رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

د. أحمد السيد يكتب: العدالة أهم من زيادة الرواتب

جاهز للاستماع

زيادة الراتب خبر جيد في حياة أي موظف. لكنها ليست دائمًا الخبر الذي تتوقع الإدارة أن يكونه. قد تمنح شخصًا زيادة معقولة ثم تكتشف أنه ما زال غاضبًا، لأن القضية بالنسبة له لم تكن قيمة الرقم وحدها، بل مقارنة هذا الرقم بما يحصل عليه الآخرون وبالطريقة التي اتُخذ بها القرار.

الإنسان يقيس العدالة نسبيًا. موظف قد يكون راضيًا عن راتبه حتى يعرف أن زميلًا يؤدي دورًا أقل تعقيدًا يحصل على أكثر بلا تفسير. في لحظة واحدة يتغير معنى الرقم نفسه. لم ينخفض الراتب، لكن الإحساس بقيمته انخفض.

لذلك فإن سياسة الأجور ليست مجرد ميزانية؛ هي رسالة عن كيف تقدر المؤسسة الأدوار والأشخاص. عندما تكون الفروق مفهومة بسبب الخبرة أو الندرة أو الأداء أو نطاق المسؤولية، يمكن تقبلها. أما الفروق التي تبدو نتيجة تفاوض فردي أو قرب من المدير أو تاريخ غير محدث، فتخلق شعورًا بأن النظام لا يحمي أحدًا.

العدالة لها أكثر من وجه. هناك عدالة في النتيجة: هل المقابل مناسب؟ وهناك عدالة في الإجراء: هل اتُخذ القرار وفق قواعد واضحة؟ وهناك عدالة في المعاملة: هل تم شرح القرار باحترام؟ قد لا تستطيع الشركة إعطاء الجميع ما يريدون، لكنها تستطيع غالبًا تحسين طريقة اتخاذ القرار وشرحه.

من أكثر الأخطاء شيوعًا الاعتماد على الزيادة العامة لعلاج مشكلات مختلفة. موظف غاضب من مديره لن يصلح الأمر معه بضعة في المئة. موظف يرى أن ترقيته تعطلت بلا سبب قد يعتبر الزيادة محاولة لشراء صمته. وموظف يعمل فوق نطاق دوره قد يظل يشعر بالظلم حتى لو ارتفع راتبه ما دام المسمى والصلاحية والتقدير لم تتغير.

هذا لا يعني التقليل من أهمية الأجور التنافسية. إذا كانت الشركة تدفع أقل من السوق بشكل واضح، فالحديث عن الثقافة وحدها لن يكفي. العدالة تبدأ من أساس اقتصادي معقول. لكنها لا تنتهي عنده.

من المهم أيضًا مراجعة الرواتب داخليًا، لا فقط مقارنة السوق. قد تكشف البيانات فروقًا تراكمت عبر سنوات بسبب توظيف أشخاص جدد بأسعار أعلى، بينما ظل موظفون قدامى قريبين من مستوياتهم السابقة. هذه الظاهرة إذا تُركت قد تجعل الولاء نفسه عقوبة مالية.

الشفافية لا تعني نشر راتب كل شخص. يمكن للشركة أن توضح فلسفتها: كيف تُصنف الوظائف؟ ما نطاقات الأجور؟ ما دور الأداء؟ متى تتم المراجعة؟ ما العوامل التي تؤثر في الانتقال داخل النطاق؟ حين يفهم الناس المنطق، يقل اعتمادهم على الإشاعات.

العدالة تظهر كذلك في الفرص: من يحصل على التدريب، والمشروعات المهمة، والترقيات، والمرونة. إذا كانت هذه المزايا موزعة بطريقة غير عادلة، فلن تصلحها الزيادة المالية وحدها.

الشركة التي تريد الاحتفاظ بالناس لا يجب أن تسأل فقط: كم ندفع؟ بل أيضًا: هل يستطيع الموظف أن يفهم لماذا يحصل على ما يحصل عليه، ولماذا يحصل غيره على شيء مختلف؟ المال يمكن أن يخفف الاستياء، لكنه لا يشتري الثقة إذا كان النظام نفسه محل شك. ولهذا أرى أن العدالة أهم من الزيادة، ليس لأنها بديل عنها، بل لأنها هي التي تحدد كيف سيفهم الموظف قيمة الزيادة أصلًا.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال