«جولة خرجت عن النص».. مديرة مدرسة تواجه محافظ القليوبية بفواتيرها: أين تذهب ميزانية التعليم؟

لم تكن الجولة المفاجئة التي أجراها الدكتور المهندس حسام عبد الفتاح، محافظ القليوبية، داخل عدد من مدارس كفر شكر وبنها مجرد متابعة تقليدية للاستعداد للعام الدراسي الجديد؛ فخلال ساعات تحولت مشاهد الجولة إلى قضية أثارت نقاشًا واسعًا، خصوصًا بعدما دخل المحافظ في حوار حاد مع مديرة إحدى المدارس، قبل أن تكشف أمامه أنها ووكيلة المدرسة تحملتا من أموالهما الخاصة جزءًا من تكلفة تجهيز المدرسة وإصلاح مرافقها.

جولة قبل انطلاق الدراسة
بدأ محافظ القليوبية جولته، الاثنين 7 سبتمبر، لمتابعة جاهزية عدد من المدارس في كفر شكر وبنها، والوقوف على مستوى النظافة والصيانة وتجهيز الفصول ودورات المياه والأفنية، قبل استقبال الطلاب في العام الدراسي الجديد.
وخلال تفقد مدرسة برقطا الإعدادية المشتركة بكفر شكر، رصد المحافظ عددًا من الملاحظات المتعلقة بالنظافة والاستعداد، كما أثار ظهور مدير المدرسة مرتديًا الجلباب نقاشًا بينهما حول الزي الرسمي. وانتهت الزيارة بقرار استبعاد مدير المدرسة، في ظل الملاحظات التي رصدتها الجولة بشأن مستوى النظافة والجاهزية، وليس بسبب ملابسه وحدها بحسب مجمل التغطيات المنشورة.
وفي المقابل، لم تكن نتائج الجولة سلبية في جميع المدارس، إذ أشاد المحافظ بمستوى الاستعداد في مدرسة برقطا الابتدائية، وهو ما أظهر أن تقييم المدارس خلال الجولة اختلف وفقًا لما تم رصده داخل كل مدرسة.
مدرسة الشهيد أحمد سمير تقلب المشهد
لكن المشهد الذي أشعل الجدل وقع داخل مدرسة الشهيد أحمد سمير بكفر الجزار التابعة لإدارة بنها التعليمية.
فخلال تفقد أحد الفصول، أبدى المحافظ استياءه من وجود مخلفات ومستوى النظافة، ودخل في نقاش مباشر مع مديرة المدرسة حول مسؤولية الإدارة عن الحفاظ على نظافة المكان، خاصة مع اقتراب استقبال الطلاب.
المديرة أوضحت أن أعمال التنظيف لم تكن قد انتهت، وأن العمال كانوا منشغلين باستلام الكتب، وأن تنظيف المدرسة كان مقررًا له لاحقًا. لكن المحافظ تمسك بضرورة أن تكون النظافة مستمرة وألا ترتبط بموعد الزيارات أو قرب بدء الدراسة.

