«عنبر العقلاء».. حين يصبح التشابه موهبة والتفاهة طريقًا للشهرة

من «شبيه عبد الحليم» و«شبيهة زبيدة ثروت» إلى «ملك جمال الشرقية» وألقاب لا تنتهي كيف صنعت السوشيال ميديا وجوهًا تتصدر المشهد دون فن أو إنجاز وأصبح الظهور نفسه هو المنتج؟
لم يعد السؤال ماذا قدم هذا الشخص حتى يصبح مشهورًا؟ السؤال الآن أصبح أكثر غرابة كم مرة ظهر أمام الكاميرا؟ في زمن سابق كان الطريق إلى الشهرة طويلًا، مطرب يحتاج إلى صوت وأغنية، وممثل يحتاج إلى موهبة ودور، ولاعب يحتاج إلى بطولة، وكاتب يحتاج إلى كتاب، أما اليوم فقد ظهر طريق مختصر لا يحتاج إلى كل هذا العناء، وجه يشبه فنانًا، أو لقب غريب، أو فيديو يثير السخرية والفضول، ثم عدة دعوات إلى حفلات ومناسبات، وبعدها تبدأ ماكينة الشهرة في العمل.
وهكذا ظهر أمام الجمهور قاموس جديد «العندليب الأبيض»، «شبيهة زبيدة ثروت»، «شبيه جعفر العمدة»، «ملك جمال الشرقية»، و«أندر تيكر»، وغيرهم، شخصيات انتقلت من مقاطع السوشيال ميديا إلى الحفلات والمناسبات، وأصبحت الكاميرات تبحث عنها والجمهور يتابعها، حتى صار لبعضها حضور قائم بذاته، بغض النظر عن وجود موهبة فنية أو إنجاز واضح وراء هذه الشهرة.
الشهرة أولًا والسبب نبحث عنه لاحقًا
المفارقة ليست في أن شخصًا يشبه فنانًا أو يختار لنفسه لقبًا، فهذا في حد ذاته لا يمثل مشكلة، الأزمة تبدأ عندما يتحول التشابه إلى مهنة، واللقب إلى بطاقة تعريف، والظهور إلى إنجاز قائم بذاته، يدخل الشخص إلى إحدى المناسبات فتتحرك الهواتف نحوه، يُصوَّر وينتشر الفيديو، ثم يُستضاف للحديث عن انتشاره، وبعد أيام يُدعى إلى مناسبة أخرى لأنه أصبح «ترندًا».
وهكذا تكتمل دائرة شديدة العبث، ظهر لأنه مشهور، وأصبح مشهورًا لأنه ظهر، وفي منتصف هذه الدائرة يكاد يختفي السؤال الأكثر بساطة ومنطقية ماذا يقدم أصلًا؟.
مصنع المشاهير يعمل بكامل طاقته
السوشيال ميديا لم تخترع الرغبة في الشهرة، لكنها غيرت قواعد الوصول إليها، المنصات لا تشترط شهادة موهبة قبل أن تمنح فيديو ملايين المشاهدات، ولا تسأل صاحب المقطع عن مشروعه الفني قبل دفعه إلى آلاف الشاشات، ما يهم هو التفاعل، مشاهدة وتعليق ومشاركة وإعادة نشر.
وهنا ظهر اقتصاد كامل قائم على الانتباه، كلما كان المشهد أغرب زادت احتمالات توقف المستخدم أمامه، وكلما أثار الجدل تضاعفت التعليقات، وحتى السخرية أصبحت وسيلة مجانية لزيادة الانتشار، والمفارقة أن الشخص الذي يدخل ليسخر من أحد هؤلاء قد يكون من حيث لا يدري أحد أهم أسباب زيادة شهرته، نحن أحيانًا نصنع بأيدينا الشخص الذي نسأل بعد ذلك من الذي جعله مشهورًا؟.
ليلة اجتمع فيها «العالم الموازي»
جاءت بعض الحفلات والمناسبات لتقدم الصورة الأكثر وضوحًا لهذا العالم، حين اجتمعت شخصيات صنعت أسماءها أساسًا عبر السوشيال ميديا والألقاب المثيرة للفضول، لم تعد الكاميرا تذهب إلى المناسبة فقط لتوثيق نجوم موجودين بالفعل، بل أصبح وجود الكاميرا في حد ذاته سببًا كافيًا للحضور، وأصبح الظهور في الفيديوهات جزءًا من الحدث، وربما أهم من الحدث نفسه.
في هذا المشهد لم تعد السوشيال ميديا مجرد وسيلة تنقل ما يحدث، السوشيال ميديا أصبحت هي الحدث، الحفل ينتج عشرات المقاطع، والمقاطع تصنع الترند، والترند يصنع وجوهًا جديدة، والوجوه الجديدة تنتقل إلى الحفل التالي لتبدأ الدورة من جديد.
«شبيه فلان» حين يصبح اسمك أنت غير مهم
الأكثر إثارة في ظاهرة «الأشباه» أن رأس المال الأساسي للشخص قد يصبح وجه شخص آخر، لا يعرفه الجمهور باسمه، وإنما بعلاقته بمشهور، شبيه عبد الحليم، شبيهة زبيدة ثروت، شبيهة فنانة أخرى أو شبيه بطل مسلسل، ومع تكرار الظهور يتحول الوصف تدريجيًا إلى اسم شهرة، ثم يتحول الاسم إلى «براند» له متابعون وظهور وحضور في المناسبات.
لكن هنا يظهر سؤال أكثر قسوة، ماذا يحدث عندما تصبح شهرتك قائمة أساسًا على أنك نسخة من شخص آخر؟ وماذا يبقى من هذه الشهرة إذا اختفى التشابه أو فقد الجمهور اهتمامه به؟ المفارقة أن صناعة المحتوى يفترض أن تمنح الإنسان شخصية يعرفه الناس بها، بينما قد تفعل ظاهرة «الأشباه» العكس تمامًا، تمحو اسم الشخص الحقيقي وتربطه طوال الوقت باسم شخص آخر.
من «الشبيه» إلى «البلوجر»
ثم تأتي الكلمة السحرية بلوجر، لقب فضفاض أصبح قادرًا في الاستخدام الشعبي على استيعاب الجميع تقريبًا، لكن صانع المحتوى بالمعنى الحقيقي هو شخص ينتج محتوى له فكرة وجمهور واستمرارية، سواء كان تعليميًا أو ترفيهيًا أو فنيًا أو متخصصًا، أما امتلاك حساب وعدد من المتابعين أو انتشار مقطع واحد فلا يصنع وحده مشروعًا إعلاميًا.
ومع ذلك يكفي أحيانًا فيديو واحد لتبدأ السلسلة، ترند، ثم لقاء، ثم تصوير في مناسبة، ثم دعوة إلى حفل، ثم صورة مع مشهور، ثم خبر يصف صاحبه بأنه «البلوجر الشهير»، وبعدها يصبح وصف «الشهير» نفسه سببًا لشهرة إضافية، إنها عملية تصنيع لا تحتاج إلى مصنع، هاتف محمول وخوارزمية وجمهور لا يتوقف عن المشاهدة تكفي أحيانًا لبدء الرحلة.
الجمهور ليس بريئًا
من السهل إلقاء اللوم كله على أصحاب هذه الظاهرة، لكن ذلك يخفي نصف الحقيقة، السؤال الأهم هو من يشاهد؟ حين يحصل محتوى لا يقدم قيمة واضحة على ملايين المشاهدات، بينما تمر أعمال فنية وثقافية وعلمية جادة بأرقام محدودة، فالمنصة لا تصدر حكمًا أخلاقيًا، هي تستجيب لما يفعله مستخدموها.
نحن نضغط، ونعلق، ونشارك الفيديو مع صديق ونقول له «شوف المصيبة دي»، ثم نندهش بعد أيام لأن صاحب الفيديو أصبح مشهورًا، حتى السخرية تحولت إلى وقود لماكينة الشهرة، كل تعليق غاضب أو ساخر هو في النهاية تفاعل إضافي قد يدفع المحتوى إلى جمهور أكبر.
الإعلام أيضًا أمام المرآة
لكن الجمهور ليس الطرف الوحيد، هناك سؤال ينبغي أن تواجهه وسائل الإعلام أيضًا هل كل شخص أصبح ترندًا يستحق أن يصبح ضيفًا؟ الاستضافة الإعلامية تمنح شرعية وحضورًا، وحين يصبح المعيار الوحيد للاختيار هو عدد المشاهدات، تبدأ الحدود بين «الشخصية العامة» و«الشخص الذي حقق أحد فيديوهاته انتشارًا» في الاختفاء.
وهكذا تتكرر الدائرة، السوشيال ميديا تصنع ترندًا، والإعلام يستضيف صاحبه لأنه ترند، والاستضافة تمنحه شهرة أكبر، والشهرة تنتج ترندًا جديدًا، وبين حلقة وأخرى يستمر المصنع في العمل.
«عنبر العقلاء»
قد يبدو العنوان ساخرًا وحادًا، لكن القضية أكبر من السخرية من مجموعة أشخاص، هؤلاء لم يصنعوا الظاهرة وحدهم، وبعضهم ببساطة وجد بابًا مفتوحًا للشهرة فدخل منه، ومن حق أي شخص أن يصنع محتواه ويقدم نفسه بالطريقة التي يختارها ما دام لا يتعدى على حقوق الآخرين.
السؤال الحقيقي موجه إلى الجميع متى قررنا أن الشهرة في حد ذاتها إنجاز؟ ومتى أصبح عدد المتابعين بديلًا عن السؤال عما يقدمه صاحب الحساب؟ ومتى تحول «الترند» من نتيجة لحدث مهم إلى مهنة يبحث أصحابها عن حدث كي يصنعوه؟.
نحن أمام سوق كامل يتاجر بأغلى عملة في العصر الرقمي انتباه الناس، والمنتج لا يشترط أن يكون موهوبًا أو مفيدًا أو حتى صاحب مشروع واضح، يكفي أن يجعلك تتوقف عن تمرير الشاشة لثوانٍ، وبعدها تتولى الخوارزمية الباقي.
ولهذا ربما لا تكون المشكلة أن لدينا «شبيه عبد الحليم» أو «شبيهة زبيدة ثروت» أو «ملك جمال الشرقية» أو عشرات الألقاب التي ستظهر غدًا، المشكلة الحقيقية أن المجتمع الرقمي أصبح قادرًا على صناعة مشهور كامل قبل أن يجد أحد إجابة عن سؤال واحد مشهور بماذا؟.
وهنا يصبح «عنبر العقلاء» ليس وصفًا لأشخاص بعينهم، بل مرآة ساخرة لعصر يمكن فيه تصنيع الشهرة أولًا ثم البحث عن الموهبة لاحقًا.