«رشا الخولي.. من قلب ملف المياه إلى قيادة الجامعة المصرية الصينية»

بين معمل يبحث في قطرة ماء ومكتب يتخذ قرارات تمس مستقبل آلاف الطلاب، قطعت الدكتورة رشا الخولي، رئيس الجامعة المصرية الصينية، رحلة مهنية غير تقليدية امتدت لنحو ثلاثة عقود، لم تصعد خلالها إلى مواقع القيادة عبر مسار إداري مباشر، وإنما جاءت إليها محملة بخبرة باحثة ومهندسة وأستاذة جامعية وخبيرة في المشروعات الدولية وصاحبة تجربة في الابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا، بدأت الحكاية من هندسة الري والهيدروليكا ومن قلب ملف المياه الذي يمثل واحدًا من أكثر الملفات الاستراتيجية حساسية في مصر، ثم اتسعت الدائرة من دراسة جودة المياه والمصارف ونهر النيل إلى قضايا البيئة والتنمية المستدامة وعلاقة المياه بالطاقة والغذاء، ومن المركز القومي لبحوث المياه إلى الجامعات، ومن قاعة المحاضرات إلى عمادة كلية الهندسة، ومن إدارة البرامج البحثية إلى منصب نائب رئيس جامعة، ثم إلى عضوية مؤسسات أكاديمية دولية، قبل أن تعود إلى المؤسسة التي شهدت بداياتها المهنية لتتولى رئاسة المركز القومي لبحوث المياه، وبعدها تصل إلى قمة الهرم الإداري في الجامعة المصرية الصينية، وبين هذه المحطات ظل خيط واحد يربط الرحلة كلها، وهو الإيمان بأن البحث العلمي لا تكتمل قيمته إذا بقي حبيس الأوراق والمعامل، وأن الجامعة لا تؤدي رسالتها كاملة إذا اكتفت بمنح الشهادات دون أن تصنع معرفة قادرة على الانتقال إلى الصناعة والمجتمع وسوق العمل، ولذلك تبدو سيرة رشا الخولي أكثر من مجرد قائمة من المناصب، فهي رحلة انتقال من إدارة المياه إلى إدارة المعرفة، ومن البحث عن حلول للمشكلات إلى قيادة مؤسسات يفترض أن تصنع تلك الحلول
البدايات.. من هندسة عين شمس إلى عالم المياه
بدأت رشا الخولي مسيرتها الأكاديمية في كلية الهندسة بجامعة عين شمس، حيث حصلت على بكالوريوس الهندسة المدنية، تخصص الري والهيدروليكا، عام 1993، وكانت من أوائل دفعتها، ثم واصلت دراستها الأكاديمية لتحصل على درجة الماجستير في الهندسة المدنية – الري والهيدروليكا عام 1997، ثم حصلت على الدكتوراه عام 2002 في المجال نفسه، مع ارتباط واضح في مسارها العلمي بقضايا موارد المياه والإدارة البيئية، وكان هذا التفوق الأكاديمي بوابتها إلى المركز القومي لبحوث المياه، لتبدأ هناك مرحلة طويلة من العمل البحثي المرتبط مباشرة بأحد أهم الملفات الاستراتيجية للدولة المصرية، وهو ملف المياه وإدارتها والحفاظ على جودتها
الباحثة التي بدأت من قلب ملف المياه
داخل المركز القومي لبحوث المياه شاركت الخولي في عدد من المشروعات والدراسات المرتبطة بإدارة الموارد المائية وجودة المياه، ومن بينها الشبكة القومية لرصد نوعية المياه في مصر، إلى جانب مشروعات مبكرة استخدمت تقنيات الاستشعار عن بعد في دراسة مياه نهر النيل، وأبحاث خاصة بمراقبة جودة المياه والمصارف الزراعية، كما ظهرت في مراحل مبكرة من مسيرتها ضمن مشروع NAWQAM المعني بإدارة ومراقبة جودة المياه، وشاركت في دراسات لرصد اتجاهات التغير في نوعية مياه المصارف المصرية وتحليلها على مدى فترات زمنية ممتدة، ولم يكن عملها في المياه محصورًا في القياسات أو الدراسات التقليدية فقط، بل توسعت اهتماماتها لتشمل إدارة الموارد المائية، جودة المياه، النمذجة، نظم المعلومات الجغرافية GIS، الاستشعار عن بعد، معالجة المخلفات، حماية البيئة، التنمية المستدامة، وإدماج الأبعاد الاجتماعية في إدارة الموارد المائية، ومع مرور الوقت أصبح مفهوم الترابط بين المياه والطاقة والغذاء واحدًا من المحاور الرئيسية في اهتماماتها العلمية، وهو الاتجاه الذي ينظر إلى القطاعات الثلاثة باعتبارها منظومة واحدة مترابطة، بحيث لا يمكن اتخاذ قرار في المياه بعيدًا عن تأثيراته في الطاقة أو الأمن الغذائي
تعاون مبكر مع المنظمات الدولية
لم تظل تجربة رشا الخولي محصورة داخل المؤسسات المصرية، فقد شاركت في مشروعات وبرامج تعاون دولية في مجالات المياه والتنمية، وعملت لفترات مستشارًا قصير الأجل لدى منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، وامتد تعاونها مع المنظمة على مدار سنوات منذ منتصف العقد الأول من الألفية تقريبًا وحتى العقد التالي، وانتقلت خلاله من المشاركة في أنشطة ذات نطاق محلي إلى مساهمات تحمل طابعًا إقليميًا ودوليًا، كما شاركت في إعداد وتنفيذ برامج مرتبطة بـ تصميم وإدارة المشروعات، وأسهمت في أنشطة تدريبية شارك فيها متخصصون من عدد من الدول العربية، وشاركت كذلك في دراسات تناولت العلاقة بين البحث العلمي والسياسات المائية وكيف يمكن للمؤسسات البحثية أن تدعم اتخاذ القرار في قطاعات المياه والتنمية، وارتبطت خبرتها المهنية أيضًا بتعاون أو مشاركة في أنشطة ومشروعات مع مؤسسات وبرامج دولية متعددة، من بينها البنك الدولي، وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي UNDP، واليونسكو UNESCO، والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، والوكالة الألمانية للتعاون الدولي GIZ، والوكالة الكندية للتنمية الدولية CIDA، والتعاون الإيطالي للتنمية، وهي خبرات أضافت إلى مسيرتها بعدًا يتجاوز الجانب الهندسي والبحثي إلى إدارة المشروعات والعمل متعدد المؤسسات وربط البحث العلمي بقضايا التنمية والسياسات العامة
من المعمل إلى قاعة المحاضرات
بعد سنوات من العمل البحثي اتجهت الخولي بصورة أكبر إلى المجال الأكاديمي، ولكنها لم تنفصل عن تخصصها الأصلي أو عن فكرة البحث التطبيقي، فشاركت في التدريس ووضع وتطوير المناهج في عدد من الجامعات المصرية، ومن بينها جامعة 6 أكتوبر، وجامعة المستقبل، وجامعة العلوم والثقافة، وكان من الأفكار التي تبنتها خلال هذه المرحلة ضرورة تقليل الفجوة بين ما يتلقاه طالب الهندسة داخل قاعة المحاضرات وبين المهارات والمعارف التي يحتاج إليها بالفعل في سوق العمل ومؤسسات البحث والصناعة، ولذلك لم تتعامل مع التعليم الهندسي باعتباره مجموعة من المقررات النظرية التي تنتهي بالامتحان، وإنما باعتباره منظومة يفترض أن ترتبط بالتطبيق العملي والمشكلات الواقعية والبحث العلمي واحتياجات المجتمع
جامعة هليوبوليس.. محطة مفصلية
