رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

د. أحمد السيد يكتب: الشهادات لا تصنع مديرًا

يمكن لجدار مكتب أن يمتلئ بالشهادات، ويمكن للسيرة الذاتية أن تحمل أسماء جامعات وبرامج عالمية، ومع ذلك يفشل صاحبها في إدارة فريق من خمسة أشخاص. هذه ليست دعوة للتقليل من التعليم؛ المعرفة مهمة، والدراسة توسع الرؤية. لكنها لا تمنح تلقائيًا القدرة على قيادة البشر.

الإدارة ليست امتحانًا نجيب فيه عن الأسئلة الصحيحة نظريًا. هي مواقف يومية غامضة: موظف ممتاز تراجع فجأة، خلاف بين شخصين قويين، قرار يجب اتخاذه بمعلومات ناقصة، عميل غاضب، ضغط من الإدارة العليا، وضرورة قول «لا» لشخص تحترمه. الشهادة قد تمنح إطارًا للتفكير، لكن الحكم يتكون بالممارسة.

بعض المديرين يعرفون المصطلحات كلها: التفويض، التحفيز، التغذية الراجعة، الأمان النفسي. لكنهم عند أول ضغط يعودون إلى الصراخ والمركزية. هنا نرى الفرق بين معرفة المفهوم وامتلاك السلوك.

القيادة تحتاج إلى وعي بالذات، وهذه مهارة لا تُقاس بسهولة في الشهادات. هل يعرف المدير أثر طريقته على الآخرين؟ هل يستطيع الاعتراف بأنه أخطأ؟ هل يميز بين الدفاع عن القرار والدفاع عن غروره؟ الشخص الذي لا يرى نفسه بوضوح قد يستخدم معرفته لتبرير سلوكه بدل تغييره.

التواصل أيضًا ليس فن الحديث الجميل فقط. المدير يحتاج إلى إجراء محادثات صعبة بوضوح واحترام. أن يخبر موظفًا أن أداءه غير كافٍ من دون إذلاله، وأن يشرح قرارًا غير شعبي من دون خداع، وأن يسمع اعتراضًا من دون اعتباره تمردًا. هذه قدرات تتطور عبر الخبرة والتغذية الراجعة.

وهناك عنصر الحكم. الكتب تقدم نماذج، لكن الواقع لا يأتي دائمًا مطابقًا لها. المدير القوي يعرف متى يطبق القاعدة ومتى يحتاج إلى استثناء، ومتى يتدخل ومتى يترك الفريق يجرب، ومتى تكون السرعة أهم من الكمال. هذه الموازنة تتكون مع الوقت.

من الخطأ كذلك أن تستخدم الشركات الشهادات كاختصار لاختيار المديرين. المؤهل يمكن أن يكون مؤشرًا على التعلم والانضباط، لكنه لا يجب أن يكون بديلًا عن تقييم السلوك والنتائج. كيف قاد مشروعًا؟ كيف تعامل مع خلاف؟ هل طور أشخاصًا؟ هل يستطيع التفويض؟ هذه الأسئلة أكثر قربًا من الوظيفة الحقيقية.

والعكس صحيح أيضًا: الخبرة وحدها لا تكفي. مدير عمل عشرين عامًا قد يكون كرر السنة الأولى عشرين مرة. التعلم المستمر مهم لأن العمل يتغير، والجيل الجديد يختلف، والتكنولوجيا تغير طريقة الإدارة. الأفضل هو الجمع بين المعرفة والتجربة والتأمل.

المؤسسة الذكية لا تسأل فقط: ما الشهادة التي يحملها المرشح؟ بل: ماذا فعل بهذه المعرفة؟ هل غيرت طريقة قراره؟ هل يستطيع تحويل المفهوم إلى ممارسة؟

الشهادات قد تفتح الباب، وقد تمنح لغة وأدوات مهمة، لكنها لا تصنع مديرًا بمفردها. المدير يُصنع حين يختبر نفسه في المسؤولية، يتلقى ملاحظات صادقة، يتعلم من أخطائه، ويثبت أن الناس والنتائج يتحسنون بوجوده. هذا النوع من الدليل لا يُعلّق على الحائط، لكنه يظهر كل يوم في الفريق.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>