رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
صحة

الـ50% تشعل المواجهة.. من يملك حق ارتداء البالطو الأبيض؟

جاهز للاستماع

لم يعد السؤال الدائر داخل الأوساط الطبية والجامعية في مصر هو كم كلية طب نحتاج، بل أصبح السؤال أكثر حساسية وخطورة، من يحق له أن يدخل كلية الطب أصلًا؟ ففي الوقت الذي يخوض فيه طالب الثانوية العامة سباقًا شرسًا على كل نصف درجة ليجد لنفسه مقعدًا في كلية الطب الحكومية، ويحتاج آخر إلى 85% للتقدم للطب بالجامعات الأهلية و81% بالجامعات الخاصة، فجّرت فروع جامعات أجنبية أزمة مدوية بعدما أصبح التقدم لدراسة الطب فيها متاحًا من مجموع يبدأ عند 50% وفق نظام قبول يتضمن اختبارات خاصة، ليجد الجميع أنفسهم أمام مفارقة يصعب تجاهلها، طلاب تبدأ المسافة بينهم عند بوابة الجامعة بعشرات الدرجات، لكنهم قد يلتقون بعد سنوات أمام المريض تحت لقب واحد «طبيب»

القضية لم تعد مجرد جدل عابر على مواقع التواصل الاجتماعي، بل تحولت إلى مواجهة علنية بين نقابة الأطباء ووزارة التعليم العالي، ودخل على خطها المجلس الأعلى للجامعات والبرلمان، بينما امتدت الأسئلة من «مجموع الـ50%» إلى ملف أكثر خطورة يتعلق بمستوى التدريب الإكلينيكي والمستشفيات الجامعية وقدرة منظومة التعليم الطبي على الحفاظ على جودة الطبيب المصري

الـ50% تشعل المواجهة.. «الأطباء» ترفض قواعد القبول

اشتعلت الأزمة بعدما أعلنت نقابة الأطباء أنها تحققت من معلومات عن قبول طلاب للالتحاق بكليتي طب تابعتين لجامعة دولية من شرق أوروبا بمجموع يبدأ من 50%، وهو ما اعتبرته النقابة فارقًا صارخًا مقارنة بالحدود المطبقة على كليات الطب المصرية، ولم تتعامل النقابة مع الأمر باعتباره مجرد اختلاف بين أنظمة تعليمية، بل حذرت من أن يؤدي اختلاف قواعد القبول إلى خلق «دولة داخل الدولة»، وطالبت رئيس مجلس الوزراء ووزير التعليم العالي بالتدخل وإلزام الكليات الدولية العاملة داخل مصر بالحد الأدنى المصري، إلى جانب التأكد من توافر التدريب الإكلينيكي والمستشفى الجامعي

وتقول النقابة إن الطالب الذي يدرس الطب داخل مصر ويستعد بعد سنوات للوقوف أمام مريض ينبغي أن يخضع لمعايير تضمن مستوى مناسبًا من الكفاءة بصرف النظر عما إذا كانت كليته حكومية أو خاصة أو أهلية أو فرعًا لجامعة أجنبية

نقيب الأطباء يصعّد.. «سلامة المريض قبل أي اعتبارات»

ومع استمرار الأزمة صعّد الدكتور أسامة عبد الحي نقيب أطباء مصر موقف النقابة بصورة واضحة، مؤكدًا رفض قبول طلاب بكليات الطب بمجاميع تصل إلى 50%، وقال إن دراسة الطب تحتاج إلى طالب قادر على تحمل طبيعة الدراسة والاستمرار في التعلم، وإن المسألة لا تتعلق فقط بمصلحة الطالب وإنما تصل مباشرة إلى سلامة المريض، مطالبًا الدولة بالتدخل ووضع حد أدنى مناسب للالتحاق بكليات الطب

وهنا تنقل النقابة المعركة من ساحة التنسيق إلى ساحة الأمن الصحي، فالطالب الذي يدخل كلية الطب اليوم لن يبقى طالبًا إلى الأبد، وبعد سنوات سيكون أمام مريض حقيقي وسيصبح مسؤولًا عن تشخيص ودواء وجراحة وقرار قد تكون المسافة فيه بين الصواب والخطأ هي المسافة بين الحياة والموت

التعليم العالي ترد.. «الفروع الأجنبية لها قواعدها الخاصة»

لكن وزارة التعليم العالي تنظر إلى الملف من زاوية مختلفة، إذ أوضح الدكتور عبد العزيز قنصوة وزير التعليم العالي والبحث العلمي أن الحدود الدنيا تختلف وفق نوع الجامعة، فالطب الحكومي يدور حول 94%، بينما حُدد التقدم للطب الأهلي عند 85% والخاص عند 81%

