رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

حين وصل «منشار الحكومة» إلى شوارع الـVIP

جاهز للاستماع

ظل المنشار يدور طويلًا يأكل من أشجار القاهرة ويغير ملامح شوارعها بينما تمر الصور أمام كثيرين كأنها خبر عابر لا يستحق أكثر من تنهيدة أو منشور غاضب يختفي بعد ساعات، لكن حين اقترب صوت المنشار من شارع جامعة الدول العربية تغير المشهد فجأة، ارتفعت الأصوات وانتشرت الصور وتحولت الأشجار إلى قضية رأي عام، وكأن القاهرة اكتشفت للتو أن للشجر ذاكرة وأن الظل حق وأن المدينة ليست مجرد أسفلت وكباري وخرسانة، لم يتغير المنشار، الذي تغير فقط هو عنوان الشارع

 

جامعة الدول العربية ليس شارعًا عاديًا في الوجدان القاهري، إنه قلب المهندسين وأحد أشهر شوارع الجيزة، تمر به طبقات اجتماعية مختلفة لكنه يظل مرتبطًا في المخيلة بمناطق أكثر قدرة على إيصال صوتها إلى الإعلام ومواقع التواصل، ولهذا عندما ظهرت مشاهد التعامل مع الأشجار كان رد الفعل سريعًا وقويًا، فجأة أصبح السؤال عن مصير كل شجرة وعن البدائل وعن جدوى التطوير إذا كان ثمنه اختفاء الأخضر من المدينة

 

والحقيقة أن كل هذه الأسئلة مشروعة بل كان يجب أن تُطرح منذ زمن، المشكلة ليست في أن النخبة غضبت من أجل أشجار جامعة الدول وإنما في أن الغضب البيئي في مصر يبدو أحيانًا وكأنه يحتاج إلى عنوان مشهور حتى يصبح مسموعًا

 

الشجرة التي تمنح الظل في المهندسين لا تختلف عن شجرة تقف في إمبابة أو بولاق أو شبرا أو أي حي بعيد عن عدسات الكاميرات، المواطن الذي يسير تحت شمس الصيف في منطقة شعبية يحتاج إلى الظل كما يحتاج إليه ساكن أرقى الأحياء، والطفل الذي يعيش وسط كتل خرسانية متلاصقة يحتاج إلى مساحة خضراء ربما أكثر من طفل تحيط بمنزله الحدائق

 

لكن المفارقة أن بعض الشوارع تمتلك صوتًا وبعضها الآخر لا يمتلك سوى سكانه، هناك شارع تستطيع صورة واحدة منه أن تشعل مواقع التواصل وهناك شارع يمكن أن تتغير ملامحه بالكامل دون أن يعرف به أحد خارج حدوده، وهنا لا تصبح القضية مجرد أشجار وإنما عدالة في الحق في المدينة نفسها

 

لا أحد عاقل يطالب بتجميد القاهرة في الزمن، المدينة تحتاج إلى تطوير طرقها ومرافقها ووسائل النقل والبنية الأساسية، لكن التطوير الحقيقي لا ينبغي أن يبدأ بالمنشار ثم يبحث بعد ذلك عن مبررات، قبل إزالة شجرة عاشت سنوات طويلة من حق الناس أن يعرفوا لماذا ستُزال وهل توجد بدائل وهل يمكن نقلها وما خطة التعويض وأين ستزرع الأشجار البديلة ومن سيضمن بقاءها بعد التقاط الصور وانتهاء الجدل

 

فالقول إننا سنزرع شجرة بدلًا من أخرى ليس كافيًا دائمًا، الشجرة الناضجة ليست مجرد جذع وأوراق يمكن تعويضهما بشتلة صغيرة، إنها سنوات من النمو والظل والكتلة الخضراء وذاكرة المكان، وما يستغرق دقائق أمام المنشار قد يحتاج سنوات طويلة حتى تستعيده المدينة

 

وهنا يظل السؤال الذي يستحق أن يبقى بعد انتهاء الضجة، ماذا لو كانت الصور نفسها قادمة من شارع لا يعرفه المشاهير، ماذا لو لم تكن المنطقة المهندسين، هل كانت القضية ستتصدر النقاش بالسرعة نفسها، هل كانت الأصوات المؤثرة ستتحرك، وهل كنا سنكتشف بالحرارة نفسها أهمية الشجر

 

لا أحد يستطيع الجزم بالإجابة لكن سنوات من التفاوت في الاهتمام بأحياء القاهرة تجعل السؤال مشروعًا، فهناك أزمات لا تتحول إلى تريند إلا عندما تعبر سور المناطق القادرة على صناعة التريند

 

الدفاع عن أشجار جامعة الدول موقف يستحق الدعم وليس السخرية، لكن الأجمل أن يكون بداية لا استثناء، أن يصبح الغضب نفسه حاضرًا عندما يُهدد الأخضر في شارع شعبي وعندما تختفي حديقة صغيرة في منطقة بعيدة وعندما يجد طفل نفسه محاصرًا بالخرسانة دون شجرة واحدة يلجأ إلى ظلها

 

القاهرة لا تحتاج إلى معركة موسمية لإنقاذ مجموعة أشجار كلما انتشرت صورة على مواقع التواصل، بل تحتاج إلى سياسة واضحة تعتبر الأشجار جزءًا من البنية الأساسية للمدينة وتحافظ على الموجود منها وتجعل الإزالة آخر الحلول لا أولها وتضع أمام الناس معلومات واضحة عن أي إزالة وأسبابها وخطط التعويض عنها

 

لقد كان صوت المنشار موجودًا من قبل لكن هذه المرة وصل صداه إلى مكان يسمعه الجميع، وربما تكون تلك فرصة جيدة لكي نتوقف عن السؤال فقط ماذا حدث لأشجار جامعة الدول ونطرح السؤال الأكبر ماذا حدث لأشجار المدينة كلها

 

الشجر لا يعرف الفرق بين شارع للأغنياء وشارع للفقراء ولا يمنح ظله وفق سعر المتر ولا يسأل المارة عن طبقتهم الاجتماعية، نحن وحدنا من نفعل ذلك، وإذا كانت النخبة قد انتفضت حين وصل المنشار إلى شوارع الـVIP فالمطلوب ألا يعود الجميع إلى الصمت عندما ينتقل المنشار إلى شارع لا يسكنه مشهور ولا تصله كاميرا ولا يستطيع أهله أن يصنعوا تريندًا

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال