«من رجال النصر إلى أبنائنا.. أكتوبر ليست حربًا مضت بل درسٌ باقٍ للأجيال»

تخيل أن تجلس أمام ابنك ذات مساء وتسأله عن السادس من أكتوبر، فتجده يعرف أن هناك حربًا انتصر فيها الجيش المصري، لكنه لا يعرف لماذا حارب المصريون، ولا ماذا دفعوا، ولا كيف استطاع جيل كامل أن يحول الهزيمة إلى انتصار، ولا لماذا ما زالت أسماء رجال رحلوا منذ أكثر من نصف قرن حاضرة في وجداننا حتى اليوم، هنا لا تكون المشكلة أن طفلًا نسي تاريخًا، وإنما أن جسرًا كاملًا بين جيلين بدأ في الانهيار.
فأكتوبر لم يكن يومًا عابرًا في التقويم، ولم يكن مجرد ساعة بدأت فيها الحرب وانتهت بعدها المعارك، أكتوبر كان لحظة خرجت فيها مصر من ظلال الهزيمة إلى نور الانتصار، وكان وراء تلك اللحظة رجال وأسر وأمهات وآباء وشباب اختاروا أن يدفعوا ثمنًا غاليًا حتى يأتي يوم تستطيع فيه أجيال لم تولد بعد أن تعيش فوق أرض حرة.
ولهذا فإن السؤال الحقيقي في كل ذكرى لأكتوبر ليس فقط ماذا حدث في السادس من أكتوبر 1973، وإنما ماذا بقي من أكتوبر فينا، وماذا سنترك منه لأبنائنا، وهل نجحنا في تحويل هذه الذكرى من حكاية نكررها كل عام إلى قيمة يعيشها الجيل الجديد ويفهم معناها ويشعر بأنه جزء من امتدادها.
جيل أكتوبر لم يكن يعيش في عالم يشبه عالمنا اليوم، لم تكن أمامه كل وسائل الراحة والتكنولوجيا ومواقع التواصل والمعلومات التي تحاصر أبناءنا من كل اتجاه، لكنه امتلك شيئًا بالغ الأهمية، امتلك الإيمان بأن الوطن مسؤولية، وأن الانكسار ليس نهاية الطريق، وأن الإنسان يستطيع أن يبدأ من جديد مهما كانت قسوة الظروف.
وهنا تبدأ مسؤوليتنا نحن، لأن أكتوبر إذا بقي في الكتب فقط فقد يتحول مع الوقت إلى تاريخ بارد، وإذا بقي في الأغاني والصور فقد يصبح مجرد ذكرى موسمية، أما إذا دخل إلى البيت وتحول إلى حكاية يرويها الأب لابنه، والجد لحفيده، والمعلم لتلاميذه، فإنه يصبح جزءًا من شخصية جيل كامل.
الأب الذي يحكي لابنه عن أكتوبر لا ينقل إليه تاريخًا فقط، وإنما ينقل إليه معنى الصبر، والأم التي تحكي لابنتها عن أسر الشهداء لا تحكي لها عن الحرب فقط، وإنما تعلمها معنى التضحية، والمعلم الذي يشرح لتلاميذه كيف أعاد الجيش المصري بناء نفسه بعد نكسة 1967 لا يقدم درسًا في التاريخ وحده، وإنما يقدم درسًا في القدرة على النهوض بعد الانكسار.
وهنا تظهر أهمية التواصل بين الأجيال، فجـيل عاش الحرب يعرف تفاصيل لا توجد كلها في الكتب، وجيلنا يستطيع أن ينقل هذه التفاصيل إلى الأبناء بلغة يفهمونها، والأبناء بدورهم يحتاجون إلى أن يعرفوا أن الوطن الذي يرونه اليوم لم يأتِ إليهم جاهزًا، وإنما مر بأيام قاسية دفع فيها رجال ونساء أثمانًا غالية حتى تستمر الدولة ويبقى الوطن.
نحن نعيش اليوم في زمن مختلف، أبناؤنا محاصرون بعشرات الصور والمعلومات والقصص كل يوم، وكل شيء يتحرك بسرعة مذهلة، وأحيانًا يصبح الخبر الجديد أهم لديهم من الحكاية التي صنعت حاضرهم، ولهذا لم يعد كافيًا أن نقول للطفل إن الجيش المصري انتصر في أكتوبر، بل علينا أن نجعله يفهم كيف حدث ذلك ولماذا كان مهمًا وماذا يستطيع هو أن يتعلم منه.
علينا أن نسأله ماذا يعني أن تنهض دولة بعد الهزيمة، وماذا يعني أن يظل الإنسان متمسكًا بهدفه سنوات طويلة، وكيف استطاع جندي أن يدخل معركة وهو يعرف أن حياته قد تكون الثمن، ولماذا كان هناك رجال مستعدون لتقديم أغلى ما لديهم من أجل وطن لم يكن لهم وحدهم وإنما للأجيال التي ستأتي من بعدهم.
هذه الأسئلة هي التي تجعل أكتوبر حيًا، لأن الطفل عندما يفهم معنى التضحية سيبدأ في فهم معنى المسؤولية، وعندما يعرف كيف استطاع جيل سابق أن يتجاوز الهزيمة سيفهم أن الفشل الذي يواجهه في دراسته أو عمله أو حياته ليس نهاية العالم، وعندما يعرف أن النصر لم يأتِ في يوم واحد وإنما سبقه إعداد وتدريب وصبر سيتعلم أن النجاح الحقيقي لا يولد من الصدفة.
