رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
الصورة الكاملة

بعد الجدل بين المحامين.. «العدل» تكشف حقيقة الأنظمة الرقمية الجديدة ورسوم التقاضي عن بُعد

جاهز للاستماع

حالة من الجدل شهدها الوسط القانوني خلال الأيام الماضية بالتزامن مع إعلان وزارة العدل إطلاق منظومة رقمية جديدة لخدمات المحامين، وما صاحبها من تساؤلات حول طبيعة الخدمات الجديدة ورسومها، وما إذا كان التعامل من خلالها سيصبح إلزاميًا، خاصة مع اقتراب بدء تطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد في الأول من أكتوبر 2026.

وفي محاولة لحسم الجدل وتوضيح الصورة، كشف المستشار وديع حنا، عضو المكتب الفني لوزير العدل، خلال مداخلة ببرنامج «الحكاية» مع الإعلامي عمرو أديب، تفاصيل الأنظمة الرقمية الجديدة المخصصة للمحامين، موضحًا فلسفة التحول الرقمي الذي تنفذه الوزارة وآليات الاستفادة من الخدمات المستحدثة.

منصة جديدة قبل تطبيق قانون الإجراءات الجنائية

تأتي المنظومة الجديدة ضمن استعدادات وزارة العدل لتطبيق قانون الإجراءات الجنائية الجديد، إذ أعلنت الوزارة إطلاق «منصة خدمات المحامين» عبر بوابتها الإلكترونية وفتح التسجيل عليها، تمهيدًا للتفعيل الكامل لحزمة خدمات التقاضي الجنائي عن بُعد اعتبارًا من الأول من أكتوبر.

وتستهدف المنصة إتاحة مجموعة من الإجراءات التي كان بعضها يتطلب انتقال المحامي إلى مقر المحكمة، بحيث يمكن تنفيذها إلكترونيًا، في إطار خطة أوسع لرقمنة منظومة العدالة وتقليل الوقت والجهد المرتبطين بالإجراءات التقليدية.

هل أصبح حضور المحامي أمام المحكمة إلكترونيًا إجباريًا؟

أبرز المخاوف التي صاحبت الإعلان تمثلت في الاعتقاد بأن المنظومة الجديدة ستجبر المحامين على حضور الجلسات إلكترونيًا بدلًا من المثول أمام المحاكم.

لكن وزارة العدل حسمت هذه النقطة بالتأكيد أن الاعتماد على الخدمات الرقمية الجديدة اختياري وليس إلزاميًا، وأن إتاحة الحضور عن بُعد لا تلغي حق المحامي في الحضور بشخصه أمام المحكمة.

وبالتالي فإن النظام الجديد يضيف وسيلة أخرى أمام المحامي ولا يستبدل بصورة إجبارية الطريقة التقليدية للتقاضي.

500 جنيه لحضور جلسة الجنايات عن بُعد

ومن أكثر النقاط التي أثارت نقاشًا بين المحامين قيمة الرسوم المرتبطة ببعض الخدمات.

وبحسب التفاصيل المعلنة، تبلغ تكلفة خدمة حضور جلسة محكمة جنايات أول درجة عن بُعد 500 جنيه، بينما تبلغ تكلفة حضور جلسة تجديد الحبس عن بُعد 100 جنيه.

وفي المقابل، تتيح المنظومة خدمة الاستعلام عن تاريخ الجلسة مجانًا، إلى جانب إمكانية الحصول على صور من ملفات الدعاوى ومحاضر الجلسات والمرفقات وفق الإجراءات والرسوم المقررة لكل خدمة.

لماذا يدفع المحامي مقابل الحضور عن بُعد؟

الفكرة التي تقوم عليها الخدمة، وفق ما أعلنته وزارة العدل، هي توفير خيار إضافي للمحامي عندما يكون الانتقال إلى مقر المحكمة أكثر صعوبة أو تكلفة.

فالمحامي الذي توجد جلسة قضيته في محافظة بعيدة سيكون أمامه الاختيار بين الانتقال إلى مقر المحكمة والحضور بالطريقة المعتادة، أو استخدام خدمة الحضور الإلكتروني وسداد المقابل المقرر لها.

وبهذا المنطق، تؤكد الوزارة أن الرسوم ليست مقابلًا لحق المحامي في ممارسة عمله أو دخول المحكمة، وإنما مرتبطة باختيار خدمة إلكترونية إضافية توفرها المنظومة.

ماذا يستطيع المحامي أن يفعل من خلال المنصة؟

تتيح منصة المحامين عددًا من الخدمات الرئيسية، في مقدمتها حضور جلسات محاكم جنايات أول درجة عن بُعد، ومتابعة القرارات التي تصدرها المحكمة والحصول على تحديثات بشأنها، وطلب أوراق الدعوى ومحاضر الجلسات والمرفقات إلكترونيًا.

كما تتيح إخطار المحامي بقرارات وأحكام محاكم الجنايات فور صدورها من خلال رسائل نصية قصيرة على الهاتف المحمول، بما يقلل الحاجة إلى التردد على المحكمة لمجرد معرفة ما تم في الجلسة.

التسجيل والتحقق والدفع إلكترونيًا

وضعت وزارة العدل خطوات محددة لاستخدام المنظومة تبدأ بإنشاء المحامي حسابًا على المنصة ورفع صورة كارنيه المحاماة، ثم التحقق من رقم الهاتف من خلال رمز تأكيد.

بعد ذلك يستطيع المحامي اختيار الخدمة المطلوبة، وفي حالة الخدمات المدفوعة يتم سداد المقابل إلكترونيًا ومتابعة الطلب من خلال المنصة.

وكانت المنصة قد بدأت السماح بإنشاء حسابات المحامين منذ الأول من سبتمبر، على أن يبدأ تفعيل الخدمات نفسها اعتبارًا من الأول من أكتوبر بالتزامن مع دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ.

ماذا عن ملفات القضايا ومحاضر الجلسات؟

لا تتوقف الرقمنة عند الحضور الإلكتروني للجلسات، إذ تسمح المنظومة بطلب أوراق الدعوى ومحاضر الجلسات والمرفقات إلكترونيًا.

وتمثل هذه الخدمة تحولًا مهمًا في طبيعة تعامل المحامي مع ملف القضية، إذ تستهدف تقليل الإجراءات الورقية والانتقال المتكرر إلى مقار المحاكم للحصول على المستندات، مع الإبقاء على الضوابط القانونية المنظمة للاطلاع والحصول على الصور.

ربط إلكتروني مشفر داخل المحاكم

التحول الجديد لا يقتصر على إنشاء موقع إلكتروني لتقديم الطلبات، إذ أعلنت وزارة العدل تجهيز منظومة تقنية تسمح بالربط الإلكتروني المشفر والمؤمن لاستخدامها في إجراءات التقاضي عن بُعد.

وتشمل المنظومة إمكان حضور الشهود ومناقشة الخبراء والأطباء الشرعيين عن بُعد باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، إلى جانب استخدام تقنيات تحويل الصوت إلى نص للمساعدة في ميكنة وتدوين وقائع الجلسات.

تدريب القضاة والمحامين وأمناء السر

وبالتوازي مع إنشاء البنية الرقمية، بدأت وزارة العدل برنامجًا لتدريب العناصر التي ستتعامل مع النظام الجديد.

وأعلنت الوزارة الانتهاء من تدريب قضاة محاكم الجنايات وأمناء سر الجلسات والمحامين في نطاق محاكم استئناف القاهرة والإسكندرية وطنطا وأسيوط، مع استمرار التدريب في عدد من دوائر الاستئناف الأخرى تمهيدًا للتشغيل الكامل.

وتشير الوزارة إلى أن مشاركة المحامين في التدريب على النظام سبقت إطلاق المنصة، وأن إتاحة بعض الخدمات جاءت أيضًا في ضوء طلبات ومناقشات مع ممثلي نقابة المحامين.

القانون الجديد يفتح الباب للتقاضي عن بُعد

المنظومة ترتبط بما أتاحه قانون الإجراءات الجنائية الجديد من استخدام وسائل وتقنيات الاتصال الحديثة في بعض إجراءات التحقيق والمحاكمة عن بُعد.

وبحسب ما أعلنته وزارة العدل بشأن الإطار القانوني للخدمة، تتيح المادة 531 اتخاذ كل أو بعض إجراءات التحقيق أو المحاكمة عن بُعد باستخدام تقنيات الاتصال الحديثة وفق الضوابط القانونية المنظمة لذلك.

ومن هنا تستعد الوزارة لبدء التشغيل الفعلي للمنظومة بالتزامن مع دخول القانون حيز التنفيذ في أكتوبر.

التحول الرقمي لا يلغي المحكمة التقليدية

الرسالة الرئيسية التي حرصت وزارة العدل على توضيحها بعد الجدل هي أن إطلاق المنصة لا يعني إغلاق أبواب المحاكم أمام المحامين أو إجبارهم على التقاضي من خلف شاشات الكمبيوتر.

فالخدمات الإلكترونية، وفق المعلن حتى الآن، تمثل مسارًا اختياريًا إضافيًا، بينما يستمر النظام التقليدي لمن يريد الحضور المباشر واتخاذ الإجراءات بالطريقة المعتادة.

وهنا يصبح جوهر المشروع هو إعطاء المحامي أكثر من وسيلة لإنجاز عمله، وليس استبدال وسيلة بأخرى بصورة إجبارية.

بين التيسير ومخاوف التكلفة

ورغم المزايا التي تطرحها الوزارة، فإن النقاش داخل الوسط القانوني لا يتوقف عند فكرة الرقمنة نفسها، بل يمتد إلى تكلفة الخدمات وآليات تطبيقها وضمان عدم تحولها مستقبلًا إلى أعباء إضافية على المحامين والمتقاضين.

ويظل التطبيق العملي بعد الأول من أكتوبر الاختبار الحقيقي للمنظومة، خاصة فيما يتعلق بسهولة استخدامها واستقرار البنية التقنية وسرعة الحصول على المستندات، فضلًا عن الحفاظ على سرية بيانات القضايا وضمان حقوق الدفاع.

أكتوبر.. الاختبار الحقيقي

ما يجري يمثل واحدة من أكبر خطوات التحول الرقمي في إجراءات التقاضي الجنائي خلال الفترة الأخيرة، لكنه في الوقت نفسه يضع وزارة العدل أمام اختبار عملي يبدأ مع دخول قانون الإجراءات الجنائية الجديد حيز التنفيذ.

فالنجاح لن يتوقف على إتاحة الحضور عن بُعد أو دفع الرسوم إلكترونيًا فقط، وإنما على قدرة النظام الجديد على تحقيق معادلة أكثر تعقيدًا: تسهيل عمل المحامي وتسريع إجراءات العدالة، مع الحفاظ الكامل على ضمانات الدفاع والمحاكمة المنصفة وعدم تحميل المتقاضين أعباء غير ضرورية.

وبين الجدل الذي سبق إطلاق المنصة والتوضيحات التي قدمتها وزارة العدل، تبقى الأيام الأولى من التشغيل الفعلي هي الفيصل في تقييم التجربة، وما إذا كانت الرقمنة ستتحول بالفعل إلى أداة لتيسير العدالة أم ستكشف الممارسة عن نقاط تحتاج إلى مراجعة وتطوير.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>
دكتور يونيو - انضم لأكبر محرك بحث طبي عربي دوت ميديا - طور موقعك مجانًا