أما فروع الجامعات الأجنبية فهنا تقع نقطة الخلاف الأساسية، إذ أوضح الوزير أن هذه الفروع تعمل وفق قانون خاص وأن قواعد القبول بها مرتبطة بمعايير الجامعة الأم التي أنشأت الفرع وفقًا لقانون إنشائه، وهو ما يعني أن قراءة رقم 50% منفردًا لا تقدم الصورة الكاملة لنظام القبول

وأكد وزير التعليم العالي أن الوزارة تعمل على وضع معايير للالتحاق ببعض التخصصات وخاصة التخصصات الطبية لضمان امتلاك الخريج المستوى والجدارات التي تؤهله لممارسة المهنة، مشددًا على ضرورة الحفاظ على مستوى وسمعة الطبيب المصري

المجلس الأعلى للجامعات.. «المجموع ليس المعيار الوحيد»

وفي قلب الاشتباك يظهر تفسير آخر يقدمه الدكتور أشرف حاتم رئيس لجنة القطاع الطبي بالمجلس الأعلى للجامعات، إذ أوضح أن المقارنة المباشرة بين تنسيق الجامعات المصرية وفروع الجامعات الأجنبية ليست دقيقة بالكامل، لأن القبول في الجامعات الحكومية والخاصة والأهلية يعتمد على التنسيق والحدود الدنيا والطاقة الاستيعابية، بينما تتبع الفروع الأجنبية قواعد الجامعة الأم

والأهم أن نظام القبول في هذه الفروع لا يتوقف بالضرورة عند نسبة الثانوية العامة وإنما يتضمن اختبارات قبول، وقد يخضع الطالب في بعض الأنظمة لسنة تأسيسية أو إضافية إذا لم يحقق المستوى المطلوب، وبحسب حاتم فإن اختبارات الفروع الأجنبية موضوعة وفق نظم الجامعات الأم وتتم مراقبتها وتصحيحها إلكترونيًا من جانبها

من 85% إلى 50%.. أين تكافؤ الفرص؟

لكن هذا التفسير لا يغلق باب الأزمة بل يفتح سؤالًا أشد صعوبة، إذا كان الطالب المصري المتقدم إلى كلية طب خاصة مطالبًا ببلوغ 81% على الأقل وطالب الجامعة الأهلية يحتاج إلى 85%، فلماذا يُسمح لطالب آخر داخل الدولة نفسها بالبدء من 50% لمجرد أن الكلية تتبع جامعة أجنبية؟ وإذا كانت اختبارات القبول هي المعيار الأكثر عدالة ودقة فلماذا لا تطبق قاعدة مشابهة على الجميع؟

وهنا تتحول القضية إلى سؤال عن تكافؤ الفرص بقدر ما هي سؤال عن جودة التعليم، فالطالب الذي قضى سنوات يحارب من أجل كل نصف درجة حتى يصل إلى الثمانينيات أو التسعينيات قد يجد أمامه مسارًا آخر يسمح ببدء التقدم من 50% بشرط اجتياز منظومة قبول مختلفة والقدرة على تحمل تكاليف الدراسة

ما وراء الـ50%.. كليات طب بلا مستشفيات كافية

لكن التحقيق في ملف الـ50% يكشف أن المعركة أكبر بكثير من رقم على شهادة الثانوية العامة، فهناك أزمة أخرى تحذر منها نقابة الأطباء تتعلق بكليات طب لا تمتلك مستشفيات جامعية وتعليمية كافية لتدريب طلابها

وبحسب تصريحات منشورة لنقيب الأطباء هناك 18 كلية طب خاصة قال إن 4 منها فقط أنشأت مستشفياتها التعليمية، بينما لم تلتزم بقية الكليات حتى ذلك الوقت بإنشاء المستشفيات رغم المهلة المقررة، وترى النقابة أن الاستعانة بمستشفيات وزارة الصحة قد تصلح حلًا مؤقتًا لكنها لا يمكن أن تتحول إلى بديل دائم عن المستشفى الجامعي

وهنا يصبح السؤال أخطر من سؤال «بكام دخل الطالب كلية الطب؟»، فالسؤال الحقيقي هو أين سيتعلم وكيف سيتدرب، وهل توجد أسرة مرضى وحالات إكلينيكية وأساتذة ومستشفيات كافية لتدريب كل هذه الأعداد؟ فالطب لا يُدرَّس بالكامل داخل مدرج ولا يمكن أن تصنع طبيبًا بمجموعة محاضرات وشاشات ومعامل محاكاة فقط

تحذير من تكرار أزمة الصيدلة والأسنان

الدكتور أبو بكر القاضي الأمين العام لنقابة الأطباء وسّع دائرة التحذير، مؤكدًا أن زيادة أعداد المقبولين دون خطة واضحة للتدريب واحتياجات سوق العمل قد تعيد إنتاج أزمات شهدتها قطاعات مثل الصيدلة وطب الأسنان، كما كشف في تصريحات منشورة أن النقابة لم تكن قد تلقت حتى ذلك الوقت ردًا من وزارة التعليم العالي على خطابها المتعلق بقبول طلاب في فروع جامعات دولية بمجموع 50%