مثلت جامعة هليوبوليس للتنمية المستدامة واحدة من أهم المحطات في مسيرة رشا الخولي، حيث عملت أستاذًا وتولت رئاسة قسم هندسة المياه بكلية الهندسة، ثم انتقلت إلى مستوى إداري أكبر، وفي عام 2013 تولت منصب عميد كلية الهندسة بجامعة هليوبوليس وهي في نحو الأربعين من عمرها، لتصبح في ذلك الوقت من أصغر من تولوا عمادة كلية هندسة في مصر، وخلال هذه المرحلة جمعت بين العمل الأكاديمي والإداري مع استمرار اهتمامها بقضايا التنمية المستدامة وربط الهندسة بالتحديات البيئية والمجتمعية، ثم تطورت مسؤولياتها داخل الجامعة لتتولى أيضًا منصب نائب رئيس جامعة هليوبوليس، وجمعت في إحدى مراحل عملها بين منصب نائب رئيس الجامعة وعمادة كلية الهندسة، وهو ما نقل تجربتها من إدارة قسم وكلية إلى المشاركة في إدارة مؤسسة جامعية بصورة أوسع
المياه والطاقة والغذاء.. مشروع فكري وبحثي
خلال عملها في جامعة هليوبوليس شاركت الخولي في مشروعات بحثية دولية تبنت مفهوم Water-Energy-Food Nexus أو الترابط بين المياه والطاقة والغذاء، وكان من بينها مشروع TriNex – Knowledge-Triangle Platform for the Water-Energy-Food Nexus، الذي استهدف بناء منصة معرفية تجمع الجامعات والباحثين والمؤسسات المختلفة حول القضايا المشتركة للمياه والطاقة والغذاء، وتقوم فلسفة هذا الاتجاه على أن أزمة المياه لا يمكن التعامل معها بمعزل عن احتياجات الطاقة، كما أن إنتاج الغذاء يرتبط بصورة مباشرة بتوافر المياه والطاقة، وبالتالي فإن السياسات الفعالة يجب أن تنظر إلى القطاعات الثلاثة باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة، وهو الاتجاه الذي منح عمل الخولي بعدًا أوسع من تخصص هندسة المياه إلى قضايا التنمية المستدامة وإدارة الموارد بصورة متكاملة
البحث التطبيقي.. من تحلية المياه إلى الحلول منخفضة الطاقة
ظهر اهتمام الخولي بتحويل البحث العلمي إلى تطبيق بصورة واضحة في عدد من الأبحاث والمشروعات التي شاركت فيها أو أشرفت عليها، ومن بينها بحث تناول تصميم والتحكم في محطة لتحلية المياه باستخدام الطاقة الشمسية لأغراض الري، وحصل في عام 2016 على جائزة أفضل بحث ضمن مشروع TriNex الممول أوروبيًا، كما امتدت اهتماماتها إلى استخدام تقنيات حديثة في معالجة وتحلية المياه، ومنها تطبيقات المواد النانوية والحلول منخفضة الطاقة، وشاركت في دراسة حول استخدام جسيمات الماجنيتيت النانوية المغطاة بالبكتين في تحلية المياه منخفضة الطاقة، بما يعكس توجهًا نحو استكشاف تقنيات جديدة يمكن أن تقدم حلولًا عملية لمشكلات المياه مع خفض استهلاك الطاقة والتكلفة البيئية
نائب رئيس جامعة هليوبوليس
بحلول عام 2018 كانت رشا الخولي تجمع بين منصبي نائب رئيس جامعة هليوبوليس وعميد كلية الهندسة، وشاركت خلال تلك المرحلة في عدد من الفعاليات العلمية الكبرى، من بينها أسبوع القاهرة للمياه، حيث ناقشت موضوعات تتعلق بالمياه والطاقة والغذاء والتكامل بينها، إلى جانب دور الجامعات في دعم البحث التطبيقي وربط المعرفة بالصناعة وخدمة المجتمع، وكانت هذه المرحلة مؤشرًا واضحًا على تحول مسيرتها من الباحثة المتخصصة في ملف بعينه إلى المسؤولة الجامعية التي تتعامل مع التعليم والبحث والاستدامة باعتبارها أجزاء من منظومة واحدة
