رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

«ضحكة مش بريئة».. لماذا يضع المواطن «هاها» على تصريحات المسؤولين؟

 

تخيل أن مسؤولًا يكتب تصريحًا رسميًا يتحدث فيه عن إنجاز، أو يعلن قرارًا جديدًا، أو يشرح أزمة تمس حياة المواطنين، ثم تدخل إلى التعليقات فتجد مئات الأشخاص يضغطون على «هاها».. فهل كل هؤلاء يضحكون فعلًا؟ الإجابة ليست بهذه البساطة، في عالم السوشيال ميديا، لم تعد «هاها» مجرد ضحكة، ولم يعد الإيموجي بالضرورة ترجمة حرفية لشعور صاحبه، أحيانًا تكون الضحكة سخرية، وأحيانًا تكون اعتراضًا، وأحيانًا تكون طريقة مختصرة للقول: «أنا لا أصدق ما أقرأ».

وهنا تبدأ الحكاية النفسية والاجتماعية وراء الإيموجي الذي يبدو بسيطًا، لكنه قد يحمل وراءه مشاعر أكثر تعقيدًا، المواطن الذي يضحك قد لا يكون سعيدًا، ربما يكون غاضبًا، من الناحية النفسية، يلجأ الإنسان أحيانًا إلى السخرية عندما يجد نفسه أمام موقف يثير داخله التوتر أو الاستفزاز، بدلًا من الدخول في مواجهة مباشرة، يتحول الغضب إلى ضحكة، ويتحول الاعتراض إلى إيموجي، إنها طريقة لتفريغ الضغط دون الدخول في معركة.

وهذا ما يمكن وصفه بـ«الضحك الدفاعي»، فالإنسان قد يضحك في مواقف لا تحمل أي سبب حقيقي للضحك، ليس لأن الموقف مضحك، وإنما لأن الضحك يصبح وسيلة للتعامل مع مشاعر يصعب التعبير عنها بشكل مباشر، وعندما يضع المواطن «هاها» على تصريح رسمي، فقد يكون المعنى الحقيقي خلفها: «أنا أسمع الكلام، لكنني لا أراه مطابقًا لما أعيشه».

وهنا يدخل العامل الاقتصادي بقوة في فهم هذه المشاعر، فالمواطن الذي يواجه يوميًا ضغوط الأسعار وتكاليف المعيشة، ويحاول تدبير احتياجات أسرته بين الطعام والمواصلات والسكن والتعليم والعلاج وغيرها من الالتزامات، لا يستقبل أي تصريح اقتصادي أو خدمي بمعزل عن تجربته الشخصية، عندما يكون دخل الأسرة تحت ضغط، وكل زيادة في الأسعار تعني إعادة ترتيب ميزانية البيت، تصبح المسافة بين الكلام الرسمي والتجربة اليومية أكثر حساسية.

المواطن قد يسمع حديثًا عن تحسن الأوضاع أو توافر السلع أو الإجراءات التي تستهدف تخفيف الأعباء، لكنه في الوقت نفسه ينظر إلى فاتورة مشترياته، ومصاريف أسرته، والتزاماته المتزايدة، ومن هنا قد تتحول «هاها» إلى تعبير ساخر عن التناقض الذي يشعر به بين ما يسمعه وما يراه في حياته اليومية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن كل من يستخدم الإيموجي يحمل الموقف نفسه.

فالضغط الاقتصادي لا يؤثر فقط في قدرة المواطن على الإنفاق، وإنما يمكن أن يؤثر أيضًا في حالته النفسية وطريقة تفاعله مع الأخبار والتصريحات، الشخص الذي يعيش تحت ضغط مستمر قد يصبح أكثر حساسية تجاه أي رسالة تتعلق بالأسعار أو الدخل أو مستوى المعيشة، لأن الموضوع بالنسبة له ليس خبرًا عابرًا على شاشة الهاتف، وإنما شيء يرتبط مباشرة بمائدة أسرته والتزامات بيته ونهاية الشهر.

ولهذا، عندما يجد المواطن نفسه أمام تصريح لا يشعر أنه يعكس تجربته، قد لا يكتب مقالًا طويلًا يشرح وجهة نظره، ربما يكتفي بضغطة واحدة على «هاها».

وهنا ندخل إلى الجانب الاجتماعي الأكثر أهمية، السوشيال ميديا لم تعد مجرد مساحة يتحدث فيها الأفراد، بل أصبحت مساحة تتشكل فيها ردود الفعل الجماعية، شخص يضع «هاها»، ثم يراه آخرون، فيكررون الفعل، وبعد دقائق يتحول الإيموجي إلى موجة من التفاعل، وبذلك تصبح الضحكة أحيانًا عدوى اجتماعية، ليس بالضرورة أن يكون كل شخص ضغط على «هاها» قد كوّن موقفًا مستقلًا من التصريح، بعض الناس يتأثرون بالمشهد العام، وعندما يرون أن السخرية هي رد الفعل المسيطر، ينضمون إليها، وهنا يتحول الإيموجي من تعبير فردي إلى لغة جماعية.