وهنا تصبح الأزمة أمام ثلاثة أسئلة لا يمكن فصل أحدها عن الآخر، من يدخل كلية الطب وكيف يتعلم وأين يعمل بعد التخرج؟

البرلمان يدخل على خط الأزمة

ولم تعد القضية حبيسة النقابة والوزارة، إذ دخل البرلمان على خط الأزمة، واعتبرت النائبة أميرة صابر أن المسألة تمس سمعة المهنة وحياة المرضى، وطرحت تساؤلات بشأن الفارق الكبير بين شروط دخول المسارات المختلفة لدراسة الطب، كما انتقدت تأخر بعض كليات الطب الخاصة في استكمال مستشفياتها التعليمية

وهو ما يفتح الباب أمام سؤال تشريعي مهم، هل يحتاج القانون المنظم لفروع الجامعات الأجنبية إلى مراجعة فيما يتعلق بالكليات الطبية؟ وهل ينبغي وضع قواعد خاصة للتخصصات التي ترتبط مباشرة بحياة المواطنين؟

هل صاحب الـ50% سيكون طبيبًا أقل كفاءة؟

ومع كل هذا الغضب يجب التوقف أمام حقيقة مهمة، لا توجد قاعدة علمية تقول إن طالبًا حصل على 50% في الثانوية سيصبح بالضرورة طبيبًا فاشلًا، كما أن حصول طالب على 95% لا يمنحه تلقائيًا شهادة الكفاءة الطبية، فالتعليم الطبي عملية طويلة تبدأ بالقبول ولا تنتهي به وتشمل سنوات الدراسة والامتحانات والتدريب الإكلينيكي والامتياز ومتطلبات الترخيص والتعلم المستمر

لكن ذلك يعيدنا إلى السؤال الذي لم يُحسم، إذا كانت اختبارات القبول الدولية قادرة بالفعل على اكتشاف الطالب المؤهل لدراسة الطب حتى لو حصل على 50%، فما طبيعة هذه الاختبارات ومن يراقبها وما نسب النجاح والرسوب فيها؟ وإذا كانت هذه الاختبارات أكثر دقة من مجموع الثانوية العامة فلماذا لا تكون هناك معايير معلنة وشفافة يستطيع المجتمع الطبي والرأي العام تقييمها؟

المريض.. الطرف الغائب عن معركة الـ50%

الأزمة في حقيقتها ليست حربًا بين طالب حصل على 50% وآخر حصل على 95%، ولا ينبغي أن تتحول إلى وصم اجتماعي للطلاب، إنها أزمة قواعد ومعايير وعدالة، فالدولة التي تسمح بمسارات متعددة لدراسة المهنة نفسها مطالبة بأن تشرح للمجتمع كيف تضمن أن اختلاف بوابات الدخول لن يؤدي إلى اختلاف خطير في مستوى الخروج

وسط الأرقام والقوانين والتنسيق والمصروفات والجامعات الأم والفروع الأجنبية يوجد طرف واحد يكاد يغيب عن المعركة رغم أنه الأكثر تأثرًا بنتيجتها، المريض، فالمريض لن يسأل الطبيب الذي يقف أمامه بعد سنوات كم كان مجموعك في الثانوية العامة، لكنه من حقه أن يكون واثقًا من أن الدولة التي منحت هذا الطبيب ترخيصًا لممارسة المهنة تأكدت من علمه وتدريبه وكفاءته

ولهذا فإن المعركة الحقيقية ليست دفاعًا عن قدسية المجموع ولا رفضًا للجامعات الدولية، وإنما دفاع عن وجود معيار قومي واضح للكفاءة الطبية يبدأ من القبول ويمتد إلى الدراسة والتدريب والترخيص

ويبقى السؤال الذي أشعل أزمة الـ50% بلا إجابة نهائية حتى الآن، إذا كانت الدولة ترى أن طالبًا يبدأ من 50% يمكن بعد اختبارات وضوابط وتدريب صارم أن يصبح طبيبًا كفؤًا فعليها أن تشرح للرأي العام كيف تضمن ذلك، وإذا كانت ترى أن دراسة الطب تحتاج أصلًا إلى حد أدنى مرتفع في الثانوية فكيف تسمح باستثناء يصل بالفارق إلى عشرات الدرجات؟

بين نقابة الأطباء التي ترفع شعار توحيد المعايير ووزارة التعليم العالي التي تتمسك بالطبيعة القانونية والأكاديمية المختلفة لفروع الجامعات الأجنبية لا يجب أن تضيع القضية في معركة أرقام، لأن الخطأ في كثير من المهن يمكن إصلاحه، أما الخطأ في إعداد الطبيب فقد لا تكون فاتورته درجة في كشف امتحان وإنما حياة إنسان

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال