رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

د. أحمد السيد يكتب: الموظف الموهوب لا يصلح دائمًا للإدارة

تبدو الترقية الإدارية مكافأة منطقية للموظف الموهوب. هو الأسرع، والأكثر معرفة، والأكثر قدرة على حل المشكلات، فلماذا لا نجعله مديرًا؟ لأن السؤال الحقيقي ليس هل هو ممتاز في وظيفته الحالية، بل هل يريد ويستطيع النجاح في وظيفة مختلفة تمامًا.

الموهبة الفنية تركز غالبًا على إنتاج الشخص نفسه. الإدارة تركز على إنتاج الآخرين. الخبير قد يشعر بالرضا عندما يحل مشكلة معقدة بيده، بينما المدير يحتاج أحيانًا إلى ترك موظف آخر يحاول ويخطئ ويتعلم. هذا قد يكون صعبًا على شخص اعتاد أن تكون قيمته في أنه يعرف الحل الأسرع.

كما أن إدارة الناس تتطلب صبرًا من نوع مختلف. ليس كل موظف يتعلم بسرعة الموهوب نفسه، وليس الجميع يفهمون التلميح. المدير يحتاج إلى شرح وتكرار ومتابعة، وإلى التعامل مع دوافع وشخصيات مختلفة. من يستمتع بالتحدي الفني قد لا يستمتع بهذه التفاصيل البشرية.

بعض المواهب تقبل الإدارة بسبب الرسالة التي ترسلها الشركة: إما أن تصبح مديرًا أو ستظل في مكانك. هنا نصنع مشكلة بأنفسنا. الشخص يريد زيادة في الدخل والتقدير، فيقبل مسارًا لا يناسبه. بعد أشهر يقل الوقت الذي يقضيه في المجال الذي يحبه، ويزداد الوقت في الاجتماعات والتقييمات والخلافات، فيفقد حماسه.

الحل هو وجود مسار خبير موازٍ. يجب أن يستطيع الشخص المتخصص أن يتقدم في الراتب والمكانة والتأثير من دون أن يصبح مسؤولًا عن فريق. بعض المؤسسات تحتاج إلى خبراء كبار بقدر حاجتها إلى مديرين كبار. ليس كل نمو مهني يجب أن يكون رأسيًا في السلم الإداري.

قبل الترقية، من المفيد اختبار الدافع. هل يحب الشخص تطوير الآخرين؟ هل يستطيع التفويض؟ كيف يتعامل مع الخلاف؟ هل يقبل أن يكون نجاحه أقل ظهورًا لأن الفريق هو الذي سيحصل على الضوء؟ هذه أسئلة تختلف عن تقييم أدائه الحالي.

ويمكن إعطاؤه تجارب صغيرة قبل القرار: قيادة مشروع، توجيه موظف جديد، إدارة مهمة مشتركة. هذه المواقف تكشف استعدادًا لا يظهر في تقارير الأداء.

هناك أيضًا مواهب تملك قابلية ممتازة للإدارة لكنها تحتاج إلى تدريب. عدم الجاهزية اليوم لا يعني عدم الصلاحية دائمًا. الفرق بين القدرة والدافع مهم. شخص يريد الإدارة لكنه يحتاج إلى أدوات يمكن تطويره، أما شخص لا يريدها أصلًا فقد يكون من الظلم دفعه إليها.

ومن الخطأ النظر إلى رفض الإدارة كقلة طموح. قد يكون اختيارًا مهنيًا ناضجًا. الطبيب المتميز لا يحتاج إلى إدارة مستشفى ليكون ناجحًا، والمهندس الخبير لا يحتاج إلى فريق كبير حتى تكون له قيمة. المؤسسات التي تحترم التخصص تحافظ على مواهبها بدل دفعها إلى أدوار لا تناسبها.

إذا رقينا كل موهوب إلى الإدارة تلقائيًا، سنخسر أحيانًا أفضل من ينفذ العمل ونكسب مديرًا متوسطًا. هذا ثمن كبير لسياسة ترقية تبدو عادلة على الورق.

القرار الصحيح يبدأ من فصل سؤالين: هل يستحق الموظف التقدم؟ وهل الإدارة هي الشكل المناسب لهذا التقدم؟ قد تكون الإجابة نعم للأول ولا للثاني. وعندها تكون مسؤولية المؤسسة أن تجد له طريقًا يحافظ على موهبته ويمنحه التقدير الذي يستحقه دون أن تجعله يدفع ثمن نجاحه في وظيفة لا يريدها.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>