«فلوس لتوصيل المياه انتهت بمحاضر سرقة».. شكوى 18 مواطنًا تفتح ملف جمعية «في حب مصر» أمام تضامن المنيا

المواطنون: دفعنا 6 آلاف جنيه للفرد مقابل توصيل قانوني للمياه وتركيب العدادات.. والخدمة لم تصل للجميع
الشكوى: 8 مواطنين دفعوا 4 آلاف جنيه إضافية.. ثم فوجئوا بمحاضر «توصيل خلسة» وغرامات مالية
140 ألف جنيه إجمالي المبالغ المذكورة في الشكوى.. وتساؤلات حول مستندات التحصيل ومصير الأموال
الملف أمام عبد الحميد الطحاوي وكيل وزارة التضامن بالمنيا.. والمواطنون يطالبون بالتحقيق ورد أموالهم ووقف نشاط الجمعية
واقعة تحمل اتهامات خطيرة وتفتح ملفًا يحتاج إلى فحص عاجل داخل مديرية التضامن الاجتماعي بالمنيا، بعدما تقدم 18 مواطنًا من قرية ريدة التابعة لمركز المنيا بشكوى ضد جمعية «في حب مصر للتنمية الشاملة»، المشهرة برقم 3074 لسنة 2019، والتي تمثلها، وفق المستند المقدم، جيهان منير حنا بطرس بصفتها رئيسة مجلس إدارة الجمعية.
المواطنون يقولون إن الحكاية بدأت في مايو 2023 بوعد واضح: دفع أموال مقابل توصيل مياه الشرب بصورة قانونية وتركيب عدادات رسمية، لكن ما يسرده أصحاب الشكوى عن النهاية مختلف تمامًا، إذ يتحدثون عن تحصيل مبالغ مالية، وعدم وصول الخدمة إلى جميع من دفعوا، ثم مطالبة بعض من وصلت إليهم المياه بمبالغ إضافية، قبل أن يفاجأوا، بحسب روايتهم، بمحاضر تتعلق بسرقة المياه والتوصيل الخلسة وغرامات مالية.
وإذا صحت الوقائع الواردة في الشكوى، فإن القضية لا تقف عند حدود نزاع بين مواطنين وجمعية أهلية، وإنما تطرح أسئلة بشأن الرقابة على نشاط جمعية مشهرة رسميًا، وحقيقة الأموال التي يقول المواطنون إنها حُصلت منهم، وكيف تم إثباتها وإنفاقها، وما إذا كانت هناك مستندات قانونية تبرر تحصيلها أو اتفاقات رسمية مع شركة مياه الشرب والصرف الصحي.

108 آلاف جنيه في بداية الحكاية
بحسب الشكوى، بدأت الواقعة خلال مايو 2023، عندما يقول المواطنون إن الجمعية حصلت من 18 شخصًا من أهالي قرية ريدة على مبلغ 6 آلاف جنيه من كل شخص، بدعوى توصيل مياه الشرب إليهم بصورة قانونية وتركيب عدادات رسمية من خلال التعامل مع شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالمنيا.
وبحساب المبالغ الواردة في شكوى المواطنين، فإن إجمالي ما يقولون إنه جرى تحصيله منهم في هذه المرحلة يصل إلى 108 آلاف جنيه.
المبلغ ليس بسيطًا، خصوصًا أن المواطنين يقولون إنهم دفعوه على أساس الحصول على خدمة محددة، وهي إنهاء الإجراءات القانونية اللازمة لتوصيل مياه الشرب وتركيب العدادات، وهو ما يجعل مستندات التحصيل وأوجه صرف هذه الأموال والتعاملات التي تمت بشأنها محورًا رئيسيًا لأي فحص إداري أو مالي للواقعة.
8 مواطنين و32 ألف جنيه إضافية
لكن الأمر، وفق ما جاء في الشكوى، لم يتوقف عند مبلغ الـ108 آلاف جنيه.
إذ يقول مقدمو الشكوى إن عملية توصيل المياه تمت لثمانية أشخاص فقط من أصل 18 مواطنًا، وإن هؤلاء الثمانية قاموا بعد ذلك بدفع مبلغ إضافي قدره 4 آلاف جنيه لكل شخص.
وبحساب المبلغ الإضافي، فإن إجمالي ما يقول المواطنون الثمانية إنهم دفعوه في هذه المرحلة يبلغ 32 ألف جنيه، ليصل بذلك مجموع المبالغ المشار إليها في الشكوى إلى نحو 140 ألف جنيه، حال ثبوت تحصيل جميع هذه الأموال بالصورة التي أوردها أصحاب الشكوى.
وهنا تبرز ضرورة التحقق من وجود إيصالات أو مستندات مقابل هذه المبالغ، والجهة التي تسلمتها، وكيف تم إثباتها ماليًا، وما إذا كانت قد دخلت الحسابات الرسمية للجمعية، وما أوجه صرفها.

دفعوا من أجل عدادات رسمية.. فواجهوا محاضر «توصيل خلسة»
هذه هي النقطة الأكثر إثارة في رواية المواطنين، إذ يقول أصحاب الشكوى إنهم دفعوا الأموال من الأساس للحصول على توصيل قانوني لمياه الشرب وتركيب عدادات رسمية، إلا أن ما حدث لاحقًا، وفق روايتهم، كان مختلفًا.
وتقول الشكوى إن التوصيل الذي تم لثمانية مواطنين جرى بطريقة وصفها مقدموها بأنها عشوائية وغير قانونية، وإن العدادات لم يتم تركيبها، قبل أن يفاجأ هؤلاء المواطنون بتحرير محاضر تتعلق بسرقة المياه والتوصيل الخلسة من جانب شركة مياه الشرب والصرف الصحي بالمنيا، إلى جانب مطالبتهم بغرامات مالية.
وإذا كانت الأموال قد دفعت بالفعل من أجل إجراءات قانونية وعدادات رسمية، فإن السؤال يصبح مباشرًا: من قام بتنفيذ توصيلات المياه؟ وبأي صفة؟ وهل كانت شركة مياه الشرب والصرف الصحي على علم بهذه الإجراءات؟ وهل صدرت مقاييس أو موافقات أو تعاقدات رسمية تخص المواطنين؟
كما يحتاج الأمر إلى تحديد ما إذا كان قد تم توريد أي مبالغ من الأموال التي دفعها المواطنون إلى شركة المياه من الأساس، وما إذا كانت هناك طلبات أو ملفات رسمية بأسماء هؤلاء المواطنين لدى الشركة.

10 مواطنين دفعوا الأموال ولم تصل إليهم المياه
جانب آخر من الشكوى يتعلق بالعشرة الآخرين من إجمالي المواطنين الـ18.
فوفقًا لرواية مقدمي الشكوى، دفع هؤلاء أيضًا مبلغ 6 آلاف جنيه لكل شخص، إلا أن توصيل المياه لم يتم إليهم.
وبذلك فإن هؤلاء العشرة وحدهم يقولون إنهم دفعوا إجمالي 60 ألف جنيه دون الحصول على الخدمة التي يقولون إن الأموال حُصلت من أجلها.
وهنا يصبح السؤال عن مصير هذا المبلغ جزءًا أساسيًا من القضية: هل الأموال موجودة ضمن حسابات الجمعية؟ وهل تم إنفاق جزء منها؟ وإذا تم إنفاقها، فما المستندات التي توضح أوجه الإنفاق؟ وإذا لم يتم تنفيذ الخدمة، فما مصير الأموال التي دفعها أصحابها؟

أين ذهبت الـ140 ألف جنيه؟
الرقم الإجمالي الذي تطرحه الشكوى يفتح الباب أمام فحص مالي وإداري واضح.
فالمواطنون يتحدثون عن 108 آلاف جنيه تمثل 6 آلاف جنيه من كل واحد من الأشخاص الـ18، إضافة إلى 32 ألف جنيه أخرى يقول ثمانية منهم إنهم دفعوها بواقع 4 آلاف جنيه لكل شخص.
وبالتالي يصل إجمالي المبالغ المذكورة في رواية مقدمي الشكوى إلى نحو 140 ألف جنيه.
ولا يعني ذكر هذا الرقم ثبوت حصول الجمعية عليه كاملًا، وإنما هو حاصل جمع المبالغ التي يقول أصحاب الشكوى إنهم دفعوها، وهو ما يجعل التحقق من المستندات والإيصالات والحسابات الرسمية ضروريًا لإثبات حقيقة المبالغ التي تم تحصيلها بالفعل.
والأسئلة هنا واضحة: هل صدرت إيصالات رسمية بهذه الأموال؟ وهل تم إثباتها في دفاتر الجمعية؟ وهل أودعت في حساباتها البنكية؟ ومن قام باستلامها؟ وهل توجد قرارات أو محاضر لمجلس إدارة الجمعية بشأن المشروع؟ وما المبالغ التي تم إنفاقها؟ ولمن تم صرفها؟ وهل تم توريد أي جزء منها إلى شركة مياه الشرب والصرف الصحي؟

هل يدخل توصيل المرافق ضمن نشاط الجمعية؟
ومن بين الأسئلة التي تفرض نفسها كذلك مدى ارتباط تحصيل أموال من المواطنين بغرض توصيل مياه الشرب وتركيب العدادات بنطاق عمل الجمعية وإجراءاتها القانونية.
فإذا ثبت تحصيل الأموال بالفعل، يصبح من الضروري تحديد الأساس الذي استندت إليه الجمعية في ذلك، وما إذا كانت هناك موافقات أو اتفاقات أو بروتوكولات تتيح لها تنفيذ هذا النوع من المشروعات، وما طبيعة علاقتها بشركة مياه الشرب والصرف الصحي في الواقعة محل الشكوى.
كما يظل من الضروري تحديد الجهة التي نفذت أعمال التوصيل فعليًا، ومن تحمل تكلفتها، وما إذا كانت هذه الأعمال تمت بموافقة شركة المياه أم من دونها.
الملف على مكتب عبد الحميد الطحاوي
وتضع الشكوى الملف أمام عبد الحميد الطحاوي، وكيل وزارة التضامن الاجتماعي بالمنيا، باعتبار أن الواقعة تتعلق بجمعية أهلية مشهرة، وأن مقدمي الشكوى توجهوا إلى التضامن مطالبين بالتدخل واتخاذ الإجراءات القانونية.
وأمام المديرية الآن مجموعة من الأسئلة التي ينتظر المواطنون إجابات عنها، تبدأ بحقيقة المبالغ التي يقولون إنها دُفعت ولا تنتهي عند مدى قانونية الإجراءات التي تمت بشأن توصيل المياه.
فهل تم فحص حسابات الجمعية عن الفترة التي بدأت فيها الواقعة في مايو 2023؟ وهل المبالغ التي يتحدث عنها المواطنون مثبتة في سجلاتها؟ وهل توجد إيصالات تحصيل رسمية؟ وهل توجد مستندات صرف تقابلها؟ وهل تم توريد أي مبالغ إلى شركة مياه الشرب والصرف الصحي؟ وهل هناك تعاقد رسمي أو اتفاق يتعلق بالمواطنين الثمانية عشر؟
كما يبرز سؤال آخر بشأن ما إذا كانت مديرية التضامن قد بدأت فحص الشكوى، وما الإجراءات التي ستتخذها حال ثبوت أي مخالفات مالية أو إدارية.
المواطنون يطالبون برد الأموال ووقف نشاط الجمعية
وطالب مقدمو الشكوى بإلزام الجمعية برد المبالغ التي يقولون إنها حصلت عليها منهم، واتخاذ الإجراءات القانونية حيال الواقعة، كما طالبوا بوقف نشاط الجمعية وإحالة المسؤولين عنها إلى الجهات المختصة.
كما أورد أصحاب الشكوى توصيفات قانونية لعدد من الوقائع، من بينها النصب وجمع تبرعات وأموال دون ترخيص والإضرار العمدي بالغير وتسهيل الاستيلاء على المال العام.
إلا أن هذه الأوصاف تظل توصيفات واتهامات واردة في شكوى المواطنين، وليست أحكامًا قضائية تثبت ارتكاب أي جريمة، ويبقى التحقيق في صحة الوقائع وتحديد المسؤوليات والتكييف القانوني من اختصاص الجهات الرسمية وجهات التحقيق والقضاء.

اسم رئيسة الجمعية في الشكوى
وتحدد الشكوى جيهان منير حنا بطرس باعتبارها رئيسة مجلس إدارة جمعية «في حب مصر للتنمية الشاملة»، وهو ما يجعل من الضروري الحصول على رد الجمعية ورئيستها بشأن جميع الوقائع الواردة في المستند.
ومن بين النقاط التي تحتاج إلى توضيح من الجمعية حقيقة تحصيل المبالغ المذكورة، وما إذا كانت قد صدرت إيصالات بها، وطبيعة المشروع الذي جرى تقديمه للمواطنين، وعلاقة الجمعية بشركة مياه الشرب والصرف الصحي، وحقيقة توصيل المياه إلى ثمانية مواطنين فقط، وموقف العشرة الآخرين، فضلًا عن حقيقة المبالغ الإضافية التي يقول الثمانية إنه تم تحصيلها منهم.
حق الرد مكفول لجميع الأطراف
وتظل جميع الوقائع محل الشكوى بحاجة إلى فحص رسمي، مع كفالة حق الرد لجمعية «في حب مصر للتنمية الشاملة» ورئيسة مجلس إدارتها جيهان منير حنا بطرس، وكذلك مديرية التضامن الاجتماعي بالمنيا وشركة مياه الشرب والصرف الصحي، بشأن ما ورد من اتهامات وتفاصيل.
فالمستند المتاح يمثل شكوى مقدمة من مواطنين، ولا يمثل في حد ذاته حكمًا قضائيًا أو نتيجة تحقيق نهائية، ومن ثم يبقى الفصل في صحة الاتهامات والمسؤولية عنها للجهات المختصة.
من مايو 2023 إلى اليوم.. أسئلة تنتظر الإجابة
وبين بداية الواقعة التي حددتها الشكوى في مايو 2023 والشكوى التي يطرح أصحابها اليوم، تظل الأسئلة معلقة: ماذا حدث للأموال التي يقول 18 مواطنًا إنهم دفعوها؟ وهل دخلت بالفعل إلى حسابات الجمعية؟ وما المستندات التي تثبت أوجه إنفاقها؟ ولماذا لم تصل المياه إلى عشرة ممن دفعوا؟ وكيف تم توصيلها إلى الثمانية الآخرين؟ ولماذا انتهى الأمر، وفق رواية الشاكين، بمحاضر تتعلق بالتوصيل الخلسة؟
والسؤال الأكبر أصبح على طاولة تضامن المنيا: كيف بدأت الحكاية بأموال دفعها مواطنون للحصول على مياه بصورة قانونية وعدادات رسمية، وانتهت بشكوى تتحدث عن نحو 140 ألف جنيه ومحاضر «توصيل خلسة»؟