رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
الصورة الكاملة

«من الطاقة إلى القنبلة».. «يحيى خيرالله» يفتح أخطر ملفات الأزمة النووية الكورية

من أول تجربة نووية إلى قمة ترامب وكيم.. محطات نقلت الأزمة من حافة المواجهة إلى طاولة التفاوض

رئيس «الصداقة المصرية الكورية»:

 القوة النووية الكورية «صمام أمان».. وبيونغ يانغ تعتبر وضعها كدولة نووية حقيقة لا رجعة فيها

 الأزمة لم تبدأ بالرغبة في امتلاك القنبلة.. بل بغياب الأمن في شبه الجزيرة الكورية

 ملف إسرائيل النووي: «هل أصيبت الأمم المتحدة بالعمى والصمم؟!»

 الأمم المتحدة أصبحت «عصًا تلوح بها أمريكا لكل من يعارض سياستها الاستيطانية»

 إسرائيل تنتهج «الغموض النووي» وترفض الانضمام لمعاهدة عدم الانتشار وتطبيق الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية

 تُسلط الأضواء على كوريا الشمالية وإيران.. بينما تلتزم أوروبا الصمت تجاه الترسانة الإسرائيلية

«هذا الانحياز الأوروبي ليس حيادًا».. بل تكريس لسياسة «الكيل بمكيالين»

لم تعد القضية مجرد صواريخ تُطلق من بيونغ يانغ، أو بيانات إدانة تصدر من واشنطن، أو عقوبات تتوالى من المؤسسات الدولية، فخلف المشهد الذي يراه العالم اليوم تقف عقود من الصراع والمفاوضات والتهديدات المتبادلة، وبرنامج نووي انتقل من بدايات سلمية إلى سلاح أصبح في قلب واحدة من أخطر المواجهات السياسية والعسكرية في العالم.

وفي الحلقة الثانية من الحوار الخاص لـ«يونيو نيوز» مع الدكتور يحيى خيرالله، رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ورئيس مجلس التعاون العربي الكوري، نقترب من قلب هذا الملف، لماذا قررت كوريا الشمالية امتلاك السلاح النووي؟ وكيف انتقلت علاقتها مع الولايات المتحدة من الاتفاقات إلى التجارب النووية والصاروخية، ثم من حافة الصدام إلى اللقاء التاريخي بين كيم جونغ وون ودونالد ترامب؟.

لكن الحوار لا يتوقف عند بيونغ يانغ وواشنطن، فحين يصل الحديث إلى العقوبات والوكالة الدولية للطاقة الذرية ومنع الانتشار، يفتح خيرالله ملفًا أكثر سخونة، ويضع البرنامج النووي الإسرائيلي في قلب المقارنة، متسائلًا عن اختلاف تعامل المجتمع الدولي مع إسرائيل من ناحية، وكوريا الشمالية وإيران من ناحية أخرى، قبل أن يوجه انتقادات حادة للأمم المتحدة ومجلس الأمن والموقف الأوروبي، ويتوقع تغيرًا تدريجيًا في بنية النظام الدولي نفسه.

من القنبلة الكورية إلى «ديمونة»، ومن مجلس الأمن إلى الفيتو، ومن المواجهة النووية إلى مستقبل الأمم المتحدة، تفتح الحلقة الثانية واحدًا من أكثر ملفات الحوار حساسية.

دعنا ننتقل إلى ملف بالغ الأهمية، وهو ما يطلق عليه إعلام الغرب «الأزمة النووية الكورية»، فقد هاجمت جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بشدة الوكالة الدولية للطاقة الذرية، ووصفت دعواتها المتكررة لنزع ترسانتها النووية بأنها «حماقات معتادة» و«مجرد ضوضاء لا قيمة لها»، ما تعليقك؟

دعني أولًا أشير إلى مختصر البيان الصحفي الصادر عن السيدة كيم يو جونغ، مديرة إدارة اللجنة المركزية لحزب العمل الكوري، بتاريخ 17 سبتمبر، فقد جاء حاسمًا وقاطعًا، ووصفت ما تردد خلال الدورة السبعين للمؤتمر العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية حول انتهاك قرارات مجلس الأمن وتهديد السلم الدولي ونزع السلاح النووي الكامل بأنه مجرد هراء معتاد وضوضاء مكررة لا تحمل أي جديد.

