رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

منى شطا تكتب: لماذا تشتاق لمن أذاك؟

أحيانًا يكون أكثر ما يربك الإنسان أنه يشتاق إلى شخص يعرف جيدًا أنه آذاه. يتذكر الإهانة، الخذلان، التجاهل، وربما الخوف الذي عاشه، ومع ذلك ينتظر رسالة، يفتح الصور القديمة، ويتخيل لو عاد كل شيء كما كان. فيسأل نفسه باستغراب: كيف أشتاق لمن كسرني؟

لأن الذاكرة لا تحفظ العلاقات كملف منطقي. لا نشتاق إلى الأذى نفسه، بل إلى لحظات أخرى كانت موجودة بجواره: اهتمام في البداية، أمان مؤقت، كلمة حلوة، شعور بأننا مرغوبون، أو حلم بالمستقبل لم يتحقق. عندما تنتهي العلاقة، قد يختفي الألم الحاضر وتبقى اللقطات الجميلة أكثر لمعانًا.

وفي العلاقات المتقلبة تحديدًا، يصبح التعلق أكثر تعقيدًا. شخص يؤذي ثم يعتذر، يبتعد ثم يعود، يقسو ثم يمنح جرعة كبيرة من الحب. هذا التذبذب يجعل المشاعر غير مستقرة، ويجعل الطرف الآخر يظل منتظرًا عودة النسخة الحنونة التي عرفها في البداية.

أحيانًا لا يكون الاشتياق للشخص، بل للنسخة التي كنا عليها معه. ربما كنت تشعر أنك أكثر جمالًا أو حيوية أو جرأة، فتظن أنك تشتاق إليه بينما تشتاق إلى نفسك في تلك المرحلة.

وهناك أيضًا ألم النهاية غير المكتملة. عندما لا نفهم لماذا حدث ما حدث، أو لم نحصل على اعتذار، أو انتهت العلاقة فجأة، يظل العقل يبحث عن إغلاق. فيبدو الرجوع كأنه فرصة لفهم الماضي، بينما قد يكون في الحقيقة إعادة فتح الجرح.

المجتمع يزيد الأمر صعوبة حين يقول: «لو كان أذاك فعلًا لما اشتقت إليه». هذه الجملة ظالمة. المشاعر لا تتبع قراراتنا الأخلاقية. يمكنك أن تعرف أن شخصًا غير مناسب وأن تحبه في الوقت نفسه. النضج ليس أن تمنع الحب بأمر، بل أن تمنع الحب من قيادةك إلى مكان تعرف أنه يؤذيك.

يجب أيضًا التفرقة بين علاقة حدث فيها خطأ وتم إصلاحه، وعلاقة يقوم نمطها الأساسي على الأذى. البشر يخطئون، والندم والتغيير ممكنان. لكن العودة لا يجب أن تعتمد على كلام جميل فقط. السؤال: ما الذي تغير فعليًا؟ هل تحمل الشخص مسؤوليته؟ هل توقف السلوك؟ هل ظهرت حدود جديدة؟

إذا لم يتغير شيء، فالاشتياق ليس دليلًا على أن العودة صحيحة. الجوع لا يعني أن كل طعام أمامك مناسب لك.

وفي بعض الحالات، خصوصًا إذا كانت العلاقة مؤذية بشدة أو قائمة على سيطرة وخوف، قد يكون الابتعاد مع دعم نفسي أو اجتماعي مهمًا. لا يحتاج الإنسان إلى إثبات قوته بأن يمر بكل شيء وحده.

أنا لا أخاف من الاشتياق. أخاف من تفسيره خطأ. الشعور سيأتي ويذهب، وقد يبقى وقتًا أطول مما نحب. لكن وجوده لا يلزمك بالاتصال ولا بالرجوع.

قد تشتاق لمن أذاك لأنك إنسان، ولأن القلب يحتفظ بما كان جميلًا حتى داخل قصص مؤلمة. لكنك تستطيع أن تشتاق من بعيد، وأن تحزن، وأن تكمل. أحيانًا يكون أكبر حب تقدمه لنفسك أن تسمح للحنين بالمرور من دون أن تسمح له بإعادتك إلى المكان نفسه.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>