وهذا ربما يكون أعظم ما يمكن أن نقدمه لأبنائنا من أكتوبر، أن نعلمهم أن الإنجاز يحتاج إلى وقت، وأن الأحلام الكبيرة تحتاج إلى عمل، وأن الأوطان لا يحميها الكلام وحده، وأن الإنسان الحقيقي هو الذي يعرف كيف يحول المحنة إلى قوة، والخسارة إلى خبرة، والخوف إلى دافع، والحلم إلى واقع.
لكن نقل أكتوبر إلى الأجيال الجديدة لا يعني أن نحول التاريخ إلى خطاب طويل لا يفهمه الطفل، ولا أن نجبره على حفظ أسماء وتواريخ دون أن يعرف معناها، وإنما علينا أن نحكي له الحكاية، نحكي له عن الجندي الذي ترك أسرته وذهب إلى الجبهة، وعن الأب الذي كان ينتظر ابنه، وعن الأم التي عاشت سنوات تحمل الخوف والفخر معًا، وعن الشاب الذي كان يستطيع أن يبحث عن حياة عادية لكنه اختار أن يؤدي واجبه عندما احتاج الوطن إليه.
نحكي له عن الشهيد الذي لم يعد إلى بيته، لكنه ترك وراءه وطنًا وأجيالًا لم يرها ولم يعرف أسماءها، وعندها فقط سيفهم الطفل أن التاريخ ليس مجموعة تواريخ محفوظة في كتاب، وإنما حياة بشر حقيقيين كانت لهم أحلام وأسر وبيوت ثم اختاروا أن يكون الوطن في لحظة ما أكبر من كل شيء.
وهنا يجب أن نتوقف أمام حقيقة شديدة الأهمية، إذا لم نحكِ نحن لأبنائنا تاريخنا فسوف يحكيه لهم آخرون، وإذا لم نقدم لهم نماذج حقيقية للبطولة والانتماء والمسؤولية فسوف يبحثون عن أبطالهم في أماكن أخرى، وإذا لم نمنحهم روايتنا الوطنية بلغة العصر فسوف تصل إليهم روايات مبتورة أو سطحية أو بعيدة عن الحقيقة.
ولهذا فإن معركة أكتوبر انتهت منذ أكثر من نصف قرن، لكن مسؤوليتنا تجاهها لم تنتهِ، فالمعركة اليوم ليست على ضفة قناة السويس وإنما في عقول أبنائنا وقلوبهم، معركة أن يعرفوا قيمة الوطن دون شعارات فارغة، وأن يفهموا معنى الانتماء دون تعصب، وأن يعرفوا أن الحقوق يقابلها واجبات، وأن الحرية لا تعني غياب المسؤولية، وأن الوطن ليس مجرد مكان نعيش فيه وإنما تاريخ وذاكرة وناس وتضحيات ومستقبل.
نحن مدينون لجيل أكتوبر بأن نحفظ قصته، لكننا مدينون أيضًا لأبنائنا بأن نحكيها لهم بطريقة تجعلهم قادرين على فهمها والاستفادة منها، فالأجيال لا تتواصل بالصور وحدها وإنما بالحكايات والقيم والتجارب، والأب الذي يجلس مع ابنه ليحكي له عن أكتوبر يؤدي دورًا لا يقل أهمية عن درس في المدرسة، والجد الذي يحكي لحفيده عن الأيام التي عاشها يفتح جسرًا بين زمنين، والمعلم الذي يجعل الطالب يسأل ويفكر بدل أن يحفظ فقط يصنع ذاكرة أكثر بقاءً.
وفي النهاية ربما لا نحتاج أن نسأل أبناءنا كل عام ماذا تعرفون عن أكتوبر، وإنما الأفضل أن نسألهم ماذا تعلمتم من أكتوبر، هل تعلمتم ألا تستسلموا، هل تعلمتم أن الوطن يحتاج إلى العمل، هل فهمتم أن النجاح لا يأتي بسهولة، وهل عرفتم أن وراء كل إنجاز كبير أناسًا دفعوا ثمنه.
إذا كانت الإجابة نعم، فمعنى أكتوبر ما زال حيًا، أما إذا تحول أكتوبر إلى أغنية وصورة وإجازة واحتفال ينتهي بانتهاء اليوم فنحن لم ننقل للأجيال إلا قشرة الذكرى وتركنا جوهرها يضيع.
جيل أكتوبر أعطانا درسًا لا ينبغي أن يسقط من الذاكرة، أن الوطن يمكن أن يمر بأصعب لحظاته لكنه يستطيع أن ينهض عندما يؤمن أبناؤه بأن المستقبل يستحق التضحية والعمل، واليوم جاء دورنا، ليس لكي نحارب حربًا جديدة، وإنما لكي نحافظ على ما تركه السابقون ونبني ما سيحتاج إليه القادمون.
وربما يكون أعظم تكريم لشهداء أكتوبر ليس أن نضع إكليلًا من الزهور على النصب التذكاري مرة كل عام، وإنما أن نضع في قلب كل طفل مصري قيمة الوطن، وفي عقله معنى المسؤولية، وفي مستقبله حلمًا يستحق أن يعمل من أجله، لأن الشهيد الذي ضحى بحياته لم يفعل ذلك من أجل يوم واحد في التاريخ، وإنما من أجل أجيال كان يعلم أنه لن يراها.
أكتوبر لم يكن يومًا في التقويم، أكتوبر رسالة من جيل إلى جيل، ورسالتنا اليوم يجب أن تكون واضحة، كما سلّمنا السابقون وطنًا بُذلت من أجله الدماء، علينا أن نسلّم أبناءنا وطنًا يعرفون قيمته، ويؤمنون بمسؤوليته، ويملكون القدرة على بناء مستقبله.