«جمهورية الأشباه.. هنا تبدأ عملية تصنيع المشهور»

لم نعد أمام أزمة فن رديء، بل أمام مرحلة أكثر عبثًا، أشخاص لا يقدمون فنًا من الأساس، ومع ذلك يريدون مقاعدهم كاملة في صفوف المشاهير، فجأة امتلأ المشهد بـ«شبيه عبد الحليم حافظ»، و«شبيهة زبيدة ثروت»، و«شبيهة نرمين الفقي»، و«ملك جمال الشرقية»، ثم يأتي اللقب الأكثر سهولة واتساعًا «بلوجر»، ألقاب تتكاثر، وكاميرات تتحرك، ومناسبات تمتلئ، وصور تُنشر، بينما يظل الشيء الوحيد الغائب عن المشهد هو الإنجاز الذي يبرر كل هذا الحضور.
نحن أمام جمهورية كاملة من الأشباه، جمهورية لا تحتاج تأشيرة دخولها إلى موهبة أو عمل أو تاريخ، بل يكفي أن تشبه مشهورًا، أو تمنح نفسك لقبًا مثيرًا، أو تعرف الطريق إلى المكان الذي تقف فيه الكاميرات، وبعد عدة صور ومناسبات ولقاءات تبدأ عملية تصنيع «المشهور»، فيُستضاف لأنه معروف، ويصبح معروفًا لأنه استُضيف، ويُدعى إلى المناسبات لأنه ظهر في مناسبات سابقة، حتى يستيقظ الجمهور ذات صباح ليجد أمامه «نجمًا» جديدًا، لا يعرف أحد متى أصبح نجمًا، ولا ماذا قدم، ولا حتى لماذا يُفترض أن نهتم به.
والأكثر استفزازًا أن المشهد لم يعد مجرد حالة طريفة نضحك عليها، بل أصبح سباقًا محمومًا نحو الضوء، بلا أي اكتراث بما سيحدث بعد الوصول إليه، وكأن الشهرة لم تعد مكافأة تأتي بعد الإنجاز، وإنما غنيمة يكفي أن تصل إليها أولًا، ثم تبحث لاحقًا عن موهبة تبررها، وهنا يصبح السؤال الذي ينبغي أن يُرفع في وجه هذا الزحام كله بسيطًا وقاسيًا: قبل أن تخبرونا بمن تشبهون، وأي لقب تحملون، وأي مناسبة حضرتم، أخبرونا أولًا ماذا قدمتم؟
من الفن إلى الشبه
السؤال ليس هل يشبه هذا عبد الحليم فعلًا؟ أو هل تشبه تلك زبيدة ثروت أو نرمين الفقي؟ السؤال الحقيقي هو ثم ماذا؟ ماذا بعد التشابه؟ وما الموهبة التي تستحق أن نقدمها للناس؟ وما العمل الذي أنجزه صاحب اللقب؟ ولماذا يتحول التشابه في الملامح، وهو أمر لا فضل للإنسان فيه أصلًا، إلى شبه مهنة وبطاقة مرور إلى عدسات المصورين؟
عبد الحليم حافظ لم يصبح عبد الحليم لأن ملامحه جميلة، وإنما بتاريخ من الأغنيات والأفلام والحضور الفني الذي بقي في ذاكرة أجيال، وزبيدة ثروت لم تبقَ في ذاكرة الجمهور لأن أحدهم اخترع لها لقبًا مثيرًا، وإنما لأنها كانت جزءًا من تاريخ سينمائي، لذلك تبدو المفارقة واضحة، فالبعض قد يستعير من النجوم ملامحهم، لكنه لا يستطيع استعارة الشيء الذي صنع نجومية هؤلاء أصلًا، الموهبة والعمل.
ألقاب تبحث عن أصحابها
ثم نصل إلى الألقاب التي أصبحت في حد ذاتها وسيلة للشهرة، فعندما يُقدم شخص باستمرار باعتباره «ملك جمال الشرقية» مثلًا، فمن الطبيعي أن يسأل الجمهور: من منحه هذا اللقب؟ وفي أي مسابقة؟ ومن الجهة المنظمة؟ وما معايير الاختيار؟ فهناك فارق كبير بين لقب حصل عليه شخص في مسابقة معلنة ومعروفة، وبين لقب يبدأ على صفحة، ثم تكرره صفحة أخرى، ثم تتناقله المواقع، وبعد عشرات مرات التكرار يتحول في أذهان البعض إلى حقيقة لا يسأل أحد عن أصلها.
أما كلمة «بلوجر»، فقد أصبحت عند البعض صندوقًا يتسع لكل شيء تقريبًا، تسأل عن شخص ماذا يفعل؟ فيأتيك الرد «بلوجر»، وتسأل ماذا يقدم؟ فيأتيك الرد «كونتنت»، ثم تبحث عن هذا المحتوى، فتكتشف في أحيان كثيرة أن المحتوى الأساسي هو الشخص نفسه، حضر مناسبة، والتقط صورًا، ونشرها، فتحدثت صفحات عن حضوره، ثم أعاد هو نشر أخبار الصفحات التي تحدثت عن حضوره، وهكذا نصل إلى دائرة مغلقة من الشهرة، يصبح فيها الظهور سببًا للظهور، والخبر سببًا لخبر آخر، بينما يظل السؤال الأصلي بلا إجابة، ما الذي قدمه أصلًا؟
موسم الهجرة إلى المناسبات
الأكثر إثارة للدهشة هو هذا الهوس بحضور المناسبات العامة وحفلات المشاهير، وكأن أبوابها أصبحت بوابة اعتماد اجتماعي جديدة، فهناك من يبدو أن مشروعه الأساسي هو أن يوجد حيث توجد الكاميرات، مهرجان، أو حفل، أو افتتاح، أو عيد ميلاد، أو مناسبة فنية أو اجتماعية، المهم أن تكون هناك عدسة قادرة على تسجيل الحضور.