«أنا بصرف من جيبي»
هنا أخذ الحوار مسارًا مختلفًا تمامًا.
فبدلًا من الاكتفاء بالرد على ملاحظة النظافة، بدأت المديرة في شرح حجم المشكلات التي تواجهها المدرسة، مؤكدة أنها اضطرت إلى الإنفاق من مالها الخاص على بعض احتياجاتها.
وبحسب أكثر من تغطية للواقعة، قالت المديرة إنها ووكيلة المدرسة أنفقتا نحو 18 ألف جنيه من أموالهما الخاصة على أعمال وتجهيزات مرتبطة بالمرافق، بينما ذكرت خلال الحوار أن تكلفة توصيل الكهرباء وحدها بلغت نحو 7100 جنيه. كما تحدثت عن مشكلات المياه والصرف وتجهيزات أخرى، مؤكدة وجود مستندات ومخاطبات تثبت ما تقوله.
وقالت المديرة أيضًا إن المدرسة سبق أن خاطبت الجهات المختصة بشأن احتياجاتها، بينما أظهرت الجولة أن بعض المشكلات المتعلقة بالمرافق لم تكن قد حُلت حتى ذلك الوقت.
المحافظ يشكك.. والمديرة تُخرج المستندات
زاد الجدل عندما رد المحافظ على حديث المديرة، رافضًا تصوير الأمر وكأنها تتحمل مسؤوليات الدولة بالكامل، وقال لها خلال الحوار: «متفهمنيش إنك بتصرفي على الدولة يا أستاذة».
لكن المديرة أصرت على روايتها، وانتقلت مع المحافظ إلى مكتبها، حيث عرضت عليه فواتير ومخاطبات ومستندات قالت إنها تثبت الأموال التي أنفقتها والأعمال التي تمت داخل المدرسة.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك؛ إذ عرضت المديرة مشكلة الصرف الصحي، وأشارت إلى أن مياه الصرف كانت تتسبب في غرق المدرسة، كما عرضت على المحافظ مقطعًا مصورًا يوثق المشكلة. وخرج المحافظ لمعاينة الوضع خارج المدرسة بنفسه.
الجولة تتحول من محاسبة المديرة إلى استدعاء المسؤولين
بعد معاينة المشكلات، تحول مسار الجولة من توجيه الملاحظات لإدارة المدرسة إلى مطالبة الجهات المختصة بالتدخل.
واستدعى المحافظ مسؤول هيئة الأبنية التعليمية بالقليوبية للوقوف على مشكلات المدرسة، كما وجّه رئيس مركز ومدينة بنها بسرعة التعامل مع مشكلة الصرف الخارجي والتنسيق مع شركة مياه الشرب والصرف الصحي، إلى جانب رفع كفاءة فناء المدرسة وتلافي الملاحظات الموجودة بالفصول والمرافق قبل استقبال الطلاب.
وهنا أصبحت القضية المطروحة على مواقع التواصل أكبر من «قمامة داخل فصل»: إذا كانت إدارة مدرسة حكومية تضطر بالفعل إلى اللجوء إلى جهود ذاتية لتوفير أو إصلاح خدمات أساسية، فأين تنتهي مسؤولية مدير المدرسة وأين تبدأ مسؤولية الجهات التعليمية والتنفيذية؟
محمود بدر يدخل على الخط: المديرة تستحق التكريم
الواقعة انتقلت سريعًا من مواقع التواصل إلى البرلمان، إذ علّق النائب محمود بدر على ما حدث، معتبرًا أن مديرة المدرسة تستحق التقدير على ما قامت به.
وانتقد بدر طريقة التعامل معها، معتبرًا أن إنفاقها من أموالها لمساعدة الطلاب وتحسين المدرسة لا ينبغي أن يُفهم باعتباره ادعاء بأنها «تصرف على الدولة». كما وجّه انتقادًا للمحافظ بشأن أسلوب إدارة الموقف أمام الكاميرات.
غضب على مواقع التواصل
المقطع المتداول من الجولة أثار موجة انتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي، تركز جزء كبير منها على أسلوب الحديث مع المديرة، بينما اعتبر متابعون أن الأزمة الحقيقية لا تتعلق بالنظافة وحدها، وإنما بالإمكانات المتاحة للمدارس ونقص العمالة والتمويل اللازم للصيانة والتجهيز.
ووصلت بعض ردود الفعل المنشورة إلى المطالبة بمساءلة المحافظ أو استقالته، فيما دافع آخرون عن ضرورة وجود رقابة ميدانية صارمة على جاهزية المدارس قبل وصول الطلاب.
عمرو أديب: أين تذهب الأموال المخصصة للمدارس؟
وامتد الجدل إلى البرامج التلفزيونية، حيث تناول الإعلامي عمرو أديب الجولة، متسائلًا عن مسؤولية وزارة التربية والتعليم والأموال التي يتم إنفاقها على المدارس، في ظل ظهور مقاعد متهالكة ومشكلات مرافق ونظافة قبل انطلاق الدراسة.
وفي تطور آخر، قال أديب إن حزب حماة وطن تبرع بـ500 ألف جنيه للمساهمة في ترميم إحدى المدارس التي شملها الجدل، كما أعلن حسام الخولي، نائب رئيس حزب مستقبل وطن، استعداد الحزب للمساهمة في إصلاح المقاعد التي تحتاج إلى صيانة في المدارس الحكومية.
جولة كشفت أزمة أكبر
وبين قرار استبعاد مدير، والإشادة بإدارة مدرسة أخرى، ومواجهة ساخنة مع مديرة مدرسة ثالثة، تجاوزت جولة محافظ القليوبية هدفها الأصلي المتمثل في متابعة استعدادات العام الدراسي، لتفتح ملفًا أكثر تعقيدًا يتعلق بواقع المدارس الحكومية وحدود المسؤولية بين إدارات المدارس والإدارات التعليمية وهيئة الأبنية والجهات المحلية.
فالمشهد الذي بدأ بسؤال عن القمامة انتهى بمستندات وفواتير ومشكلة صرف صحي واستدعاء مسؤولين، ثم انتقل إلى البرلمان والإعلام ومواقع التواصل.
ولذلك ربما لم يعد السؤال الأهم بعد الجولة: لماذا كانت هناك قمامة داخل الفصل؟
بل أصبح: لماذا تضطر إدارة مدرسة حكومية، بحسب ما قدمته من مستندات وما أكدته خلال الجولة، إلى اللجوء لأموال وجهود ذاتية من أجل توفير احتياجات أساسية يفترض أن تكون متاحة قبل وصول الطلاب؟