حضور دولي في الجامعة الأورومتوسطية
في عام 2019 اتخذ حضورها الأكاديمي بعدًا دوليًا إضافيًا بانضمامها إلى مجلس شيوخ الجامعة الأورومتوسطية EMUNI في سلوفينيا، وشاركت كذلك في لجنة شؤون الطلاب والدراسة التابعة للجامعة، وهي لجنة تتعامل مع ملفات البرامج الدراسية والدراسات العليا واللوائح الأكاديمية والاعتراف بالتعليم والمؤهلات الأجنبية وغيرها من القضايا المرتبطة بالتعليم والطلاب، كما شاركت في مجموعة عمل مرتبطة بتطوير استراتيجية المدرسة الأورومتوسطية للدراسات العليا، وأتاحت لها هذه التجربة الانتقال من الاهتمام بالتخصص العلمي وإدارة الجامعات المصرية إلى المشاركة في قضايا التعليم العالي والسياسات الأكاديمية والتعاون بين المؤسسات الجامعية على المستوى الدولي
الجامعة المصرية الصينية.. العلاقة بدأت قبل الرئاسة
من المحطات المهمة في مسيرة رشا الخولي أن علاقتها بالجامعة المصرية الصينية لم تبدأ مع وصولها إلى منصب رئيس الجامعة، ففي عام 2020 كانت تشغل بالفعل منصب نائب رئيس الجامعة المصرية الصينية، وتولت عددًا من الملفات المرتبطة بـ التعليم والطلاب والابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا، كما تولت إدارة مكاتب تسويق نقل التكنولوجيا والابتكار TICO بالجامعة، وهي المكاتب التي تستهدف بناء حلقة اتصال بين الباحث والجامعة والصناعة ودعم الملكية الفكرية ومساعدة أصحاب الأفكار البحثية على الانتقال بها من مرحلة الفكرة أو المشروع الأكاديمي إلى تطبيق يمكن الاستفادة منه اقتصاديًا أو صناعيًا
«فكرتك ملكك».. حماية الابتكار
ضمن عملها في ملف الابتكار ونقل التكنولوجيا شاركت الخولي في مبادرات تستهدف نشر ثقافة الملكية الفكرية، ومن بينها مبادرة «فكرتك ملكك»، التي هدفت إلى تعريف الطلاب والباحثين بأهمية حماية أفكارهم وابتكاراتهم، فلم يكن الهدف تشجيع الطالب على تقديم فكرة جديدة فقط، وإنما تعريفه كذلك بكيفية الحفاظ على حقوقه الفكرية وكيف يمكن أن تتحول الفكرة من مشروع أكاديمي أو بحثي إلى منتج أو تطبيق أو قيمة اقتصادية قابلة للاستثمار، وهو توجه يعكس رؤيتها للجامعة باعتبارها مؤسسة لإنتاج المعرفة وتحويلها إلى قيمة وليس مجرد مكان لتلقين المناهج
الجامعة الريادية.. طالب لا يبحث فقط عن وظيفة
خلال عملها نائبًا لرئيس الجامعة المصرية الصينية تبنت الخولي بصورة واضحة مفهوم «الجامعة الريادية»، وهو نموذج لا يكتفي بإعداد الطالب للحصول على شهادة ثم البحث عن وظيفة، بل يسعى إلى تخريج طالب يمتلك القدرة على ابتكار مشروع وخلق فرصة عمل لنفسه ولغيره، ومن هنا جاء اهتمامها بنوادي ريادة الأعمال وبرامج التدريب والابتكار ودعم الأفكار الطلابية، وكان الهدف أن يتحول الطالب من مجرد متلق للمعرفة إلى شخص قادر على استخدامها بصورة عملية واقتصادية، واستمرت الخولي خلال عامي 2021 و2022 في المشاركة في أنشطة الجامعة بصفتها نائبًا للرئيس، إلى جانب حضورها في الفعاليات المتعلقة بالتعليم والتبادل الثقافي المصري الصيني
العودة إلى المركز القومي لبحوث المياه.. ولكن رئيسة هذه المرة
في عام 2023 عادت رشا الخولي إلى المؤسسة التي شهدت جزءًا مهمًا من بداياتها المهنية، لكن العودة هذه المرة كانت مختلفة، ففي يناير 2023 صدر قرار بتكليفها رئيسًا للمركز القومي لبحوث المياه على أن تبدأ مهامها رسميًا في 4 فبراير 2023، وهكذا عادت الباحثة التي بدأت داخل المركز بعد تخرجها من كلية الهندسة لتتولى قيادته بعد نحو ثلاثة عقود من العمل في البحث والتعليم والإدارة، وبتوليها المنصب أصبحت ثالث امرأة تتولى رئاسة المركز القومي لبحوث المياه في تاريخه بعد الدكتورة شادن عبد الجواد والدكتورة منى القاضي، وهي محطة حملت دلالة خاصة في مسيرتها لأنها أعادتها إلى نقطة البداية ولكن من قمة الهرم الإداري هذه المرة
رئاسة مؤسسة بحثية في ملف استراتيجي
خلال رئاستها للمركز أصبحت الخولي مسؤولة عن مؤسسة علمية ترتبط بصورة مباشرة بملفات إدارة المياه والري والموارد المائية في مصر، وشاركت في متابعة مشروعات بحثية وتطبيقية وفي ملفات التعاون الدولي المتعلقة بتحسين الري وإدارة المياه، كما ظهرت في مشروعات تعاون بين مصر ودول أخرى، من بينها أنشطة مرتبطة بالتعاون المصري الهولندي في مجال المياه، وبذلك تغير دورها داخل المنظومة البحثية من الباحثة التي تنفذ أو تشارك في مشروع إلى المسؤولة عن مؤسسة كاملة تضع أولويات البحث وتدير فرق العمل وتبني علاقات التعاون مع المؤسسات العلمية والبحثية محليًا ودوليًا
الإنتاج العلمي ظل حاضرًا
على الرغم من انتقالها إلى مناصب إدارية متتالية ظل النشاط البحثي جزءًا أساسيًا من مسيرة رشا الخولي، وشملت أبحاثها موضوعات مرتبطة بـ إدارة وجودة المياه، ومياه المصارف الزراعية، وترعة السلام، وخلط مياه الصرف الزراعي بالمياه العذبة، وتلوث البحر المتوسط، وتحلية المياه، والاستشعار عن بعد، ونظم المعلومات الجغرافية، ومن بينها دراسات حول إدارة وجودة مياه ترعة السلام وسيناريوهات خلط مياه الصرف الزراعي بالمياه العذبة في الترعة، كما ساهمت في عمل أكاديمي تناول تلوث البحر المتوسط وإجراءات الحد من التلوث ضمن دراسات للإدارة المتكاملة للموارد المائية في منطقة البحر المتوسط، وشاركت كذلك في أبحاث تتناول تحلية المياه منخفضة الطاقة واستخدام المواد النانوية، وفي عام 2023 شاركت في بحث حول بناء إطار يعتمد على نظم المعلومات الجغرافية GIS لتقييم ترابط المياه والطاقة والغذاء، وهو ما يعكس استمرار الخط البحثي الذي صاحبها منذ بداياتها حتى مع تعدد مسؤولياتها الإدارية
Mara-Mediterra.. البحث الذي يصل إلى الأرض
من المشروعات الدولية التي ارتبط اسمها بها أيضًا مشروع Mara-Mediterra، وهو مشروع بحثي شاركت فيه الجامعة المصرية الصينية ضمن شراكة دولية تركز على مواجهة مشكلات تدهور التربة والمياه وتعزيز الاستدامة والأمن الغذائي في المناطق الريفية باستخدام حلول قائمة على الطبيعة، وشمل المشروع أنظمة تجمع بين الأراضي الرطبة والاستزراع المائي، وتولت الجامعة المصرية الصينية أنشطة مرتبطة بنظام Aquaponic Wetlands، وهو نموذج يدمج بين معالجة المياه والزراعة والاستزراع المائي في منظومة متكاملة، وشاركت الخولي في متابعة المنشأة التجريبية الخاصة بالمشروع داخل حرم الجامعة، ليقدم المشروع نموذجًا عمليًا لفكرة ظلت حاضرة في مسيرتها وهي أن البحث العلمي يجب ألا ينتهي عند نشر الدراسة وإنما ينبغي أن ينتقل إلى التطبيق على الأرض
العودة إلى الجامعة المصرية الصينية من موقع الرئيس
بعد تجربتها كنائب لرئيس الجامعة المصرية الصينية ثم رئاستها للمركز القومي لبحوث المياه انتقلت الخولي إلى مرحلة جديدة بتولي رئاسة الجامعة المصرية الصينية، وخلال عام 2024 ظهرت في عدد من الأنشطة واللقاءات بصفتها رئيسة للجامعة، قبل الإعلان في نوفمبر من العام نفسه عن الموافقة الرسمية على تعيينها رئيسًا للجامعة المصرية الصينية، وهكذا اكتملت دائرة بدأت داخل الجامعة كنائب للرئيس ومسؤولة عن التعليم والطلاب والابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا ثم انتهت بتوليها مسؤولية قيادة المؤسسة بأكملها
الصين.. شريك أكاديمي وتكنولوجي
بحكم طبيعة الجامعة المصرية الصينية تحتل العلاقات مع الصين مساحة رئيسية في الرؤية التي تتبناها الخولي، فالتوجه لا يتعامل مع كلمة «الصينية» في اسم الجامعة باعتبارها مجرد مسمى، وإنما يسعى إلى تحويلها إلى شراكة فعلية في التعليم والبحث العلمي ونقل التكنولوجيا والتدريب والتبادل الطلابي وتبادل أعضاء هيئة التدريس، ومن بين تحركات الجامعة في هذا الاتجاه التوسع في التعاون مع الجامعات والمؤسسات الصينية وإبرام اتفاقيات للتبادل الطلابي والتعاون البحثي، كما قادت الخولي لقاءات ومباحثات مع جامعات صينية بارزة، من بينها جامعة Zhejiang، بهدف زيادة فرص التبادل الطلابي وتبادل أعضاء هيئة التدريس والهيئة المعاونة والتعاون في المشروعات البحثية، ويأتي ذلك ضمن رؤية تعتبر الصين شريكًا في نقل الخبرات العلمية والتكنولوجية والصناعية وليس فقط شريكًا ثقافيًا
أكثر من 100 اتفاقية تعاون
ضمن توجه الجامعة إلى الانفتاح على المؤسسات المحلية والدولية أعلنت رشا الخولي خلال عام 2025 أن الجامعة وقعت أكثر من 100 اتفاقية شراكة وتعاون مع جامعات ومؤسسات محلية ودولية، وتشمل مجالات تلك الاتفاقيات التبادل الطلابي والتدريب والرحلات العلمية والتعاون الأكاديمي وبرامج الدرجات المشتركة، ويعكس هذا الرقم حجم الرهان الذي تضعه إدارة الجامعة على الشراكات الخارجية باعتبارها إحدى الأدوات الرئيسية لتطوير العملية التعليمية وإتاحة خبرات وفرص أوسع للطلاب وأعضاء هيئة التدريس
جامعة تتوسع أكاديميًا
استمرت الجامعة المصرية الصينية خلال رئاسة الخولي في التوسع الأكاديمي، وبحلول عام 2026 تحدثت عن وصول الجامعة إلى 12 كلية، إلى جانب خطط للتوسع في البرامج البينية واستحداث تخصصات وبرامج جديدة، كما تضمنت الخطط المعلنة العمل على افتتاح كلية للطب البشري، في إطار توسع الجامعة في المجالات الطبية والتخصصات الجديدة، وظهر في رؤيتها أيضًا الاهتمام بالبرامج البينية التي تجمع بين أكثر من تخصص بدلًا من الالتزام الصارم بالحدود التقليدية بين الكليات، بما يتوافق مع التحولات الحديثة في سوق العمل وطبيعة التخصصات المستقبلية
ربط الجامعة بالمؤسسات الوطنية
لم يقتصر توسع الجامعة خلال هذه المرحلة على الصين أو المؤسسات الأكاديمية الدولية، وإنما امتد إلى بناء علاقات مع مؤسسات وطنية، ففي عام 2026 وقعت الجامعة برئاسة رشا الخولي بروتوكول تعاون مع هيئة النيابة الإدارية في مجالات التعاون والتدريب، وهي خطوة تعكس توجهًا نحو فتح قنوات اتصال بين الجامعة ومؤسسات الدولة وتوفير فرص تدريب وتعاون للطلاب وربط الدراسة الجامعية بصورة أكبر بالواقع المهني والتطبيقي
الفاو تعود مرة أخرى إلى مسيرتها
حتى بعد انتقالها إلى رئاسة الجامعة المصرية الصينية ظلت المؤسسات الدولية التي تعاملت معها في بدايات مسيرتها حاضرة في نشاطها، ففي عام 2024 عقدت لقاءات مع ممثلين عن منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو» لبحث التعاون في مجالات الزراعة والغذاء والمياه والطاقة ونظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بعد وتغير المناخ، وهو مشهد يحمل مفارقة واضحة في مسيرتها، فالمنظمة التي تعاونت معها في مرحلة سابقة كباحثة وخبيرة ومستشارة أصبحت بعد سنوات طرفًا في مباحثات تعاون تجريها وهي على رأس مؤسسة جامعية
المياه والطاقة والغذاء.. فكرة لم تغادر مسيرتها
على الرغم من تعدد المناصب وتغير المؤسسات بقيت القضايا التي بدأت منها رشا الخولي حاضرة بصورة لافتة في مسيرتها، فـ المياه والطاقة والغذاء والاستدامة ظهرت في أبحاثها القديمة ثم في المشروعات الدولية التي شاركت فيها وفي تجربتها داخل جامعة هليوبوليس وفي مشروعات الجامعة المصرية الصينية وفي تعاونها مع المؤسسات الدولية، وهو ما يكشف أن انتقالها إلى الإدارة لم يكن قطيعة مع تخصصها العلمي وإنما انتقالًا إلى مستوى آخر من التعامل معه، من تنفيذ البحث إلى إدارة المؤسسة التي تنتجه، ومن دراسة مشكلة محددة إلى بناء منظومة تعليمية وبحثية يمكنها التعامل مع مجموعة واسعة من المشكلات
شخصية رياضية أيضًا
بعيدًا عن المكاتب والمعامل وقاعات الاجتماعات تحمل سيرة رشا الخولي جانبًا آخر أقل شهرة، فقد مارست رياضة التجديف وحققت بطولة الجمهورية خمس سنوات متتالية، واستمرت الرياضة ضمن اهتماماتها حتى مع تقدمها في مسارها المهني وتوليها مسؤوليات أكاديمية وإدارية كبيرة، وهي تجربة تكشف جانبًا مختلفًا من الشخصية يرتبط بالانضباط والاستمرارية والقدرة على التحمل والعمل داخل فريق، وهي سمات صاحبتها لاحقًا في مسار مهني طويل ومتنوع
القراءة والزراعة والديكور
ولا تتوقف اهتمامات رشا الخولي الشخصية عند الرياضة، فقد تحدثت كذلك عن اهتمامها بـ القراءة والزراعة وتنسيق الحدائق والديكور، وهي اهتمامات تقدم صورة أكثر اتساعًا للشخصية الموجودة خلف الألقاب والمناصب الرسمية، كما ورد في تصريحات صحفية سابقة أنها اختيرت عبر مواقع التواصل ضمن قائمة تضم 50 سيدة مؤثرة في مصر، غير أن تفاصيل الجهة المنظمة لهذا الاختيار وطبيعته لا تتوافر بصورة كافية لتقديمه باعتباره جائزة رسمية، ولذلك يظل الأدق التعامل معه باعتباره اختيارًا ورد في تصريحاتها الصحفية وليس تكريمًا رسميًا موثقًا
من الباحثة إلى صانعة القرار
عند جمع محطات الرحلة في صورة واحدة يصعب اختزال رشا الخولي في لقب رئيس الجامعة المصرية الصينية، فهي مهندسة مدنية بدأت من تخصص الري والهيدروليكا، ثم أصبحت باحثة في جودة المياه وإدارة الموارد المائية، وخاضت تجارب في المشروعات والاستشارات الدولية، وانتقلت إلى التدريس الجامعي وتطوير المناهج، ثم أصبحت رئيسة لقسم هندسة المياه وعميدة لكلية الهندسة، وبعدها نائبًا لرئيس جامعة، وشاركت في مؤسسة أكاديمية أورومتوسطية دولية، ثم انتقلت إلى الجامعة المصرية الصينية نائبًا للرئيس ومسؤولة عن التعليم والطلاب والابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا، وبعد ذلك عادت إلى المركز القومي لبحوث المياه لتتولى رئاسته، قبل أن تنتقل مجددًا إلى العمل الجامعي من أعلى موقع إداري وتصبح رئيسة للجامعة المصرية الصينية
ثلاثة عوالم في مسيرة واحدة
يمكن قراءة رحلة رشا الخولي من خلال ثلاثة عوالم ظلت تتحرك بينها باستمرار، البحث العلمي والتعليم الجامعي والإدارة، لكن هناك عالمًا رابعًا ظل حاضرًا منذ وقت مبكر وهو التعاون الدولي، فمن الفاو إلى البرامج والمشروعات الأوروبية، ومن الجامعة الأورومتوسطية إلى الجامعات الصينية، ومن مشروعات المياه إلى ملفات الاستدامة وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا، ارتبط جانب كبير من مسيرتها بفكرة العمل عبر الحدود والمؤسسات، وفي الوقت نفسه لم تتخل عن مفهوم البحث التطبيقي، فالدراسة بالنسبة إليها لا تنتهي عند نشر ورقة علمية، والجامعة لا تنتهي مهمتها عند منح شهادة، والطالب ليس مطلوبًا منه فقط الحصول على وظيفة، وإنما يفترض أن يمتلك القدرة على استخدام المعرفة في إنتاج حلول وأفكار ومشروعات جديدة
من إدارة المياه إلى إدارة المعرفة
ربما تكون المفارقة الأوضح في رحلة رشا الخولي أن بدايتها المهنية كانت مع إدارة واحد من أهم الموارد الطبيعية وهو المياه، بينما وصلت في محطتها الحالية إلى إدارة مورد من نوع آخر هو المعرفة، بدأت بدراسة حركة المياه وجودتها واستخداماتها، ثم انتقلت إلى دراسة العلاقات بين المياه والطاقة والغذاء، وبعدها إلى التفكير في العلاقة بين الجامعة والصناعة والابتكار وسوق العمل، ومن باحثة داخل المركز القومي لبحوث المياه إلى رئيسة للمركز نفسه، ومن أستاذة ورئيسة قسم وعميدة لكلية هندسة إلى نائب رئيس جامعة، ومن مسؤولة عن الابتكار وريادة الأعمال ونقل التكنولوجيا إلى رئيسة للجامعة المصرية الصينية، قطعت رشا الخولي مسارًا لم يكن خطيًا بقدر ما كان سلسلة من الدوائر المتصلة، وفي كل دائرة تقريبًا بقي السؤال نفسه حاضرًا، كيف يمكن تحويل العلم من معرفة داخل المعمل أو قاعة المحاضرات إلى أداة لحل مشكلة واقعية؟، وربما يكون هذا السؤال هو المفتاح الأقرب لفهم الرحلة كلها، رحلة بدأت من هندسة المياه لكنها لم تتوقف عندها، بل امتدت إلى هندسة المؤسسات وصناعة المعرفة وربط التعليم بالتكنولوجيا والصناعة والتنمية وبناء جسور أكاديمية بين مصر والعالم وبين الجامعات المصرية ونظيراتها الصينية