رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

د. أحمد السيد يكتب: الموظف الذي يعمل كثيرًا ولا ينجز

جاهز للاستماع

هناك موظف يصل مبكرًا، يغادر متأخرًا، صندوق بريده ممتلئ، هاتفه لا يتوقف، وحركته داخل المكتب لا تهدأ. من الخارج يبدو نموذجًا للالتزام. لكن حين تسأل عن النتائج تجد المشروعات تتأخر، والملفات الأساسية لا تُغلق، والأولويات تتزاحم بلا نهاية. هذه الحالة تكشف الفرق بين العمل الكثير والإنجاز الحقيقي.

الانشغال شعور، أما الإنجاز فهو نتيجة. قد نقضي اليوم كاملًا في الرد على رسائل لا تغير شيئًا، وحضور اجتماعات يمكن اختصارها، والتعامل مع طلبات عاجلة صنعها سوء التخطيط. في نهاية اليوم نشعر بالإرهاق، والإرهاق يوهمنا أحيانًا بأننا كنا منتجين. لكن المؤسسة لا تدفع مقابل التعب؛ تدفع مقابل قيمة تم إنجازها.

جزء من المشكلة إداري. حين لا يحدد المدير الأولويات بوضوح، يصبح كل طلب عاجلًا. الموظف ينتقل بين خمس مهام، ولا يمنح أيًا منها وقتًا كافيًا للوصول إلى نتيجة. تعدد المهام يبدو مهارة، لكنه في الأعمال التي تحتاج إلى تركيز يمكن أن يتحول إلى مصدر هدر هائل بسبب تكلفة الانتقال الذهني المستمر.

وهناك موظفون يهربون إلى العمل السهل. الرد على البريد أسهل من إعداد تحليل صعب. حضور اجتماع أسهل من اتخاذ قرار قد يترتب عليه نقد. تحديث جدول أسهل من مواجهة عميل غير راضٍ. تتراكم الأنشطة الصغيرة لأنها تمنح إحساسًا سريعًا بالإكمال، بينما تظل المهمة التي تصنع القيمة مؤجلة.

الإدارة نفسها قد تكافئ هذا النمط من دون قصد. المدير يرى من يبقى حتى وقت متأخر ويعتبره ملتزمًا، ويرى من يتحدث في كل اجتماع ويعتبره حاضرًا، لكنه قد لا يقارن بين النشاط والنتيجة. عندها يتعلم الموظفون أن الصورة المطلوبة هي الظهور المستمر بالحركة.

الحل يبدأ من تعريف «ما الذي يجب أن يكتمل؟» بدل «ما الذي يجب أن تفعله؟». هناك فارق بين قائمة نشاط وقائمة نتائج. إذا قلت لموظف: أجرِ عشر مكالمات، فقد ينفذها. إذا قلت: أعد تنشيط ثلاثة عملاء متوقفين وفق معيار واضح، فقد أصبح تركيزه على القيمة لا العدد فقط.

كما يجب حماية وقت التركيز. المؤسسة التي تقطع يوم موظفيها كل نصف ساعة ثم تطلب منهم أعمالًا عميقة تخلق تناقضًا في التصميم. بعض المهام تحتاج إلى ساعات بلا اجتماعات ولا رسائل عاجلة. احترام هذا الوقت ليس رفاهية، بل جزء من الإنتاجية.

ومن المفيد أن يراجع الموظف نفسه بسؤال قاسٍ: لو اختفى نصف ما فعلته هذا الأسبوع، هل ستتأثر النتيجة؟ إذا كانت الإجابة لا، فلدينا مساحة كبيرة لإعادة ترتيب العمل.

ليس كل بطء تقصيرًا، فقد يكون حجم العمل غير منطقي أو الأدوات سيئة أو الصلاحيات ناقصة. لذلك لا ينبغي اختزال المشكلة في «إدارة الوقت» لدى الفرد. أحيانًا يكون الموظف يعمل كثيرًا لأنه يحاول تعويض عملية رديئة.

في النهاية، الموظف المنتج ليس الأكثر انشغالًا، بل الأكثر قدرة على تحويل وقته إلى نتائج ذات أولوية. والمؤسسة الناضجة لا تمجد الإرهاق، ولا تجعل الساعات الطويلة بطولة. هي تسأل ببساطة: ما الذي تغير بسبب هذا العمل؟ هذا السؤال وحده يمكن أن يعيد تعريف الإنتاجية داخل فريق كامل.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال