أحمد السيد.. من رحلة «EgyCham» إلى إعادة هيكلة المؤسسات: سوق العمل يتغير والمهارات تعيد رسم مستقبل الوظائف
رئيس مجلس إدارةالغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية «EgyCham»:
إعادة الهيكلة ليست تسريحًا للموظفين.. وأحيانًا تكون المشكلة في الإدارة لا العاملين
من مصرف الراجحي وPepsiCo والبنك الأهلي وQNB وإعمار إلى سايلو فودز.. رحلة مع كبرى المؤسسات المحلية والإقليمية والدولية
«الموظف قد يترك مديره قبل أن يترك شركته».. والراتب وحده لا يكفي للاحتفاظ بالكفاءات
الـHR الذي لا يفهم كيف تحقق شركته أرباحها لن يستطيع أن يكون شريكًا حقيقيًا في إدارتها
في عالم أصبحت فيه الكفاءات البشرية واحدة من أهم أصول المؤسسات، ولم تعد المنافسة بين الشركات مقتصرة على رأس المال أو التكنولوجيا، يبرز اسم الدكتور أحمد السيد أستاذ واستشاري الموارد البشرية ورئيس مجلس إدارة الغرفة المصرية لإدارة الموارد البشرية «EgyCham» كأحد المتخصصين الذين جمعوا بين الجانب الأكاديمي والعمل الاستشاري والتدريب والتعامل المباشر مع تحديات الشركات وإعادة بناء أنظمتها الإدارية.
وعلى مدار أكثر من عقدين في إدارة الموارد البشرية والاستشارات والتدريب والتطوير المؤسسي، تنقل أحمد السيد بين مساحات مختلفة داخل عالم إدارة البشر، من التدريب وبناء الكفاءات إلى الاستشارات وإدارة التغيير وإعادة الهيكلة، وصولًا إلى التعامل مع قضايا أكثر تعقيدًا تتعلق بهياكل الأجور والصلاحيات وتقييم الأداء والتخطيط للقوى العاملة وبناء الصف الثاني داخل المؤسسات.

وتمنحه هذه الرحلة زاوية مختلفة في النظر إلى سوق العمل، فهو لا يرى المشكلة من مقعد الموظف وحده ولا من مكتب صاحب العمل فقط، وإنما من داخل المؤسسة نفسها، حيث تتقاطع قرارات الإدارة مع طموحات العاملين، وحيث يمكن لقرار إداري واحد أن يصنع فريقًا ناجحًا أو يدفع أفضل الكفاءات إلى الرحيل.
وامتدت خبراته المهنية والتدريبية والاستشارية إلى مؤسسات تعمل في قطاعات مختلفة داخل مصر وخارجها، فيما ارتبط جانب من مسيرته بمشروعات إعادة الهيكلة والتطوير التنظيمي وبناء أنظمة الموارد البشرية، وهي الخبرة التي وضعته أمام نماذج مختلفة من المؤسسات بدءًا من الشركات التي تبحث عن تنظيم نموها وصولًا إلى كيانات كبيرة تحتاج إلى إعادة ضبط طريقة العمل وتوزيع الصلاحيات وربط الأشخاص بالأهداف.
ويأتي الحوار معه في توقيت يشهد فيه سوق العمل واحدًا من أكبر التحولات في تاريخه الحديث، فالذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل الوظائف، والأجيال الجديدة تدخل المؤسسات بتصورات مختلفة عن المدير والاستقرار والمسار المهني، والشركات تواجه تحديًا مزدوجًا في العثور على الكفاءات ثم الاحتفاظ بها، بينما لم تعد الشهادة الجامعية وحدها ضمانة للحصول على فرصة أو الاستمرار فيها.
في هذا الحوار يفتح الدكتور أحمد السيد ملفات سوق العمل وإدارة البشر وإعادة الهيكلة وأخطاء المديرين وأسباب رحيل الكفاءات، ويتحدث عن مستقبل الموارد البشرية أمام الذكاء الاصطناعي، وما الذي يجب أن يتغير داخل الشركات، ومن يستطيع البقاء في سوق لا تتوقف قواعده عن التغير.
لنبدأ من «EgyCham» نفسها.. كيف بدأت الفكرة ومتى انطلقت الرحلة وكيف انتقلت من مؤسسة غير هادفة للربح إلى شركة تعمل في الاستشارات والأعمال؟
بدأت الرحلة في أبريل 2010، وكانت «EgyCham» في بدايتها مؤسسة غير هادفة للربح، وكانت الفكرة الأساسية تنموية في المقام الأول وتركز على تطوير العنصر البشري ونشر ثقافة إدارة الموارد البشرية وتأهيل الشباب والمتخصصين وتقديم المعرفة التي تساعدهم على دخول سوق العمل بصورة أكثر احترافية.
في تلك المرحلة كان اهتمامنا الأكبر بالإنسان نفسه، وكنا نؤمن بأن تطوير المؤسسات والمجتمع يبدأ من تطوير قدرات الأشخاص، ولذلك كان التدريب وبناء الكفاءات ونشر الممارسات الحديثة في إدارة الموارد البشرية جزءًا أساسيًا من النشاط منذ البداية.

ومع اتساع التجربة والتعامل مع الشركات بدأنا نكتشف أن تطوير الفرد وحده لا يكفي، لأنك قد تدرب موظفًا بصورة ممتازة ثم يعود إلى مؤسسة لديها خلل في الهيكل أو الصلاحيات أو الإدارة أو تقييم الأداء، وهنا بدأنا ننظر إلى الصورة بصورة أوسع وننتقل تدريجيًا من تطوير الفرد إلى تطوير المؤسسة نفسها.
ومن هنا توسع العمل إلى الاستشارات والتوظيف وإعادة الهيكلة والتطوير التنظيمي وإدارة التغيير، وفي 2014 أصبحنا نقدم حزمًا استشارية متكاملة بصورة أكبر للشركات، ثم جاءت محطة مهمة في 2019 عندما انتقل الكيان إلى العمل في إطار شركة ذات مسؤولية محدودة ليصبح العمل التجاري والاستشاري المؤسسي هو الإطار الذي تعمل من خلاله «EgyCham».
لكن الانتقال من مؤسسة غير هادفة للربح إلى شركة تجارية لم يغير الفكرة الأساسية التي بدأنا من أجلها، وإنما غير حجم الأدوات ونطاق التأثير، فبدلًا من أن يكون السؤال فقط كيف نطور الموظف أصبح السؤال كيف نبني مؤسسة كاملة تستطيع الاستفادة من هذا الموظف وتساعده على التطور وتربط أداءه بأهدافها.
خلال مسيرتك تعاملت مع أسماء كبيرة في مصر والمنطقة.. ما أبرز المؤسسات التي عملت معها سواء في التدريب أو الاستشارات والتطوير المؤسسي؟
كانت الرحلة متنوعة جدًا وأتاحت لي العمل والتعامل مع مؤسسات كبيرة في قطاعات مختلفة داخل مصر وخارجها، ومن أبرزها مصرف الراجحي وPepsiCo والبنك الأهلي المصري وبنك مصر وQNB وإعمار وشلمبرجير ومجموعة سيراميكا كليوباترا وPICO Petroleum وسايلو فودز ونايل للتطوير ومصر للصرافة ووزارة الزراعة المصرية وEgyptian Textile وGulf Catering، إلى جانب مركز التجارة العالمي بالقاهرة وعدد كبير من الشركات والمؤسسات الأخرى.
وتنوعت طبيعة العمل بين التدريب والاستشارات وتطوير الموارد البشرية والتطوير التنظيمي وإدارة التغيير، بالإضافة إلى مشروعات متخصصة في إعادة الهيكلة، وهذا التنوع منحني فرصة للتعامل مع ثقافات تنظيمية وقطاعات وتحديات مختلفة وأكد لي أن كل مؤسسة تحتاج إلى حلول تناسب طبيعتها وحجمها ومرحلة نموها ولا توجد وصفة إدارية واحدة يمكن تطبيقها على الجميع.
بعد هذه الرحلة.. كيف تغير مفهوم الموارد البشرية نفسه من وجهة نظرك؟
تغير بصورة كبيرة جدًا، فالـHR لم يعد إدارة للتعيينات والإجازات والرواتب فقط، ورغم أهمية هذه الوظائف فإن الدور الحقيقي أصبح أكبر بكثير.

مسؤول الموارد البشرية اليوم يجب أن يفهم البيزنس ويعرف الشركة تكسب من أين ومن هو عميلها وما المشكلات التي تواجه المبيعات والعمليات وما تكلفة القرارات التي يقترحها، لأنك لا تستطيع أن تكون شريكًا في إدارة المؤسسة وأنت لا تعرف كيف تعمل هذه المؤسسة.
الـHR الناجح يجب أن يكون Business Partner يستطيع ترجمة مشكلات البشر إلى حلول تدعم نتائج الشركة، وهنا يصبح جزءًا من صناعة القرار وليس مجرد منفذ لإجراءات إدارية.
كيف ترى سوق العمل حاليًا.. هل نحن أمام أزمة وظائف أم أزمة مهارات؟
وصف ما يحدث بأنه أزمة وظائف فقط ليس دقيقًا، فهناك شركات تبحث عن موظفين وفي الوقت نفسه هناك أعداد كبيرة تبحث عن فرص عمل ولا تجدها، وهذه المفارقة تكشف أن جزءًا أساسيًا من المشكلة يتعلق بالفجوة بين المهارات التي يمتلكها الباحث عن العمل وما تحتاج إليه الشركات بالفعل.
الشهادة الأكاديمية مهمة لكنها لم تعد كافية وحدها، فسوق العمل يسأل اليوم ماذا تستطيع أن تفعل وما القيمة التي تستطيع إضافتها وهل تستطيع التعلم والتكيف مع التغيير، ولذلك فإن الموظف الذي يتوقف عن تطوير نفسه بعد التخرج يضع نفسه في موقف صعب لأن المهارات المطلوبة تتغير بسرعة كبيرة.
لكن هل يتحمل الموظف وحده مسؤولية هذه الفجوة؟
بالتأكيد لا، فهناك شركات تريد موظفًا يمتلك خبرة كبيرة ومهارات متعددة وتضع أمامه قائمة طويلة من المتطلبات ثم تقدم له مقابلًا لا يتناسب معها، وبعد ذلك تتساءل لماذا لا تستطيع جذب الكفاءات أو الاحتفاظ بها.
العلاقة بين المؤسسة والموظف يجب أن تكون متوازنة، فالشركة تريد إنتاجية والتزامًا ونتائج والموظف يريد مقابلًا عادلًا وفرصة للتعلم والتطور وبيئة تحترمه ومسارًا وظيفيًا يستطيع أن يرى مستقبله من خلاله، وإذا اختل هذا التوازن تبدأ المشكلات.
هل الراتب هو العامل الأساسي في الاحتفاظ بالكفاءات؟
الراتب مهم جدًا ولا يجب التقليل من أهميته لأن الموظف لديه حياة والتزامات ومسؤوليات، لكن الخطأ هو الاعتقاد أن المال وحده يستطيع الاحتفاظ بالكفاءات.
قد تدفع المؤسسة راتبًا جيدًا ثم تفقد موظفًا متميزًا بسبب مدير سيئ أو غياب العدالة أو عدم وضوح الصلاحيات أو عدم وجود فرصة حقيقية للتطور، وفي أحيان كثيرة الموظف لا يترك الشركة وإنما يترك مديره.
وهنا تظهر أهمية الاستثمار في المديرين أنفسهم، لأن المدير المباشر يستطيع أن يكون أحد أهم أسباب نجاح الموظف واستمراره كما يمكن أن يصبح أحد أهم أسباب رحيله.
من واقع تعاملك مع المؤسسات.. أين تبدأ المشكلات عادة؟
من الأخطاء الشائعة أن الإدارة عندما تتراجع النتائج تبدأ فورًا في البحث عن المشكلة عند الموظفين، وقد تكون هناك بالفعل مشكلة في الأداء لكن قبل أن أحاسب الموظف يجب أن أسأل هل وضعت الشخص المناسب في المكان المناسب وهل حددت له المطلوب وهل لديه الأدوات والصلاحيات وهل المدير المباشر مؤهل لإدارته وهل نظام تقييم الأداء نفسه عادل.
لا يمكن أن أضع موظفًا داخل منظومة غير منظمة ثم أحمله وحده مسؤولية الفوضى، فنجاح المؤسسة لا يعتمد فقط على وجود أفراد أكفاء وإنما على وجود نظام يستطيع تحويل كفاءة هؤلاء الأفراد إلى نتائج.
ارتبط جانب مهم من تجربتك بإعادة هيكلة المؤسسات.. عندما تدخل شركة لإعادة هيكلتها ماذا تفعلون فعليًا؟
نبدأ بالتشخيص وليس برسم الهيكل التنظيمي، فنحن نحتاج أولًا إلى فهم استراتيجية الشركة ونموذج عملها وأهدافها وحجم النشاط والمرحلة التي تمر بها والمشكلات التي تواجهها، ثم ندرس الهيكل التنظيمي والوظائف والصلاحيات وعدد العاملين وتوزيعهم ومسارات اتخاذ القرار.
بعد ذلك ندخل إلى تحليل الوظائف والوصف الوظيفي والدرجات الوظيفية ونظم تقييم الأداء وهياكل الأجور والحوافز والتخطيط للقوى العاملة ومسارات الترقي والتعاقب الوظيفي وإعداد الصف الثاني والسياسات والإجراءات.
وقد ندخل إلى مؤسسة وهي مقتنعة بأن لديها مشكلة في الموظفين ثم نكتشف أن المشكلة الحقيقية في الإدارة، وقد تعتقد شركة أنها تحتاج إلى تعيين موظفين جدد ثم نكتشف أن لديها العدد الكافي بالفعل لكن توزيع العاملين غير صحيح.
من خلال مشروعات إعادة الهيكلة.. ما أكثر المشكلات التي تتكرر داخل المؤسسات؟
تداخل الصلاحيات من أكثر المشكلات التي تتكرر، وقد تجد أكثر من شخص مسؤولًا عن المهمة نفسها وفي المقابل توجد مهام أساسية لا يوجد شخص واضح مسؤول عنها.
وقد تجد مديرًا لديه عدد ضخم من المرؤوسين بصورة تجعل الإدارة الفعالة صعبة، أو مستويات إدارية كثيرة لا تضيف قيمة حقيقية، أو قرارات بسيطة لا يمكن اتخاذها إلا بعد الرجوع إلى الإدارة العليا، وهنا تتحول الإدارة العليا نفسها إلى عنق زجاجة داخل المؤسسة.
كما نجد توصيفات وظيفية قديمة لا تعكس العمل الفعلي ومشكلات في هياكل الأجور والعدالة الداخلية بين الوظائف وغياب مؤشرات الأداء ومسارات الترقي وخطط التعاقب الوظيفي، وكل هذه الأشياء قد تبدو منفصلة لكنها في الحقيقة أجزاء من المشكلة نفسها.
لكن كلمة «إعادة الهيكلة» أصبحت مخيفة بالنسبة لكثير من الموظفين لأنها ترتبط لديهم بالاستغناء عن العاملين.. هل هذه الصورة صحيحة؟
هذه واحدة من أكثر الصور الخاطئة عن إعادة الهيكلة، لأن الهدف ليس أن أدخل إلى الشركة وأخرج منها بعدد أقل من الموظفين وإنما أن أصل إلى العدد والتكوين والهيكل المناسب لطبيعة العمل.
قد تكشف الدراسة وجود وظائف مكررة أو وظائف لم تعد هناك حاجة إليها، وقد يحدث العكس ونكتشف أن المؤسسة تحتاج إلى وظائف جديدة تمامًا، وقد يكون الحل في إعادة توزيع موظفين موجودين بالفعل أو تدريبهم وليس الاستغناء عنهم.
لذلك لا يجب أن تبدأ عملية الهيكلة بسؤال كم موظفًا سنستغني عنه وإنما بالسؤال الأهم وهو ما الذي تحتاج إليه المؤسسة حتى تعمل بكفاءة.
وهل حدث أن دخلتم مؤسسة تعتقد أنها تحتاج إلى تخفيض العمالة ثم اكتشفتم أن المشكلة مختلفة؟
هذا وارد جدًا، لأن الرقم الإجمالي للعاملين لا يخبرك بالحقيقة كاملة، فقد تكون لديك إدارة تعاني تضخمًا في العمالة وفي الوقت نفسه إدارة أخرى لديها عجز شديد، وقد يكون لديك موظفون يمتلكون قدرات جيدة لكنهم موجودون في وظائف لا تستفيد من هذه القدرات.

لذلك يجب أن يسبق أي قرار تحليل حجم العمل والإنتاجية وتوزيع القوى العاملة والوظائف التي تحتاج إليها المؤسسة حاليًا وما ستحتاج إليه مستقبلًا، وبعد ذلك يمكن تحديد هل الحل هو إعادة التوزيع أو التدريب أو التوظيف أو دمج بعض الوظائف أو تخفيض بعضها.
ما الفارق بين شركة تغير الهيكل التنظيمي وشركة تقوم بإعادة هيكلة حقيقية؟
الفارق كبير جدًا، فتغيير الهيكل التنظيمي يمكن أن يتم خلال وقت قصير، تستطيع تغيير أسماء الإدارات ونقل بعض المربعات ورسم خطوط جديدة ثم تقول إنك أعدت الهيكلة، لكن إذا ظل أسلوب اتخاذ القرار كما هو والصلاحيات غير واضحة ونظام تقييم الأداء ضعيفًا وهيكل الأجور غير منضبط والمديرون يعملون بالطريقة القديمة فأنت لم تغير المؤسسة.
إعادة الهيكلة الحقيقية تعني أن الهيكل والوظائف والأشخاص والصلاحيات والأداء والأجور والسياسات والإجراءات تعمل داخل منظومة واحدة، ولذلك فإن الـOrganizational Chart جزء من إعادة الهيكلة وليس إعادة الهيكلة كلها.
وما أصعب جزء في عملية إعادة الهيكلة؟
إدارة التغيير هي الجزء الأصعب، لأن رسم مربع جديد على الهيكل التنظيمي أمر سهل على الورق لكن داخل هذا المربع يوجد إنسان لديه خبرة وعلاقات وصلاحيات وطموحات ومخاوف أيضًا.
عندما تغير الهيكل قد تغير صلاحيات مدير ظل يمارسها لسنوات أو تنقل موظفًا إلى مسؤولية مختلفة أو تضع نظامًا جديدًا للمحاسبة على الأداء، ولذلك لا يكفي أن يكون الهيكل الجديد صحيحًا من الناحية الفنية وإنما يجب أن تكون لديك القدرة على إدارة انتقال المؤسسة من النظام القديم إلى النظام الجديد.
ومتى تستطيع القول إن مشروع إعادة الهيكلة نجح؟
ليس عندما نسلم الشركة ملفًا كبيرًا يحتوي على الهيكل والوصف الوظيفي والسياسات، وإنما عندما تبدأ المنظومة في العمل فعليًا ويعرف كل شخص مسؤوليته وصلاحياته وما المطلوب منه وكيف سيتم قياس أدائه.
والاختبار الحقيقي يبدأ بعد خروج الاستشاري من المؤسسة، فإذا استمر النظام واستطاع الفريق الداخلي إدارته وتطويره فهذا نجاح، أما إذا توقفت المنظومة بمجرد انتهاء المشروع فهذا يعني أننا أنشأنا نظامًا يعتمد على الاستشاري ولم نبن مؤسسة قادرة على إدارة نفسها.
الذكاء الاصطناعي أصبح مصدر قلق للكثير من الموظفين.. هل سيأخذ وظائفهم؟
أعتقد أن السؤال الأدق ليس هل الذكاء الاصطناعي سيأخذ وظيفتي ولكن هل شخص يعرف استخدام الذكاء الاصطناعي سيصبح أكثر قدرة مني على أداء الوظيفة.
الذكاء الاصطناعي سيغير عددًا ضخمًا من المهام والأعمال الروتينية والمتكررة ستكون الأكثر تعرضًا لهذا التغيير، لكن ذلك لا يعني اختفاء الإنسان وإنما يعني تغير القيمة المطلوبة منه داخل المؤسسة.
إذا كانت قيمة الموظف الوحيدة أنه ينفذ مهمة تستطيع أداة تنفيذها خلال دقائق فسيواجه مشكلة، أما إذا كان يستطيع التحليل واتخاذ القرار وفهم السياق وإدارة البشر والإبداع واستخدام التكنولوجيا نفسها لزيادة إنتاجيته فإنه يزيد قيمته بدلًا من أن يفقدها.
وهل إدارة الموارد البشرية نفسها مهددة بالذكاء الاصطناعي؟
بعض المهام داخل الموارد البشرية ستتغير بالتأكيد، ففرز السير الذاتية وإعداد بعض التقارير وتحليل البيانات الأولية وكتابة التوصيفات الوظيفية وجزء من عمليات التواصل أصبحت التكنولوجيا قادرة على المساعدة فيها بصورة كبيرة.
لكن هذا التطور يجب أن يمثل فرصة لمسؤول الموارد البشرية لأنه يحرره من جزء من الأعمال الروتينية ويمنحه مساحة أكبر للقيام بالدور الذي يجب أن يقوم به فعلًا في فهم المؤسسة والناس والثقافة والأداء والمواهب وربط كل ذلك باستراتيجية الشركة ونتائجها.
هل معنى ذلك أن مسؤول الـHR التقليدي أصبح مهددًا هو الآخر؟
طبيعة الدور تتغير، ومسؤول الموارد البشرية الذي يحصر قيمته في تنفيذ الإجراءات الروتينية سيواجه تحديًا حقيقيًا لأن جزءًا متزايدًا من هذه الإجراءات أصبح قابلًا للأتمتة.
المستقبل سيكون لمن يستطيع قراءة البيانات وفهم البيزنس وإدارة المواهب والمساهمة في القرارات وبناء الثقافة المؤسسية وإدارة التغيير، فالـHR يجب أن ينتقل من تنفيذ الإجراءات إلى التأثير في القرار.
هناك شكاوى متزايدة من طول وتعقيد عمليات التوظيف.. هل كثرة المقابلات تضمن اختيارًا أفضل؟
كثرة الخطوات لا تعني جودة الاختيار، فقد يدخل المرشح مقابلة أولى ثم ثانية وثالثة ثم اختبارًا وينتظر أسابيع للحصول على قرار، وإذا كان المرشح متميزًا فمن الطبيعي أن تكون أمامه فرص أخرى وقد تفقده الشركة بسبب بطء إجراءاتها.
المطلوب أن أعرف أولًا ما الذي أريد قياسه في المرشح ثم أختار أداة التقييم المناسبة، فالهدف من عملية التوظيف ليس أن أجعلها صعبة وإنما أن أصل إلى الشخص المناسب بقرار صحيح وفي وقت مناسب.
هل تغير الجيل الجديد بالفعل في نظرته إلى الوظيفة؟
بالتأكيد هناك اختلاف واضح، فالأجيال الجديدة لا تنظر إلى الوظيفة بالطريقة نفسها التي كانت تنظر بها أجيال سابقة، وهناك اهتمام أكبر بالتعلم والمرونة وجودة الحياة وبيئة العمل وسرعة التطور المهني.
وهذا لا يعني أن جيلًا أفضل من جيل وإنما يعني أن دوافع الناس تغيرت، والمؤسسة الذكية هي التي تفهم هذه التغيرات بدلًا من أن تقضي وقتها في الشكوى منها، لأنك لا تستطيع إدارة موظفي اليوم بأدوات صممت لسوق العمل قبل عشرين عامًا.
وماذا تقول للشباب الذين يدخلون سوق العمل لأول مرة؟
لا تنتظر أن يصنع أحد مسارك المهني بالنيابة عنك، تعلم باستمرار وركز على بناء مهارات حقيقية وليس مجرد جمع الشهادات وطور اللغة والتكنولوجيا والتواصل والتحليل وافهم المجال الذي تريد العمل فيه.
وفي بداية حياتك المهنية لا تجعل المسمى الوظيفي أو الراتب وحدهما هما المعيار، واسأل نفسك ماذا سأتعلم في هذا المكان ومن سأعمل معه وما الخبرة التي سأخرج بها بعد عام أو عامين، لأن بناء المسار المهني عملية تراكمية وليس قرارًا واحدًا.
وماذا تقول لصاحب العمل الذي يشتكي باستمرار من أنه لا يجد موظفين جيدين؟
قبل أن تقول إن السوق لا يوجد به موظفون جيدون يجب أن تنظر إلى مؤسستك وتسأل هل أنت مكان يرغب الموظف الجيد في العمل داخله أصلًا وهل لديك نظام عادل وهل المديرون مؤهلون وهل هناك فرصة للتعلم والتطور وهل الرواتب تتناسب مع السوق وهل عملية التوظيف لديك تستطيع جذب الكفاءة بدلًا من طردها.
المؤسسات تتنافس على المواهب مثلما تتنافس على العملاء، وإذا كنت تريد أفضل الأشخاص فيجب أن تكون لديك بيئة تستطيع جذبهم ثم منحهم أسبابًا حقيقية للاستمرار.
وفي النهاية.. من سيبقى في سوق العمل خلال السنوات المقبلة؟
القادر على التغيير سواء كان موظفًا أو مؤسسة، فالشركات التي ستتعامل مع طرق الإدارة القديمة باعتبارها قواعد ثابتة ستواجه صعوبة، والموظف الذي سيعتقد أن ما تعلمه منذ سنوات يكفيه سيواجه المشكلة نفسها.
نحن أمام سوق لا يكافئ فقط من يعرف أكثر وإنما من يستطيع أن يتعلم أسرع ويتكيف أسرع ويحول معرفته إلى قيمة، ومهما تطورت التكنولوجيا ستظل المؤسسة في النهاية مجموعة من البشر يعملون لتحقيق هدف، ولذلك فإن الاستثمار الحقيقي ليس في التكنولوجيا وحدها ولا في البشر وحدهم وإنما في بناء منظومة تجعل الإنسان والتكنولوجيا والإدارة يعملون معًا بكفاءة.