رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

منى شطا تكتب: العقاب للبعيد والمكافأة للقريب

في بعض أماكن العمل لا تحتاج إلى قراءة اللائحة كي تعرف من سيُحاسب ومن سيُكافأ. يكفي أن تعرف من يقف قريبًا من المدير، ومن يقف بعيدًا عنه. الخطأ نفسه قد يتحول عند موظف إلى إنذار وتحقيق، وعند آخر إلى «سوء تفاهم» ينتهي بابتسامة. والإنجاز نفسه قد يمر بلا كلمة تقدير إذا جاء من الشخص الخطأ، بينما يُحتفى بعمل عادي لأنه خرج من الدائرة المقربة.

المشكلة هنا ليست في المكافأة ولا في العقاب، بل في غياب المعيار. الموظف يستطيع أن يتقبل قرارًا قاسيًا إذا كان واضحًا وعادلًا وينطبق على الجميع. لكنه يبدأ في فقدان ثقته حين يكتشف أن القاعدة تتغير وفق الاسم والعلاقة والمكانة. عندها لا يعود السؤال: ماذا فعلت؟ بل: من أنت بالنسبة لمن يملك القرار؟

المؤسسة التي تعاقب البعيد وتسامح القريب ترسل رسالة أخطر من أي منشور إداري: العلاقات أهم من الأداء. وهذه الرسالة يتعلمها الموظفون بسرعة. المجتهد يبدأ في التساؤل عن جدوى اجتهاده، والمتوسط يبحث عن باب يقوده إلى دائرة النفوذ، والذكي يكتشف أن الطاقة التي يصرفها في بناء العلاقة قد تكون أكثر ربحًا من الطاقة التي يصرفها في تحسين عمله.

بمرور الوقت يتغير سلوك الفريق. الناس لا تصبح أقل كفاءة فجأة، لكنها تتكيف مع النظام الذي أمامها. إذا كانت المكافأة مرتبطة بالقرب، فسيتنافس البعض على القرب. وإذا كان العقاب يطال من لا سند له فقط، فسيتعلم الجميع أن الحماية الشخصية أهم من الجودة المهنية. وهكذا تخلق الإدارة بنفسها البيئة التي تشتكي منها لاحقًا.

والأخطر أن المدير قد لا يرى نفسه ظالمًا. ربما يقول إنه يعرف المقربين منه جيدًا ويثق في نواياهم، بينما لا يمنح الآخرين المساحة نفسها. هنا تعمل المحاباة أحيانًا في صورة «ثقة شخصية» تبدو بريئة. لكن المؤسسة لا تُدار بالنوايا، بل بالقواعد التي يمكن شرحها للناس من دون إحراج.

العدالة لا تعني مساواة الجميع في النتائج، بل مساواتهم في المعيار. من أخطأ يتحمل نتيجة خطئه، ومن أنجز يستحق التقدير، سواء كان قريبًا من المدير أو بعيدًا عنه. هذا الوضوح يحمي المدير نفسه؛ لأنه يقلل الاتهامات ويجعل قراراته قابلة للفهم حتى عندما تكون غير مريحة.

هناك موظفون لا يريدون امتيازًا، يريدون فقط ألا يُعاقبوا لأنهم خارج الدائرة. لا يريدون أن يُحبهم المدير، بل أن يثقوا أن تقييمه لهم لن يتغير إذا اختلفوا معه أو لم يجلسوا في مكتبه كل صباح.

أرى أن أي مدير يريد فريقًا محترمًا يجب أن يسأل نفسه قبل كل مكافأة وعقوبة: لو كان الاسم مختلفًا، هل كنت سأتخذ القرار نفسه؟ إذا ترددت الإجابة، فالمشكلة ليست في الموظفين.

العمل العادل لا يحتاج إلى شعارات كبيرة. يحتاج إلى قاعدة واحدة لا تتبدل حين يتبدل الشخص. حينها فقط يعرف الموظف أن مستقبله في المؤسسة يُبنى بما يقدمه، لا بمن يعرفه.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>