تظهر الصورة، وتنتشر على مواقع التواصل، فيصبح صاحبها معروفًا قليلًا، وبما أنه أصبح معروفًا يبدأ التعامل معه باعتباره «مشهورًا»، ثم يمنحه ذلك فرصة ظهور جديدة، فتزداد الصور ويزداد الانتشار، وبعد فترة يصبح مجرد وجوده في المكان خبرًا، وهكذا نصنع مشهورًا لأننا قررنا التعامل معه باعتباره مشهورًا، إنها عملية تدوير كاملة للشهرة، حضور يصنع صورًا، والصور تصنع انتشارًا، والانتشار يصنع دعوات، والدعوات تصنع حضورًا جديدًا، ثم يتحول كل ذلك إلى سيرة ذاتية عنوانها الوحيد «كان هناك».
وفي وسط هذه الدائرة يقف الجمهور ليسأل السؤال الذي قد يفسد الحفل كله: «هو مشهور ليه؟».
عندما يصنع الإعلام النجم
هنا لا يمكن إعفاء بعض وسائل الإعلام وصفحات التواصل من المسؤولية، فعندما توضع الكاميرا أمام كل صاحب لقب غريب، وعندما يصبح «شبيه الفنان» مادة للحوار لمجرد الشبه، وعندما يتحول حضور شخص إلى مناسبة عامة إلى خبر مستقل، فنحن لا نغطي ظاهرة الشهرة فقط، بل قد نشارك في صناعتها.
والأخطر أن منطق «الترند» يكافئ الغرابة، فكلما كان اللقب أكثر إثارة للفضول زادت احتمالات النقر والمشاهدة والمشاركة، وهكذا يمكن لشخص بلا تجربة فنية أو ثقافية أو إبداعية واضحة أن يحصل على مساحة تفوق أحيانًا مساحة موهوب يعمل منذ سنوات، فقط لأن الأول يمتلك لقبًا يصلح لعنوان مثير، وصورة تصلح لمنشور سريع.
وهنا تصبح المشكلة أكبر من مجموعة أشخاص تبحث عن الأضواء، إنها مشكلة مشهد إعلامي ورقمي يمنح الضجيج أحيانًا قيمة أكبر من الإنجاز، ثم يتساءل بعد ذلك لماذا أصبح البعض مستعدًا لفعل أي شيء من أجل دقائق أمام الكاميرا.
الجمهور شريك في الصناعة
الجمهور أيضًا ليس بعيدًا عن المسؤولية، فنحن قد نسخر من هؤلاء صباحًا ثم نبحث عن أخبارهم مساءً، وقد نكتب تعليقًا ينتقد ظهورهم ثم نرسل الفيديو إلى الأصدقاء لنقول «شوف وصلنا لإيه»، فنمنح المحتوى آلاف المشاهدات الإضافية.
وفي اقتصاد مواقع التواصل لا يهم كثيرًا إن كنت تحب الشخص أو تسخر منه، المهم أنك ضغطت وشاهدت وعلقت وشاركت، وهكذا قد يتحول الغضب من الظاهرة نفسه إلى الوقود الذي يبقيها حية، ويمنح أصحابها المزيد من الظهور الذي ننتقده.
ماذا قدمتم؟
ليس من حق أحد أن يمنع إنسانًا من حضور مناسبة دُعي إليها، أو أن يختار لنفسه الوصف الذي يريده، لكن من حق الجمهور والإعلام أن يضعا معيارًا بسيطًا قبل منح أي شخص مساحة الشهرة: ماذا قدمت؟ بعيدًا عن الشبه من أنت؟ وبعيدًا عن اللقب ماذا أنجزت؟ وبعيدًا عن صور المناسبات ما المحتوى؟ وبعيدًا عن كلمة «بلوجر» ماذا لديك بالفعل لتقوله للناس؟
كانت الشهرة يومًا نتيجة لشيء، أغنية ناجحة، أو دور لا يُنسى، أو كتاب، أو بطولة، أو اختراع، أو موهبة، أو سنوات من العمل، أما عندما تصبح الشهرة هي الإنجاز نفسه، والظهور هو الموهبة، والمناسبة هي العمل، واللقب هو السيرة الذاتية، فنحن أمام انقلاب كامل في معنى «المشهور».
الأضواء تستطيع أن تجعل الوجه معروفًا، لكنها لا تستطيع أن تصنع قيمة، والكاميرا قادرة على تسجيل الحضور، لكنها عاجزة عن اختراع الموهبة، والترند قد يمنح صاحبه أيامًا من الضجيج، لكنه لا يستطيع وحده أن يمنحه تاريخًا.
وعندما تنتهي المناسبة، وتُطفأ الأنوار، وتغادر الكاميرات، سيظل هناك سؤال واحد لا تستطيع الألقاب ولا الصور ولا أعداد المتابعين الهروب منه: ماذا قدمتم حتى يعرفكم الناس؟
فإن لم تكن هناك إجابة، فنحن لا نصنع نجومًا، ولا فنانين، ولا رموزًا جديدة، نحن فقط نصنع زحامًا أمام الكاميرا.