، إذا قلت للطالب إن البكالوريا اختيارية وإن الثانوية العامة باقية، فمن حق الطالب الذي اختار الثانوية العامة أن يحصل على تعليم حقيقي ومنظم، لا أن يتحول مع بداية الدراسة إلى باحث عن مدرسة.

والعبارة التي ظهرت في تعليق على فيديو متداول تستحق التوقف أمامها «دوروا على مدرسة ولما تلاقوا تعالوا خدوا الورق بتاعكم، المدرسة هنا كلها بقت بكالوريا»، لا يمكن اعتبار هذه العبارة وحدها دليلًا على ظاهرة عامة، ولا نعرف حتى الآن المدرسة والمحافظة المقصودتين، لكن ظهور مثل هذه الشكاوى بالتزامن مع تطبيق قرار التجميع يستحق من الوزارة أن تتحقق وأن تشرح للناس بوضوح أين يذهب كل طالب.

خصوصًا أن شكاوى رفض استقبال ملفات بعض الراغبين في الثانوية العامة ظهرت بالفعل قبل بدء الدراسة، وردت الوزارة بأن الأمر ليس منعًا للطلاب وإنما إعادة توزيع لهم على المدارس المخصصة للنظام القديم.

حسنًا، إذا كانت إعادة توزيع فأين خريطة التوزيع؟ لماذا يحتاج الطالب أصلًا إلى السؤال والبحث؟ كان الأولى أن يدخل الطالب وولي أمره إلى موقع الوزارة، يختار المحافظة ثم الإدارة التعليمية، فتظهر أمامه فورًا المدرسة أو المدرستان المخصصتان للثانوية العامة وعنوانهما، لا نترك الطالب ينتقل من باب مدرسة إلى باب أخرى ليسأل «عندكم ثانوية عامة؟».

وهذه تحديدًا هي النقطة التي يجب ألا تضيع وسط لغة الأرقام، إذا اختار عشرة طلاب فقط في مدرسة ما الثانوية العامة فهذه ليست مشكلتهم، وإذا اختار خمسة طلاب فهي ليست مشكلتهم أيضًا، الدولة هي التي أتاحت نظامين، والطالب مارس الحق الذي منحته له.

من حق الوزارة أن تعيد توزيع الطلاب بصورة تحقق الاستخدام الأفضل للمعلمين والفصول، لكن عليها في المقابل أن تضمن ألا يتحول هذا التنظيم إلى عبء يدفع الطالب بصورة غير مباشرة إلى تغيير اختياره، لأن هناك فارقًا كبيرًا بين أن تقول للطالب «اختر بحرية»، وبين أن تقول له عمليًا، البكالوريا موجودة في مدرستك، أما الثانوية العامة فعليك أن تنتقل من أجلها إلى مدرسة أخرى.

وربما يكون الانتقال بين مدرستين في حي واحد أمرًا يمكن احتماله، لكن ماذا عن القرى؟ ماذا عن طالب تبعد مدرسة التجميع عن منزله عدة كيلومترات؟ وماذا عن طالبة تحتاج إلى أكثر من وسيلة مواصلات؟ وماذا عن أسرة لديها أكثر من طالب وتتحمل تكلفة الانتقال يوميًا؟

ثم نصل إلى السؤال الأهم، هل وجد هؤلاء الطلاب المدرسين؟ فالوزارة نفسها تحدثت ضمن أسباب التجميع عن تخصيص هيئة تدريس لأعداد صغيرة موزعة على مدارس كثيرة، إذن يفترض أن تكون النتيجة بعد التجميع أفضل، مدرسة محددة، فصول منتظمة، ومدرس لكل مادة، وإذا لم يحدث ذلك في أي مدرسة فهنا يصبح السؤال واجبًا وليس هجومًا على الوزارة.

نحتاج إلى معرفة عدد مدارس التجميع وعدد الطلاب داخلها، وهل جميع المواد يتم تدريسها بالفعل منذ بداية العام الدراسي، لا نريد شائعات ولا مبالغات، نريد إجابة بسيطة، الطالب فين؟ والمدرس فين؟.

أسميت هذا المقال «مطاريد وزارة التربية والتعليم» عن قصد، ليس لأن الوزارة أصدرت قرارًا بطرد هؤلاء الطلاب، فهذا لم يحدث، وليس لأن كل طالب اختار الثانوية العامة يواجه أزمة، فهذا أيضًا لا نستطيع قوله، لكن لأن أخطر ما يمكن أن يشعر به طالب في بداية عام دراسي هو أنه أصبح عبئًا على المنظومة لمجرد أنه اختار أحد النظامين اللذين عرضتهما عليه الدولة.

طالب ينتقل من مدرسته لأن عدد زملائه قليل، وآخر يبحث عن مدرسة تجمع نظامه، وأسرة تسأل أين سيذهب ابنها، وفي النهاية نتحدث عن طلاب لم يطلبوا أكثر من تنفيذ الاختيار الذي قيل لهم إنه حقهم.

وزارة التربية والتعليم تستطيع إغلاق جزء كبير من هذا الملف بنشر أسماء مدارس تجميع الثانوية العامة في كل إدارة تعليمية على مستوى الجمهورية، وأعداد الطلاب بها، والتأكد من وجود المدرسين وانتظام الجداول، ووضع آلية واضحة للتعامل مع الحالات التي تقع مدارسها بعيدًا عن محل الإقامة.

وقبل كل ذلك، رسالة واضحة لكل مدير مدرسة، لا تقل لطالب «دور على مدرسة»، إذا كان النظام التعليمي هو الذي قرر إعادة توزيعه، فالنظام نفسه مسؤول عن تحديد مدرسته وضمان انتظام تعليمه.

فالطالب ليس ملفًا نحمله من مدرسة إلى أخرى، والتعليم ليس مجرد قرار إداري، وحرية الاختيار ليست أن نقول للطالب «اختر ما تشاء».

حرية الاختيار الحقيقية أن نحترم اختياره بعد أن يختار.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال