د. أحمد السيد يكتب: هل يمكن تعليم القيادة؟

السؤال عن إمكانية تعليم القيادة يشبه أحيانًا السؤال عن إمكانية تعليم الكتابة. هناك أشخاص يملكون استعدادًا طبيعيًا أكبر، لكن الاستعداد وحده لا يصنع محترفًا. وفي المقابل، التدريب لا يحول كل شخص إلى قائد استثنائي. الحقيقة تقع بين الطرفين: جزء كبير من القيادة يمكن تعلمه، لكن التعلم يحتاج إلى استعداد وممارسة ووعي بالذات.
من يختصر القيادة في الكاريزما سيعتقد أنها موهبة فطرية. لكن القيادة اليومية داخل المؤسسات تتكون من مهارات كثيرة قابلة للتطوير: الاستماع، توضيح التوقعات، التفويض، تقديم التغذية الراجعة، إدارة الخلاف، اتخاذ القرار، ترتيب الأولويات، والتواصل تحت الضغط.
هذه المهارات يمكن تعليم أدواتها، لكن امتلاك الأداة ليس هو استخدامها. يمكنك أن تعلم مديرًا نموذجًا ممتازًا للتغذية الراجعة، ثم تراه يتجنبه لأنه يخاف المواجهة. هنا يحتاج التعلم إلى الانتقال من المعرفة إلى السلوك، وهذا يتطلب ممارسة ومراجعة.
الوعي بالذات هو أكثر الأجزاء صعوبة. قائد لا يدرك أنه يقاطع الناس باستمرار لن يبحث عن تغيير ذلك. ومن يفسر خوف الموظفين على أنه احترام قد لا يرى مشكلة أصلًا. لهذا تأتي أهمية الملاحظات الصادقة، والتوجيه، وتقييمات متعددة المصادر عندما تُستخدم بنضج.
القيادة تُتعلم كذلك من الخبرة، لكن ليس كل خبرة تعلم. يمكن لشخص أن يدير عشر سنوات ويكرر الأخطاء نفسها إذا لم يتوقف ليراجعها. الخبرة تصبح تعلمًا عندما يسأل: ماذا حدث؟ ماذا فعلت؟ ما الأثر؟ وما الذي سأغيره في المرة المقبلة؟
بعض المواقف لا يمكن محاكاتها بالكامل في قاعة تدريب. أول مرة تضطر فيها إلى إبلاغ موظف جيد أن دوره سيتغير، أو اتخاذ قرار في أزمة بمعلومات ناقصة، ستختبر جانبًا لا تمنحه الكتب. لكن الاستعداد النظري يساعدك على التعامل مع التجربة بوعي أكبر.
هناك سمات شخصية تساعد: قدر من الاتزان، الاستعداد لتحمل المسؤولية، الفضول تجاه الناس، والقدرة على التعلم. لكن حتى هذه السمات ليست ثابتة تمامًا. الشخص الهادئ قد يتعلم الحزم، والخجول قد يتعلم تقديم رؤية واضحة، وصاحب الخبرة الفنية قد يتعلم ترك التفاصيل.
المؤسسات تخطئ عندما تنتظر «القائد بالفطرة» بدل أن تبني بيئة تصنع القيادات. إذا لم يحصل الموظفون على فرص لاتخاذ قرارات، فلن نعرف من يستطيع القيادة. وإذا كان الخطأ يعاقب بقسوة، سيتعلم الجميع تجنب المسؤولية.
كما أن التعليم لا يجب أن يقتصر على المديرين الحاليين. يمكن تنمية السلوك القيادي قبل المنصب: قيادة مشروع، مساعدة زملاء، امتلاك مشكلة، أو التأثير دون سلطة رسمية. هذه التجارب تكشف وتطور الإمكانات مبكرًا.
هل يمكن تعليم القيادة؟ نعم، بدرجة كبيرة، إذا كنا نقصد بناء مهارات وسلوك وحكم أفضل. لكن لا يمكن تعليمها مثل مادة نحفظها ثم نجتاز امتحانها. القيادة تحتاج إلى احتكاك بالواقع وإلى ملاحظات لا تكون دائمًا مريحة.
أفضل برنامج قيادة ليس الذي يجعل المشاركين يتحدثون عن القيادة بل الذي يجعلهم يتصرفون بشكل مختلف عندما يعودون إلى فرقهم. في النهاية، لا يهم كم مفهومًا يعرف المدير؛ المهم ماذا يفعل عندما يكون القرار صعبًا والوقت ضيقًا والناس تنظر إليه لتعرف كيف ستتصرف.