رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
بروفايل

نجلاء حمدي.. «صوت المواطن» الذي يعبر من شكاوى المنيا إلى مائدة القرار

في العمل العام لا تكفي اللافتة المعلقة على باب المكتب، ولا يمنح المنصب صاحبه مكانته بين الناس بمجرد قرار التكليف، فالمواطن لا يحفظ أسماء المسؤولين من كشوف الوظائف، وإنما يتذكر من استمع إليه حين ضاقت به السبل، ومن تعامل مع شكواه باعتبارها مشكلة تستحق الحل لا ورقة تنتظر رقمًا في دفتر، ومن هنا تكتسب تجربة الدكتورة نجلاء حمدي، مدير إدارة خدمة المواطنين بديوان عام محافظة المنيا، خصوصيتها، فهي تعمل في واحد من أكثر المواقع التصاقًا بالمواطن، عند النقطة التي يلتقي فيها صوت الناس بالجهاز التنفيذي، وحيث يصبح الفارق بين إدارة تؤدي إجراءً وإدارة تبحث عن حل هو الفارق بين مواطن يغادر محبطًا وآخر يشعر أن مؤسسات دولته سمعته.

في المكان الذي تبدأ منه الحكاية

إدارة خدمة المواطنين ليست مكتبًا هامشيًا داخل ديوان المحافظة، بل هي في كثير من الأحيان الباب الذي يصل إليه المواطن بعدما يحمل شكواه بين أكثر من جهة، فمنها تمر مشكلات تتعلق بالمياه والصرف الصحي والنظافة والطرق والخدمات وغيرها، ومنها يبدأ التواصل مع الجهات المختصة ومتابعة ما تم بشأنها، وهو ما يجعل المسؤول عن هذا الملف في تماس يومي مباشر مع تفاصيل قد تبدو صغيرة على الورق لكنها تمثل بالنسبة لأصحابها أزمات حقيقية.

وتتولى الدكتورة نجلاء حمدي حاليًا إدارة خدمة المواطنين بديوان عام محافظة المنيا، وهو موقع يضعها في قلب واحدة من أكثر حلقات العمل التنفيذي حساسية وقربًا من الناس.

الشكوى ليست ورقة والمواطن ليس رقمًا

قيمة خدمة المواطنين لا تبدأ عند استلام الشكوى، وإنما عند السؤال عما حدث بعدها، هل وصلت إلى المسؤول المختص؟ هل جرى فحصها؟ هل تحركت الجهة المعنية؟ وهل أزيل سبب الشكوى أم انتهت رحلتها عند تسجيلها؟ تلك الأسئلة هي التي تصنع الفارق الحقيقي في هذا النوع من العمل التنفيذي، لأن المواطن لا يعنيه كثيرًا عدد الخطابات المتبادلة بين الإدارات بقدر ما يعنيه أن يرى نتيجة ملموسة على الأرض.

وخلال الفترة الماضية ظهرت إدارة خدمة المواطنين في عدد من الاستجابات الميدانية داخل المحافظة، من بينها التعامل مع شكاوى تتعلق بالصرف الصحي وتراكم القمامة والمخلفات وغيرها من الملفات الخدمية، حيث يجري رصد الشكاوى ونقلها وعرضها على المسؤولين ثم متابعتها مع الجهات التنفيذية المختصة حتى التحرك بشأنها.

من الشكوى على الهاتف إلى مكتب المحافظ

في هذا النوع من المواقع لا يكون النجاح في أن يعرف المسؤول المشكلة فقط، بل في قدرته على دفعها إلى المسار الصحيح، فبعض الشكاوى تحتاج إلى رئيس مدينة، وأخرى إلى شركة مياه، وثالثة إلى وحدة محلية أو مديرية خدمية، وهنا تتحول إدارة خدمة المواطنين إلى حلقة وصل بين صاحب المشكلة والجهة التي تستطيع التعامل معها.

ويتم استقبال الشكاوى من خلال أكثر من قناة، بينها منظومة الشكاوى الحكومية الموحدة ومبادرة «صوتك مسموع» ووسائل التواصل المخصصة لخدمة المواطنين، ثم إحالتها إلى الأجهزة المعنية لاتخاذ الإجراءات اللازمة بشأنها.

تأهيل للقيادة وفهم للإدارة

ويمتد مسار نجلاء حمدي إلى التأهيل القيادي والإداري، فهي من خريجات البرنامج الرئاسي لتأهيل المرأة للقيادة بالأكاديمية الوطنية للتدريب، كما درست في الأكاديمية الوطنية لمكافحة الفساد، وهي خبرات تتصل بطبيعة موقع يحتاج إلى فهم للعمل المؤسسي والتنسيق بين الجهات والتعامل مع الملفات التي تمس المواطن بصورة مباشرة.

فالعمل في خدمة المواطنين لا يحتاج فقط إلى معرفة اللوائح، وإنما إلى القدرة على الاستماع والتواصل، والتمييز بين اختصاصات الجهات، ومتابعة الملفات، والبحث عن الطريق الأقصر لوصول المشكلة إلى المسؤول القادر على اتخاذ القرار.

بين اللواء عماد كدواني والمواطن خيط لا ينبغي أن ينقطع

تظهر طبيعة عمل إدارة خدمة المواطنين بوضوح في العلاقة بين ما يطرحه الأهالي وما يصل إلى محافظ المنيا اللواء عماد كدواني، إذ يتم عرض الشكاوى التي يجري رصدها على المحافظ وتوجيه الجهات المختصة بالتحرك بشأنها، وهو نموذج يوضح كيف يمكن أن تتحول منظومة الشكاوى من مجرد استقبال للمطالب إلى وسيلة اتصال بين الشارع وصاحب القرار.

وهنا تصبح المهمة أكبر من الرد على المواطن، لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي جهاز تنفيذي هو أن تنقطع المسافة بين المسؤول والناس، وأن تتحول الشكاوى إلى ملفات صامتة، بينما وظيفة خدمة المواطنين في جوهرها هي إبقاء هذا الخيط ممتدًا، من صاحب المشكلة إلى المسؤول ومن القرار إلى التنفيذ ثم العودة إلى المواطن بنتيجة واضحة.

وجه الدولة الذي يراه المواطن

قد لا يدخل المواطن مكتب المحافظ، وربما لا يقابل رئيس المدينة، لكنه حين يتوجه إلى خدمة المواطنين يكون أمام إحدى الواجهات المباشرة للجهاز التنفيذي، ولذلك فإن طريقة استقباله وسماع مشكلته وشرح ما يمكن فعله بشأنها ليست تفاصيل شكلية، بل جزء من صورته عن المؤسسة بأكملها.

ومن هنا تكتسب فكرة أن خدمة الناس ليست مجرد وظيفة وإنما مسؤولية معناها الحقيقي، فهي رؤية تتفق مع طبيعة إدارة لا يمكن قياس عملها بعدد الأوراق التي استقبلتها فقط، وإنما بقدرتها على تحويل صوت المواطن إلى إجراء ومتابعة ونتيجة.

حين يكون الهدوء جزءًا من العمل

بعض المواقع تصنع أصحابها بالضجيج، ومواقع أخرى لا تملك رفاهية ذلك، لأن يومها يبدأ بمواطن لديه مشكلة وينتهي بآخر ينتظر إجابة، وفي هذا النوع من العمل تصبح المتابعة اليومية والصبر على التفاصيل والقدرة على التنسيق بين أكثر من جهة أدوات أساسية لا تقل أهمية عن القرار نفسه.

والملفات التي تمر عبر إدارة خدمة المواطنين تشمل طيفًا واسعًا من الخدمات، من الكهرباء ومياه الشرب والصرف الصحي والطرق إلى التعليم والصحة والتموين، وهو ما يكشف اتساع مساحة المسؤولية التي تتحرك فيها الإدارة وتشابكها مع قطاعات متعددة داخل المحافظة.

نجلاء حمدي وقصة مكتب لا ينبغي أن يغلق بابه

في النهاية لا يمكن اختصار تجربة إدارة خدمة المواطنين في اسم مسؤول أو مجموعة من الوقائع، لأن الاختبار الحقيقي لهذا الملف يتجدد كل صباح مع أول مواطن يدخل حاملًا شكواه، لكن تجربة نجلاء حمدي تقدم صورة واضحة لطبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه هذا المكتب عندما يتحول من مكان لتسجيل الطلبات إلى نقطة اتصال بين المواطن والجهاز التنفيذي.

وفي زمن تتصدر فيه عبارة «حسن معاملة المواطنين» لغة العمل التنفيذي، تصبح القيمة الحقيقية لأي مسؤول في هذا الموقع مرتبطة بما يحدث بعد أن يغادر المواطن المكتب، هل تحركت شكواه؟ هل وصلت إلى صاحب القرار؟ هل تابعها أحد؟ وهل عاد إليه حقه في أن يسمع جوابًا واضحًا؟ هنا فقط يصبح لخدمة المواطنين معناها الحقيقي، وهنا تُكتب سيرة المسؤول في ذاكرة الناس لا على باب مكتبه فقط.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>