المريض يشكو والطبيب يدافع.. أين الإدارة في مستشفيات جامعة المنيا؟

ليست كل شكوى من داخل المستشفى دليلًا على خطأ طبي، لكن أخطر ما يمكن أن تواجهه أسرة مريض في لحظة الخوف هو أن تشعر بأن شكواها لا تجد من يسمعها، وأن الأسئلة التي تبحث لها عن إجابات تضيع بين غرف الأطباء ومكاتب الإدارة، هنا تتحول الشكوى من طلب بسيط للفهم أو التدخل إلى مرارة وغضب، ويخرج ما كان يمكن احتواؤه داخل المستشفى إلى مواقع التواصل الاجتماعي في صورة استغاثة قاسية، بينما يجد الطبيب نفسه في المقابل أمام اتهامات علنية قد تمس سمعته ومهنيته قبل أن يفحص أحد حقيقة ما حدث، وبين مريض لا يشعر بأن صوته وصل، وإدارة قد لا تنجح في احتواء غضب أسرته، وطبيب يرى نفسه متهمًا دون دليل، تتسع فجوة الثقة داخل مستشفيات جامعة المنيا.
وهذا ما كشفته الأزمة الأخيرة في مستشفى القلب والصدر الجامعي بالمنيا، بعدما أطلق أحد أهالي المرضى استغاثة تحدث فيها عن بقاء والدته داخل قسم جراحة الصدر لنحو 40 يومًا، ووجّه اتهامات بشأن ضعف المتابعة والرعاية وتحدث عن مضاعفات لحالات أخرى، قبل أن يرد طبيب بالمستشفى رافضًا هذه الاتهامات ومؤكدًا أن بعض الحالات تصل في مراحل متأخرة وأن طول الإقامة أو حدوث المضاعفات لا يعني بالضرورة وجود إهمال طبي، لتتحول الواقعة من شكوى عن حالة مريض إلى مواجهة بين أسرة غاضبة وطبيب يدافع عن المستشفى، وتعيد طرح السؤال الأهم حول دور الإدارة في الاستماع إلى شكاوى المرضى والتحقيق فيها وشرح حقيقة ما يحدث قبل أن تصبح مواقع التواصل الاجتماعي ساحة للاتهام والدفاع.
حين لا يجد المريض من يسمعه
المشكلة في مثل هذه الوقائع لا تبدأ دائمًا من وجود خطأ طبي، فقد تبدأ من غياب المعلومة نفسها، فأهل المريض لا يمتلكون المعرفة التي تسمح لهم بالتمييز بين المضاعفات الطبيعية والخطأ الطبي، ولا يعرفون لماذا طالت فترة العلاج أو لماذا تدهورت الحالة بعد تدخل جراحي كان يفترض في تصورهم أن يؤدي إلى التحسن، وهنا يصبح الشرح جزءًا أساسيًا من العلاج، لأن الأسرة التي تحصل على معلومات واضحة عن تطورات الحالة والمخاطر وخطة العلاج تكون أكثر قدرة على فهم ما يحدث، بينما يفتح غياب المعلومة الباب أمام الخوف والشك ثم الاتهام.
وفي مستشفى جامعي يتعامل مع حالات صعبة ومعقدة لا يمكن النظر إلى التواصل مع أهل المريض باعتباره أمرًا ثانويًا، فالطبيب قد يكون أدى واجبه الطبي كاملًا، لكن ذلك لا يمنع أن يشعر أهل المريض بالإهمال إذا لم يجدوا من يشرح لهم ما يحدث، ومن هنا تصبح مسؤولية المستشفى مزدوجة، علاج المريض من ناحية وإدارة العلاقة مع أسرته من ناحية أخرى.
طول الإقامة لا يعني الإهمال
ما قاله الطبيب في رده بشأن طول فترة بقاء المريض داخل المستشفى يمثل نقطة مهمة، فالإقامة لمدة طويلة لا تصلح وحدها دليلًا على وقوع إهمال، وقد تكون الحالة نفسها شديدة التعقيد وتحتاج إلى متابعة ممتدة، كما أن ظهور مضاعفات بعد العمليات لا يعني بصورة تلقائية أن العملية أُجريت بطريقة خاطئة، والوفاة أيضًا لا تكفي وحدها للحكم بوجود خطأ طبي، خصوصًا مع الحالات المتأخرة أو شديدة الخطورة.
لكن المشكلة تبدأ عندما تظل هذه الحقائق معروفة للفريق الطبي وحده ولا تصل إلى الأسرة بلغة تستطيع فهمها، فإذا كانت حالة المريض تستدعي البقاء 40 يومًا فمن حق أسرته أن تعرف لماذا، وإذا ظهرت مضاعفات فمن حقها أن تعرف طبيعتها وأسبابها وكيف يتعامل الأطباء معها، فالشرح هنا لا يمثل دفاعًا عن المستشفى وإنما حقًا أصيلًا للمريض وذويه.
«قدم شكوى» ليست نهاية المسؤولية
دعوة صاحب الاستغاثة إلى اللجوء لطرق الشكوى داخل المستشفى تبدو منطقية، لكنها تفتح سؤالًا آخر، ماذا يحدث بعد تقديم الشكوى، وهل يشعر المواطن بالفعل أن هناك من يستمع إليه ويتابع ما يقوله ويعود إليه بنتيجة واضحة، أم أن المسألة تنتهي عند تسجيل شكواه وانتظار رد قد لا يعرف متى يأتي.
الإدارة الفعالة لا تنتظر وصول الأزمة إلى مواقع التواصل حتى تتحرك، وإنما تلتقط مؤشرات الغضب مبكرًا وتفتح باب الحوار مع الأسرة وتراجع ما تقوله، لأن احتواء الشكوى لا يعني الاعتراف بصحتها، والاستماع إلى المريض لا يعني إدانة الطبيب، بل إن التحقيق السريع قد يكون أفضل وسيلة للدفاع عن الفريق الطبي نفسه إذا ثبت أنه التزم بالأصول المهنية.
الطبيب ليس متهمًا حتى تثبت براءته
وفي المقابل فإن حالة الغضب التي يعيشها أهل المريض لا تمنحهم الحق في إصدار حكم طبي نهائي، فاتهام طبيب بإجراء عملية بصورة خاطئة أو التسبب في وفاة مريض اتهام شديد الخطورة لا يمكن إثباته بمنشور على مواقع التواصل، والطبيب الذي يعمل أمام حالات معقدة لا يستطيع أن يضمن نتيجة العلاج مهما كانت كفاءته أو حجم الجهد المبذول.
ومن حق الأطباء داخل مستشفيات جامعة المنيا أن تكون هناك منظومة تحميهم أيضًا من الاتهامات غير المستندة إلى دليل، لأن الطبيب الذي يصبح مهددًا بمحاكمة إلكترونية عقب كل مضاعفة لن يعمل في بيئة صحية سليمة، لكن هذه الحماية يجب أن تأتي عن طريق التحقيق والتوثيق وإظهار الحقيقة وليس من خلال مواجهة أسرة المريض أو التقليل من شكواها.
قسوة الرد لا تطفئ غضب الأسرة
قد يكون الطبيب محقًا علميًا في كثير مما يقوله، لكن لغة الرد نفسها تصبح جزءًا من الأزمة عندما يشعر أهل المريض بأن ألمهم يُقابل باللوم أو التشكيك، فهناك فارق بين أن تشرح لأسرة أن الحالة وصلت متأخرة وأن تقول لها بصورة تجعلها تشعر بأنها مسؤولة عما حدث، كما أن هناك فارقًا بين تصحيح معلومات غير دقيقة وبين التعامل مع صاحب الشكوى باعتباره خصمًا للمستشفى.
الأسرة التي تخشى فقدان مريضها تحتاج أولًا إلى من يسمعها، ثم إلى من يشرح لها، وبعد ذلك يمكن تصحيح ما لديها من معلومات، فالاحتواء الإنساني لا يتعارض مع الدفاع عن الطبيب، بل قد يكون الطريق الأقصر لمنع تحول الخلاف إلى مواجهة.
لماذا أصبح «فيسبوك» مكتب الشكاوى؟
هذه ربما تكون النقطة الأكثر دلالة في أزمة مستشفى القلب والصدر الجامعي بالمنيا، فبصرف النظر عن مدى دقة الاتهامات الواردة في الاستغاثة يبقى السؤال قائمًا، لماذا شعر صاحبها بأن نشرها على مواقع التواصل قد يكون أكثر فاعلية من إبقائها داخل أروقة المستشفى.
عندما يعتقد المواطن أن «الشير» قد يصل إلى المسؤول أسرع من مكتب الشكاوى فهذه إشارة تستحق أن تتوقف أمامها الإدارة، لأن مواجهة الظاهرة لا تكون فقط بمطالبة المواطنين بعدم نشر اتهامات غير موثقة، وإنما بجعل الطريق الرسمي للشكوى أكثر سرعة ووضوحًا وثقة، بحيث يعرف صاحب الشكوى من المسؤول عنها ومتى يحصل على الرد وما الذي انتهى إليه الفحص.
لا الشكوى إدانة ولا الدفاع براءة
الوقائع الطبية لا تحسمها المشاعر ولا المنشورات، فإذا قالت أسرة إن عملية أُجريت بصورة خاطئة وقال الطبيب إن ما حدث مضاعفة معروفة فإن الطرفين لا يملكان وحدهما إصدار الحكم النهائي، الفيصل هنا هو الملف الطبي وما يحتويه من حالة المريض عند دخوله والفحوص التي أجريت له وتقارير التدخلات الطبية وتطور حالته وطبيعة المضاعفات والإجراءات التي اتخذها الفريق المعالج.
ومن هنا يصبح التحقيق الطبي المهني هو الوسيلة الوحيدة التي تحفظ حق الجميع، فإذا ثبت وجود تقصير وجبت المساءلة، وإذا أثبتت المراجعة أن الفريق الطبي التزم بالإجراءات وأن ما حدث كان من المضاعفات المحتملة فمن حق الطبيب والمستشفى أن تُرفع عنهما الاتهامات.
إدارة مستشفيات جامعة المنيا في قلب المسؤولية
القضية إذن ليست معركة بين مريض وطبيب، بل اختبار لطريقة إدارة الأزمات داخل مستشفيات جامعة المنيا، فالإدارة هي الطرف الذي يفترض أن يقف بين غضب الأسرة ودفاع الفريق الطبي، تستمع إلى الأولى وتحمي حقها في الشكوى، وتراجع عمل الثاني وتحميه من الاتهام إذا كان قد أدى واجبه، ثم تضع أمام الطرفين نتيجة واضحة.
وجود مسؤول للتواصل مع أسر الحالات الحرجة، وتفعيل آليات سريعة لفحص الشكاوى، وإبلاغ أصحابها بنتائج ما تم بشأنها، ومراجعة الحالات التي تثير نزاعًا طبيًا بصورة محايدة، كلها إجراءات لا تنتقص من سمعة المستشفى بل تحميها، لأن سمعة المؤسسة الطبية لا تُبنى على غياب الشكاوى وإنما على قدرتها على التعامل معها بشفافية.
من يعالج أزمة الثقة؟
أزمة مستشفى القلب والصدر الجامعي بالمنيا قد تنتهي بتحقيق يثبت صحة جانب من الشكوى أو ينفيها بالكامل، لكن القضية التي كشفتها ستظل أكبر من حالة واحدة، فحين يشعر المريض أن صوته لا يصل إلا إذا تحول إلى استغاثة عامة، وحين يشعر الطبيب أن السبيل الوحيد لحماية نفسه هو الرد على أهل المريض في مواقع التواصل، فهذا يعني أن المساحة التي كان يجب أن تشغلها الإدارة تركت فارغة حتى ملأها الغضب.
المريض ليس مدانًا لأنه اشتكى، والطبيب ليس مدانًا لأن حالة مريضه تدهورت، كما أن الإدارة لا تستطيع حماية سمعة مستشفياتها بمجرد رفض ما يقال عنها، فالحماية الحقيقية تبدأ بالإنصات ثم التحقيق ثم إعلان الحقيقة لأصحاب الشأن.
وفي مستشفيات جامعة المنيا لا ينبغي أن يكون السؤال بعد كل أزمة «من كتب البوست ومن رد عليه» بل لماذا وصلت الشكوى أصلًا إلى هذه الدرجة من المرارة، وهل وجد أهل المريض بابًا مفتوحًا قبل أن يطرقوا أبواب السوشيال ميديا، لأن المستشفى الذي يعالج المرضى يحتاج أيضًا إلى علاج فجوة الثقة قبل أن تصبح هي الأخرى حالة مزمنة.