«جمعيات خيرية تحمل لافتة حزبية».. أين ذهبت السياسة من المشهد الحزبي؟

ليس عيبًا أن ينزل الحزب إلى الشارع ولا أن يطرق أبواب القرى والنجوع أو يمد يده إلى أسرة محتاجة أو ينظم قافلة طبية أو يشارك في مشروع تنموي يخفف عن الناس أعباء الحياة لكن الأزمة تبدأ حين تصبح هذه الأنشطة هي الحزب كله وحين تختفي السياسة ويتراجع البرنامج وتغيب المواقف بينما تتصدر القوافل والمساعدات والصور المشهد العام.
عندها يصبح السؤال مشروعًا هل نحن أمام حزب سياسي يمارس دورًا مجتمعيًا أم أمام مؤسسة خيرية تحمل لافتة حزبية فالحزب لم يُنشأ لينافس الجمعيات الأهلية في عدد البطاطين أو كراتين المواد الغذائية ولا ليقيس حضوره بعدد المعارض والمبادرات مهما كانت لهذه الأنشطة قيمة إنسانية واجتماعية.
الحزب وُجد ليصنع سياسة ويمتلك رؤية ويطرح بديلًا ويتبنى قضية ويكوّن كوادر ويستمع إلى المواطن ثم يحمل صوته إلى المجال العام ودوره أن يناقش أسباب ارتفاع الأسعار لا أن يكتفي بتوزيع الغذاء بعد ارتفاعها وأن يبحث في إصلاح المنظومة الصحية لا أن يعتبر القافلة الطبية نهاية مهمته وأن يقدم سياسات للتشغيل والاستثمار لا أن يكتفي بملتقى توظيف عابر.
وهنا يكمن الفارق الحقيقي بين العمل الخيري والعمل السياسي فالأول يخفف ألم اللحظة أما الثاني فيبحث عن أصل الألم وسبل منعه من التكرار ويمكن للحزب أن يساعد أسرة على تجاوز أزمة لكن مهمته الأعمق أن يناقش السياسات التي جعلت هذه الأسرة عاجزة عن مواجهة الأزمة من الأساس.
المجتمع لديه مؤسسات للعمل الخيري وجمعيات أهلية وكيانات تطوعية لكن السؤال هو من يقوم بوظيفة الحزب إذا تخلى الحزب عنها ومن يصنع الكوادر السياسية ومن يفتح النقاش حول السياسات العامة ومن يقدم البدائل ومن يحول شكوى المواطن إلى برنامج واقتراح وموقف.
الحزب الحقيقي لا يريد مواطنًا ينتظر منه كرتونة بل مواطنًا يعرف حقوقه ويفهم قضاياه ويناقش السياسات ويحاسب الحزب نفسه على ما وعد به وما أنجزه وهنا يظهر الفارق بين صناعة الوعي وصناعة الامتنان فالعمل الخيري قد يصنع امتنانًا مؤقتًا أما السياسة الجادة فتصنع مواطنًا مشاركًا وواعيًا.
صورة توزيع المساعدات يمكن التقاطها في دقائق لكن بناء كادر سياسي يحتاج سنوات والقافلة تنتهي في ساعات أما صياغة برنامج اقتصادي جاد فتحتاج خبرة ودراسة ونقاشًا ومواقف ولذلك قد يبدو العمل الخدمي أسرع تأثيرًا وأكثر بريقًا لكنه لا يمكن أن يكون بديلًا عن المهمة الأصعب التي من أجلها تأسست الأحزاب.
المشكلة ليست في العمل المجتمعي نفسه بل في أن يتحول إلى نهاية الطريق فالنزول إلى الشارع يجب أن يكون وسيلة لفهم الناس لا مجرد مناسبة للظهور والقافلة الطبية تكشف مشكلات الصحة والاحتكاك بالمزارعين يكشف أزمات الإنتاج والتواصل مع الشباب يكشف مشكلات التشغيل والتعليم لكن بعد اكتشاف المشكلة يجب أن تبدأ السياسة.
هنا يعود الحزب بما سمعه ورآه إلى لجانه وخبرائه فيحول الشكوى إلى ورقة سياسة والمشكلة إلى مقترح والاحتياج إلى برنامج والخبرة الميدانية إلى موقف وعندها فقط يصبح العمل التنموي وقودًا للسياسة لا بديلًا عنها.
الأخطر أن تتشابه الأحزاب إلى درجة يعجز معها المواطن عن معرفة الفارق بينها وما فكرة هذا الحزب وما مشروعه وما موقفه من الاقتصاد والتعليم والصحة والصناعة والاستثمار وإذا كانت الإجابة أن الجميع ينظم القوافل ويوزع المساعدات ويقيم المعارض فأين السياسة التي من أجلها وُجدت الأحزاب.
الأحزاب لا تقوى بكثرة اللافتات ولا تصبح أكثر حضورًا لأن اسمها مطبوع على آلاف الكراتين فالقوة السياسية تبنى بالفكرة والتنظيم والبرنامج والكوادر والموقف والثقة والقدرة على التعبير عن المواطنين وتحويل مطالبهم إلى سياسات قابلة للتنفيذ.
والحياة السياسية لا تحتاج إلى أحزاب صامتة تغطي غيابها بالنشاط الخدمي بل إلى أحزاب تتحدث حين يجب الحديث وتناقش حين يجب النقاش وتقدم البدائل حين تظهر الأزمات وتساند ما تراه صحيحًا بحجج واضحة وتنتقد ما يحتاج إلى مراجعة بأدوات سياسية مسؤولة.
فالحزب ليس جمعية خيرية ولا شركة علاقات عامة ولا موسمًا انتخابيًا يفتح أبوابه عند الحاجة ثم يعود إلى الصمت والحزب مؤسسة سياسية وحين يتنازل عن السياسة فإنه لا يترك فراغًا داخل مقره فقط بل يترك فراغًا في المجتمع كله.
والفراغ السياسي لا يبقى طويلًا فالناس ستبحث دائمًا عمن يسمعها والغضب سيبحث عمن يترجمه والطموحات ستبحث عمن يمثلها والأسئلة ستبحث عمن يجيب عنها وإذا لم تجد هذه المساحات أحزابًا قادرة على استيعابها داخل إطار سياسي منظم فسوف تبحث عن طرق أخرى للتعبير.
الدول تحتاج إلى العمل الخيري والتنموي لكنها تحتاج كذلك إلى أحزاب حقيقية تعرف وظيفتها ولا تهرب منها وأحزاب تكون مدرسة للوعي لا مخزنًا للمساعدات ومنصة للأفكار لا منصة للصور ومصنعًا للكوادر لا موسمًا للفعاليات.
فاليد التي تقدم المساعدة تستحق التقدير لكن الحزب يحتاج أيضًا إلى عقل يفكر وبرنامج يقنع وموقف يُعرف وكادر يتحرك وصوت يُسمع ومشروع يستطيع المواطن أن يفهم من خلاله لماذا يوجد هذا الحزب وما الذي يميزه عن غيره.
أما حين تصبح الكرتونة أعلى صوتًا من البرنامج والقافلة أشهر من الموقف والصورة أهم من الفكرة والخدمة بديلًا عن السياسة يصبح السؤال الأكثر قسوة حتميًا هل اختار الحزب أن يقوم بدور الجمعية الخيرية ومن بقي ليقوم بدور الحزب.