هدى سعد.. «من بوابة الطيران في القاهرة إلى منصات نيويورك.. رحلة صنعتها الخبرة وقادها الطموح»

لم تنتظر هدى سعد أن يأتيها الطريق ممهدًا، ولم تحصر نفسها يومًا في وظيفة واحدة أو مسار مهني تقليدي، فمن صالات الطيران في القاهرة إلى دوائر الإعلام والاتصال، ومن العمل المجتمعي وصناعة الكوادر إلى المؤتمرات الدولية ونيويورك، صنعت لنفسها مسيرة تتسع في كل محطة بدل أن تتوقف عند حدودها، تجربة تجمع بين الطيران والإعلام والقيادة وريادة الأعمال والتنمية، وتكشف عن شخصية اختارت منذ البداية ألا تكتفي بما هو متاح، بل أن تنتقل باستمرار إلى مساحة أكبر ومسؤولية أوسع وتجربة أكثر تحديًا.
اليوم تقدم هدى سعد نفسها مهنيًا تحت ثلاثة عناوين رئيسية: Media Consultant | Aviation | Entrepreneur، لكن هذه الكلمات الثلاث لا تختصر وحدها الرحلة، فخلفها سنوات من العمل المؤسسي والتعامل مع ملفات إعلامية والمشاركة في أنشطة دولية وتدريب الشباب وإدارة المبادرات والمشروعات، في مسار بدأ من القاهرة وامتدت دوائره حتى نيويورك.

من مصر للطيران بدأت الحكاية
كانت مصر للطيران المحطة الأولى التي تشكلت فيها ملامح شخصية هدى سعد المهنية، حيث عملت في مجال العلاقات العامة داخل مؤسسة كبيرة تعتمد على الدقة والتنظيم وسرعة التعامل مع الجمهور والأحداث، وهو ما منحها خبرة مبكرة في الاتصال المؤسسي وإدارة العلاقات والتعامل مع التفاصيل التي تصنع صورة أي مؤسسة أمام جمهورها.
لكن العمل الإداري لم يكن كافيًا بالنسبة لها، فبالتوازي مع تجربتها في الطيران بدأ اهتمامها بالإعلام وصناعة المحتوى، فانخرطت في الإعداد وكتابة الاسكريبتات الإذاعية والتليفزيونية وتجارب مرتبطة بالتقديم الإعلامي، ومن هنا بدأت المسافة بين العلاقات العامة والإعلام تضيق حتى أصبح الاتصال وصناعة الرسالة عنصرين أساسيين في شخصيتها المهنية.
ثم انتقلت إلى العمل منسقًا إعلاميًا في وزارة الطيران المدني لتخوض تجربة جديدة في التعامل مع الملفات الرسمية والعمل الحكومي والرسائل الإعلامية المرتبطة بقطاع حيوي، وخلال هذه المرحلة تعاونت مع ثلاثة وزراء، ما أضاف إلى تجربتها خبرة مختلفة في التعامل مع المؤسسات وصناعة الخطاب الإعلامي وإدارة الملفات التي تحتاج إلى قدر كبير من التنظيم والانضباط.
الإعلام يفتح أبواب نيويورك
مع مرور الوقت لم يعد الإعلام مجرد جانب موازٍ في حياة هدى سعد، بل أصبح أحد أهم محاور مسيرتها، وتراكمت الخبرة من العلاقات العامة والإعداد وصناعة المحتوى إلى العمل في بيئات أكثر اتساعًا، وصولًا إلى نيويورك، حيث تعمل في مجال الاستشارات الإعلامية ضمن بيئة اتصالات دولية، وترتبط تجربتها هناك بتغطية وتنظيم فعاليات واجتماعات دولية كبرى، إلى جانب العمل المرتبط بالمحتوى العربي في UN Web TV.
وهنا تبدو المسافة بين نقطة البداية والمحطة الحالية كبيرة، فالانتقال من قطاع الطيران المصري إلى العمل الإعلامي في نيويورك لم يكن مجرد تغيير في المكان، بل تغير في طبيعة الملفات والجمهور وحجم المسؤولية، من رسالة موجهة لجمهور محلي إلى محتوى يتابع عبر الحدود، ومن إدارة العلاقات داخل مؤسسة واحدة إلى العمل في بيئة تتقاطع فيها ثقافات ومؤسسات وقضايا دولية.
ومع ذلك لم تتخل هدى سعد عن خلفيتها الأولى، بل ظلت خبرة الطيران والإدارة والاتصال المؤسسي حاضرة في طريقة تحركها بين الملفات المختلفة، لتصبح خبراتها السابقة جزءًا مما بنته في المرحلة الجديدة.
من المؤتمرات الدولية إلى ملفات المناخ والابتكار
اتسعت مشاركة هدى سعد خارج الإطار المحلي من خلال مؤتمرات وملتقيات شبابية وتنموية في عدد من الدول، لتدخل قضايا الشباب والابتكار والتنمية المستدامة ضمن اهتماماتها الرئيسية، وشاركت في فعاليات دولية ناقشت دور المجتمع المدني والشباب في التنمية والعمل المناخي، إلى جانب موضوعات الابتكار الرقمي وريادة الأعمال والقيادة.
وكان مؤتمر المناخ COP27 في شرم الشيخ واحدًا من المحطات اللافتة في هذه المرحلة، حيث شاركت في فعاليات مرتبطة بالابتكار الرقمي والشباب والتنمية المستدامة، كما سبقت المؤتمر مشاركات دولية تناولت دور المجتمع المدني في دعم العمل المناخي، وهو ما منح تجربتها بعدًا جديدًا يتجاوز العمل الإعلامي التقليدي إلى قضايا ذات طابع عالمي.
وتكشف هذه المرحلة عن أحد أكثر ملامح مسيرتها وضوحًا، وهو الانتقال المستمر من دائرة إلى أخرى دون التخلي عن الخبرات التي سبقتها، فالإعلام قاد إلى المؤتمرات، والمؤتمرات فتحت الباب أمام قضايا التنمية والمناخ، بينما ظل الشباب محورًا حاضرًا في معظم هذه الأنشطة.
«كوادر قيادية للتنمية».. الاستثمار في الإنسان
في موازاة العمل الإعلامي احتل العمل المجتمعي مساحة كبيرة في تجربة هدى سعد من خلال رئاستها مجلس أمناء مؤسسة كوادر قيادية للتنمية، ومن خلال المؤسسة اتجه اهتمامها إلى بناء قدرات الشباب وتنفيذ البرامج التدريبية والتطوعية وتنظيم المنتديات والملتقيات الشبابية، إلى جانب أنشطة خيرية وقوافل طبية وفعاليات رياضية ومبادرات تستهدف خدمة المجتمع.
ولم يكن الهدف مجرد تنظيم الفعاليات، بل محاولة بناء كوادر قادرة على المشاركة وتحمل المسؤولية، ومن هنا أصبحت فكرة إعداد الشباب وصناعة القيادات جزءًا أساسيًا من مشروعها، سواء من خلال المؤسسة أو نشاطها الشخصي كمدربة ومتحدثة.
وقدمت هدى سعد تدريبات وبرامج في مجالات القيادة وريادة الأعمال والتنمية المستدامة والإعلام وتنمية المهارات، وشاركت في عدد من المؤتمرات والملتقيات داخل مصر وخارجها، لتجمع بين دورها الإداري في المؤسسة ودورها المباشر في التعامل مع الشباب ونقل الخبرات إليهم.
التعليم.. رحلة لم تتوقف عند الشهادة الجامعية
على المستوى الأكاديمي درست هدى سعد الأدب الإنجليزي في جامعة عين شمس، ثم وسعت مسارها التعليمي ليتقاطع مع المجالات التي اختارت العمل بها، فدرست إدارة النقل الجوي وحصلت على دراسات ودبلومات في الإعلام وإدارة الأعمال، إلى جانب عدد من البرامج التدريبية التي ترتبط بالاتصال والعمل المؤسسي.
كما حصلت على تدريبات في مجالات الوعي الأمني وإدارة المعلومات وبرنامج BSAFE، بالإضافة إلى برامج في الإعلام والاتصال والاستشارات، ويعكس هذا التنوع التعليمي الطريقة نفسها التي بنت بها حياتها المهنية، فلا يوجد تخصص واحد مغلق، بل مجموعة من المهارات والمعارف التي تتراكم وتدعم بعضها بعضًا.
ومن بين المحطات المهمة في هذا الجانب تخرجها في البرنامج الرئاسي الأفريقي للقيادة التابع للأكاديمية الوطنية للتدريب، وهي تجربة أضافت إلى مسيرتها بعدًا أفريقيًا ووسعت اهتمامها بملفات القيادة وإعداد الشباب والتفاعل مع ثقافات وتجارب مختلفة.
العمل العام.. امتداد للاهتمام بالشباب والمجتمع
إلى جانب الإعلام والتنمية خاضت هدى سعد تجربة في العمل العام، وشاركت في أنشطة ومبادرات ارتبطت بالشباب والمجتمع وبناء الوعي ودعم المشاركة في الفعاليات العامة، وقد انعكس هذا الاهتمام أيضًا على مؤسسة «كوادر قيادية للتنمية» التي شاركت من خلالها في مبادرات وطنية ومجتمعية متعددة.
ويبدو هذا المسار امتدادًا طبيعيًا لتجربتها في التدريب والعمل الشبابي، حيث ظلت فكرة المشاركة وبناء الكوادر وإتاحة مساحة أكبر للشباب عنصرًا حاضرًا في أغلب الأنشطة التي ارتبطت باسمها.

ريادة الأعمال.. عندما تتحول الخبرة إلى مشروع
لم تكتف هدى سعد بالعمل داخل المؤسسات، بل اتجهت كذلك إلى ريادة الأعمال وأسست شركتي The Lean وSmart Pillars، لتضيف إلى مسيرتها تجربة تقوم على تأسيس المشروعات وإدارة الأفكار وتحويل الخبرات إلى كيانات مستقلة.
كما ارتبط اسمها بعدد من المشروعات والمبادرات من بينها «مصر في عيون أبنائها»، إلى جانب مشاركات في تنظيم فعاليات واسعة النطاق، ومن أبرز التجارب التي ارتبطت بسيرتها مشروع «أطول مائدة إفطار في العالم» بالعاصمة الإدارية الجديدة، وهي فعالية ارتبطت بتسجيل رقم قياسي عالمي.
وتكشف تجربة ريادة الأعمال عن جانب آخر من شخصيتها المهنية، فهي لم تتعامل مع الخبرة باعتبارها رصيدًا وظيفيًا فقط، وإنما حاولت تحويلها إلى مشروعات ومساحات جديدة للحركة والعمل.
التكريمات.. نتيجة لمسيرة متعددة المحطات
على امتداد هذه الرحلة حصلت هدى سعد على عدد من التكريمات والشهادات المرتبطة بنشاطها الإعلامي والتدريبي والمجتمعي، إلى جانب تكريمات من جهات محلية ودولية ووسام للتميز.
لكن القيمة الأهم في تجربتها لا تبدو في عدد الشهادات أو الجوائز بقدر ما تظهر في قدرتها على الاستمرار في تطوير نفسها وتغيير نطاق عملها، فما حققته في محطة لم يتحول إلى منطقة راحة، بل إلى نقطة انطلاق للمحطة التالية.
شخصية أكبر من لقب واحد
ربما يكون أكثر ما يميز هدى سعد هو صعوبة وضعها تحت عنوان مهني واحد، فالإعلام جزء أساسي من مسيرتها، لكن الطيران هو نقطة البداية، والعمل المجتمعي مساحة رئيسية، والتدريب حاضر بقوة، وريادة الأعمال صنعت لها مسارًا مستقلًا، بينما منحتها المشاركات الدولية بعدًا آخر.
هذا التنوع ليس مجموعة أدوار منفصلة بقدر ما هو شبكة واحدة مترابطة، فالخبرة في العلاقات العامة خدمت الإعلام، والإعلام دعم التدريب، والتدريب قاد إلى العمل مع الشباب، والعمل المجتمعي فتح المجال للمشاركة في مؤتمرات ومنصات دولية، بينما وفرت ريادة الأعمال مساحة لتحويل الخبرة إلى مشروعات.
من القاهرة إلى نيويورك.. الرحلة لم تصل إلى محطتها الأخيرة
حين توضع البداية إلى جوار ما وصلت إليه هدى سعد تبدو المسافة أكبر كثيرًا من مجرد رحلة بين القاهرة ونيويورك، إنها سنوات من التجربة وإعادة تشكيل المسار، من مصر للطيران إلى العمل الإعلامي، ومن المؤسسات الحكومية إلى التدريب والعمل المجتمعي، ومن المبادرات المحلية إلى المؤتمرات الدولية، ثم إلى عالم ريادة الأعمال والاتصال العالمي.
لم تصنع هدى سعد اسمها داخل مساحة واحدة، بل بنت حضورها من القدرة على التحرك بين المساحات والاستفادة من كل محطة لصناعة المحطة التالية، وفي عالم تتغير فيه المهن بسرعة وتتشابك فيه الأدوار، تقدم تجربتها نموذجًا لمسار لا يعتمد على وظيفة واحدة بقدر ما يعتمد على امتلاك أدوات متعددة والقدرة على استخدامها في الوقت المناسب.
من بوابة الطيران في القاهرة إلى منصات نيويورك، لم تكن رحلة هدى سعد بحثًا عن لقب أكبر بقدر ما كانت بحثًا مستمرًا عن مساحة أوسع، مساحة تجمع الإعلام بالقيادة، والخبرة بالمبادرة، والعمل المؤسسي بالمجتمعي، وتحوّل كل محطة في الطريق إلى بداية جديدة لا إلى نهاية.