وأكدت أن وضع جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية كدولة نووية حقيقة راسخة لا رجعة فيها، ومكرسة فعليًا وقانونيًا، وأن صراخ الوكالة والغرب لن يؤثر قيد أنملة على عزم الدولة وقدرتها على اتخاذ كافة التدابير اللازمة للدفاع عن مصالحها العليا، مشددة على أن القوة النووية الكورية هي صمام الأمان لردع ما وصفته بالممارسات المارقة وضمان السلم والأمن.

أما عن تحليلي لهذا التصريح فأقول إن تصريح السيدة كيم يو جونغ يعكس ذروة النضج الاستراتيجي في الخطاب السياسي الكوري، فهو ليس مجرد رد انفعالي على الوكالة الدولية للطاقة الذرية، بل إعلان سيادي محسوب بدقة، فوصفها لدعوات نزع السلاح النووي بـ«الهراء المعتاد» و«الضوضاء المكررة» يحمل دلالة سياسية عميقة، وهي نزع الشرعية عن أي خطاب غربي يحاول إعادة عقارب الساعة إلى الوراء، وترسيخ معادلة جديدة مفادها أن التفاوض إن حدث سيكون بين دولتين نوويتين، وليس بين وكالة ومتهم بامتلاك أسلحة نووية.

والأهم في خطابها هو التأكيد على أن الوضع النووي لكوريا حقيقة راسخة لا رجعة فيها، وهذه إشارة مباشرة إلى أن بيونغ يانغ تعتبر امتلاكها للسلاح النووي جزءًا من معادلة الأمن القومي والسيادة.

ترددت في بعض وسائل التواصل الاجتماعي أنباء عن زيارة مرتقبة للرئيس كيم جونغ وون إلى مصر، فما تعليقكم على ذلك؟

نحن لا نبني مواقفنا على ما يتم تداوله في وسائل التواصل الاجتماعي، فهي أصبحت ساحة مفتوحة يتحكم فيها البعض لخدمة أغراض خاصة وبث الشائعات، والرئيس كيم جونغ وون رئيس دولة ذات سيادة، ومن حقه الطبيعي زيارة أي دولة صديقة متى ارتأت الدولتان ذلك وبالتنسيق المشترك بينهما، وهذا عرف دبلوماسي معمول به في كل دول العالم.

وفي هذا السياق نثمن رؤية الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي أعطى لمكانة مصر الخارجية أهمية كبرى، حيث انتهجت مصر سياسة خارجية متوازنة ومنفتحة على جميع دول العالم تقوم على تنويع الشراكات وتحقيق المصالح الوطنية، لقد مضى عهد القطب الواحد، وأصبح العالم يتجه نحو التعددية، ومصر بقيادتها تدرك ذلك جيدًا وتتحرك لتعزيز علاقاتها مع مختلف القوى الدولية بما يخدم أمنها القومي ومصالح شعبها ويدعم السلام والاستقرار في المنطقة والعالم.

وإذا رأت مصر وكوريا الشمالية أن هناك حاجة للقاء سياسي يحقق مصلحة البلدين والشعبين الصديقين فلا يوجد ما يمنع ذلك، والقرار في النهاية للدولتين.

لكن إذا انتقلنا إلى جذور الأزمة نفسها، هل بدأت بالفعل بسبب رغبة كوريا الشمالية في امتلاك القنبلة النووية؟

لا يمكن فهم الأزمة النووية الكورية بعيدًا عن جذورها التاريخية والأمنية، فالمسألة من وجهة نظري لم تبدأ بمجرد رغبة كوريا الشمالية في امتلاك قنبلة نووية، وإنما ترتبط بغياب الأمن في شبه الجزيرة الكورية وما شهدته المنطقة من صراعات وتهديدات وتحالفات عسكرية.

الحرب الكورية انتهت باتفاق هدنة وليس بمعاهدة سلام شاملة، وظلت شبه الجزيرة في حالة مواجهة سياسية وعسكرية ممتدة، ومن هنا بدأت كوريا الشمالية تنظر إلى بناء قدراتها العسكرية باعتباره ضرورة لحماية أمنها وسيادتها.

هل كان البرنامج النووي الكوري عسكريًا منذ البداية؟

لا، البرنامج النووي الكوري بدأ في الأصل لأغراض سلمية وإنتاج الطاقة، وبدأ خلال الستينيات بمساعدة الاتحاد السوفيتي، لكن تطورات البيئة السياسية والأمنية المحيطة بكوريا، إلى جانب انهيار المعسكر الاشتراكي وتصاعد الضغوط والعقوبات، دفعت الأمور تدريجيًا إلى اتجاه مختلف، ومن المهم هنا التفرقة بين بدايات البرنامج النووي وبين المراحل اللاحقة التي انتقل فيها إلى البعد العسكري.

ومتى بدأت الأزمة تأخذ شكل المواجهة النووية التي يعرفها العالم اليوم؟

مرت الأزمة بعدة مراحل، وكانت هناك مرحلة المفاوضات ومحاولات التوصل إلى تفاهمات بين كوريا الشمالية والولايات المتحدة، ومن أبرزها اتفاق عام 1994 الذي تضمن تجميد أجزاء من البرنامج النووي مقابل ترتيبات في مجال الطاقة.

لكن الاتفاق تعثر لاحقًا، ثم دخلت الأزمة مرحلة جديدة بين عامي 2003 و2006، حيث انسحبت كوريا الشمالية من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وفي عام 2006 أجرت أول تجربة نووية.

بعد ذلك جاءت مرحلة ما أسميه «المساومة من موقع قوة» بين عامي 2009 و2016، وشهدت سلسلة من التجارب النووية والصاروخية، وكان الهدف من وجهة النظر الكورية الوصول إلى قدرة ردع حقيقية تجبر الولايات المتحدة على الجلوس للتفاوض بندية أو عدم التفكير في الاعتداء على كوريا الشمالية.

ثم جاءت ذروة المواجهة عام 2017، مع تصاعد التجارب الصاروخية والنووية والتوتر بصورة غير مسبوقة بين واشنطن وبيونغ يانغ.

لكن كيف تحولت هذه المواجهة بعد ذلك إلى مفاوضات مباشرة بين كيم جونغ وون ودونالد ترامب؟

هذه واحدة من أهم نقاط التحول في الأزمة، فبعد وصول التوتر إلى مستويات شديدة الخطورة بدأ مسار سياسي مختلف انتهى إلى اللقاء بين الرئيس كيم جونغ وون والرئيس الأمريكي دونالد ترامب في سنغافورة عام 2018.

ومن وجهة نظري فإن وصول الطرفين إلى طاولة واحدة لم يكن منفصلًا عن تغير ميزان القوة، فبيونغ يانغ أرادت التفاوض من موقع مختلف عن المراحل السابقة، وأرادت إثبات أنها قادرة في الوقت نفسه على الدخول في مسار دبلوماسي، لكن هذا المسار لم يصل في النهاية إلى تسوية شاملة تنهي جذور الأزمة.

أشرت في كلامك عن أمريكا والأمم المتحدة وازدواجية المعايير، هل من مثال لذلك؟

بكل تأكيد المثال صارخ وهو الملف النووي للكيان الصهيوني، هل أصيبت الأمم المتحدة بالعمى والصمم؟! وهل تغافل المجتمع الدولي وخاصة الدول الأوروبية وأعضاء مجلس الأمن عن هذا الملف، ماذا نسميه؟!، كما أن ما أراه تواطؤًا للأمم المتحدة بضغط من أمريكا وإسرائيل على عدم التطرق إلى الملف النووي الإسرائيلي يمثل من وجهة نظري واحدًا من أخطر مظاهر ازدواجية المعايير في النظام الدولي.

فمنذ عقود تستخدم الولايات المتحدة نفوذها السياسي والاقتصادي داخل مجلس الأمن والوكالة الدولية للطاقة الذرية لمنع أي قرار ملزم يجبر إسرائيل على الانضمام إلى معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية أو إخضاع منشآتها للتفتيش الدولي، ورغم امتلاك إسرائيل لترسانة نووية تقدرها مراكز أبحاث غربية بما بين 80 و200 رأس نووي يتم إنتاجها في مفاعل ديمونة الذي أنشئ في الخمسينيات بمساعدة فرنسية، فإن الأمم المتحدة تتجنب حتى مجرد ذكر هذا الملف في تقاريرها السنوية عن نزع السلاح، بينما تُسلط كل الأضواء على دول أخرى مثل كوريا الشمالية وإيران.

المعلومات المؤكدة عن الملف النووي الإسرائيلي تشير إلى أن إسرائيل تنتهج سياسة «الغموض النووي»، فهي لا تنفي ولا تؤكد امتلاكها للسلاح النووي، وترفض الانضمام إلى معاهدة عدم الانتشار، وترفض تطبيق الضمانات الشاملة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وعلى سبيل المثال، مفاعل ديمونة في صحراء النقب هو المركز الرئيسي لإنتاج البلوتونيوم اللازم للأسلحة، إلى جانب منشآت أخرى في ناحال سوريك، وقد كشف مردخاي فعنونو، التقني الإسرائيلي السابق، في عام 1986 بالصور والوثائق تفاصيل البرنامج النووي العسكري، مما أكد للعالم أن إسرائيل هي القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط خارج أي رقابة دولية.

والغريب في الأمر والمخزي أنه يتوازى مع هذا التواطؤ الأممي تواطؤ الدول الأوروبية التي تغض الطرف بشكل ممنهج عن الملف النووي الإسرائيلي، وتوجه كل الأنظار إلى كوريا الشمالية وإيران، فبينما تفرض أوروبا عقوبات صارمة وحملات إعلامية وسياسية ضد البرنامج النووي الإيراني الخاضع لتفتيش الوكالة الدولية، وتصعد الخطاب ضد كوريا الشمالية، فإنها تلتزم الصمت المطبق تجاه الترسانة الإسرائيلية غير الخاضعة لأي تفتيش.

هذا الانحياز الأوروبي ليس حيادًا، بل هو مشاركة فعلية في حماية الاحتكار النووي الإسرائيلي، وتكريس لسياسة الكيل بمكيالين التي تقوض مصداقية القانون الدولي ومؤسساته.

إذن أنت ترى أن القضية تتجاوز الملف النووي إلى أزمة أكبر في النظام الدولي نفسه؟

دعني أقول لك، من المرجح أن نشهد خلال السنوات القادمة انهيار الأمم المتحدة بصيغتها الحالية، ليس فقط كمؤسسة بل كنظام دولي كامل بُني على موازين القوى بعد الحرب العالمية الثانية، وذلك لعدة أسباب.

هناك عجز متكرر عن وقف الحروب، وأعتقد أن العدوان على غزة خير شاهد، تنقل الحروب على الهواء مباشرة لتنافس مباريات كرة القدم في الدوريات العالمية، والأمم المتحدة تصفق مع الجماهير وتشجب وتستنكر.

وهناك ازدواجية المعايير في تطبيق القانون الدولي، أصبحت الأمم المتحدة عصًا تلوح بها أمريكا لكل من يعارض سياستها الاستيطانية.

كما أن هناك شللًا في مجلس الأمن بسبب الفيتو، وأصبحت أهواء القوى الخمس الكبرى تتحكم في مصير العالم.

كلها عوامل تنزع عنها ما تبقى من شرعية، ومع صعود قوى جديدة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية، وتآكل الهيمنة الغربية المطلقة، سيصبح بقاء هذا النظام بشكله الحالي مستحيلًا، والانهيار لن يكون مفاجئًا بل تدريجيًا، سيبدأ بفقدان الثقة ثم المقاطعة ثم إنشاء أطر بديلة، ليحل محله في النهاية نظام دولي جديد أكثر تعددية، يعيد توزيع مراكز القرار والنفوذ بعيدًا عن احتكار القوى المنتصرة في الحرب العالمية الثانية عام 1945.

بعد كل هذه المراحل، كيف تلخص الأزمة النووية الكورية؟

الخلاصة أن الأزمة من وجهة نظري لم تبدأ بسبب رغبة كوريا في امتلاك القنبلة النووية، بل بدأت بسبب غياب الأمن في شبه الجزيرة الكورية، فأمريكا هي من تفتعل المشاكل عبر مناوراتها العسكرية المشتركة مع كوريا الجنوبية، ثم انضمت لهما بعد ذلك اليابان، وتهديدها النووي الدائم وتحريك حاملات الطائرات الأمريكية إلى مياه شبه الجزيرة والتلويح بالحرب وتغيير نظام الحكم بالقوة.

ولذلك أصبح امتلاك كوريا الديمقراطية للسلاح النووي من وجهة نظر بيونغ يانغ لم يعد خيارًا، بل أصبح ضمانة أكيدة لردع أمريكا ومنعها من مجرد التفكير في إشعال فتيل الحرب في المنطقة، لأن الكلفة ستكون فادحة عليها وعلى حلفائها.

أشرت إلى المناورات العسكرية التي تجريها الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية واليابان، فما موقف كوريا الشمالية من تلك المناورات وكيف تواجهها؟

هذا ما نكشفه في الحلقة الثالثة من حوار «يونيو نيوز» مع الدكتور يحيى خيرالله.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>
دكتور يونيو - انضم لأكبر محرك بحث طبي عربي دوت ميديا - طور موقعك مجانًا