لكن هناك سببًا آخر أكثر عمقًا، عندما تتكرر التصريحات والوعود والبيانات أمام الجمهور، ثم يجد المواطن أن الواقع الذي يعيشه لا يتطابق، من وجهة نظره، مع الصورة التي يسمعها، قد تنشأ حالة من التشكك والسخرية، وليس من الضروري أن يكون الأمر متعلقًا بالسياسة وحدها، أحيانًا يكون مرتبطًا بتجربة يومية بسيطة، مثل أسعار السلع، أو تكاليف المواصلات، أو أعباء الأسرة، أو صعوبة الوفاء بالالتزامات في نهاية الشهر.

هنا تصبح الفجوة بين الخطاب والتجربة الشخصية عاملًا مهمًا في طريقة استقبال الرسالة، التصريح الذي كان من المفترض أن يثير الاهتمام قد يتحول إلى مادة للسخرية، والخبر الذي كان يفترض أن يطمئن الناس قد يصبح فرصة لإطلاق النكات، والبيان الذي كُتب بلغة رسمية شديدة الجدية قد ينتهي بعشرات الآلاف من علامات «هاها».

وهنا لا تعود المشكلة في الإيموجي نفسه، وإنما في السؤال الذي يقف خلفه: لماذا أصبح بعض الجمهور يتعامل مع الرسالة الجادة باعتبارها مادة للضحك؟ الإجابة تحتاج إلى الاستماع أكثر من الغضب، فالسخرية في المجتمعات ليست دائمًا مجرد رغبة في الاستهزاء، كثيرًا ما تكون وسيلة للتعبير عن مشاعر مكبوتة، أو عن عدم الرضا، أو عن التشكيك في قدرة الخطاب الرسمي على إقناع المتلقي.

لكن في المقابل، لا يمكن اعتبار كل «هاها» استفتاءً شعبيًا أو دليلًا قاطعًا على رفض المواطنين، فالإيموجي الواحد لا يخبرنا وحده لماذا ضغط صاحبه عليه، قد يكون ساخرًا، وقد يكون مازحًا، وقد يكون متأثرًا بتفاعل الآخرين، وقد يكون ببساطة يستخدم الإيموجي بطريقة مختلفة، لذلك فإن قراءة «هاها» تحتاج إلى النظر إلى السياق، ونوعية التعليقات، وحجم التفاعل، وطبيعة المنشور، والجمهور الذي يتفاعل معه.

ومع ذلك، لا يمكن تجاهل الظاهرة، لأن هناك شيئًا تغير في طريقة تعبير الناس عن أنفسهم، المواطن لم يعد يحتاج إلى كتابة فقرة كاملة ليقول «أنا غير مقتنع»، إيموجي واحد أصبح قادرًا على اختصار موقف كامل، وهذه هي قوة السوشيال ميديا وخطورتها في الوقت نفسه.

فقد تكون «هاها» مجرد ضحكة، لكنها قد تكون أيضًا سخرية من تصريح، أو اعتراضًا على طريقة تقديم المعلومة، أو محاولة لتخفيف الغضب، أو رسالة تقول إن هناك شيئًا في الخطاب لم يصل إلى الجمهور كما كان مقصودًا، والأهم أن المسؤول أو المؤسسة التي ترى مئات «الهاها» أمام منشورها ربما لا يكون المطلوب منها أن تغضب من المواطنين، وإنما أن تسأل نفسها سؤالًا أكثر أهمية: لماذا ضحك الناس؟

فربما تكون الإجابة مجرد مزحة، وربما تكون وراء الضحكة قصة أكبر، قصة مواطن يحاول أن يوازن بين دخله والتزاماته، يواجه ارتفاع تكاليف الحياة، ويحسب احتياجات أسرته أكثر من مرة قبل أن ينفق، ثم يدخل إلى هاتفه ليجد تصريحًا يتحدث عن ملف اقتصادي يمس حياته بشكل مباشر.

في هذه اللحظة، تصبح «هاها» بالنسبة لبعض المستخدمين طريقة مختصرة للتعبير عن شعور أكثر تعقيدًا: «أنا لا أضحك على الكلام، أنا أضحك من شدة المفارقة بين الكلام وما أعيشه».

وهنا يجب التوقف عند نقطة مهمة، فمعاناة المواطن اقتصاديًا لا تعني أن كل ضغوطه سببها تصريح أو قرار بعينه، ولا أن كل رد فعل ساخر يعكس موقفًا اقتصاديًا محددًا، لكنها تفسر لماذا أصبحت الموضوعات المتعلقة بالأسعار والدخل وتكاليف المعيشة شديدة الحساسية على مواقع التواصل، ولماذا يمكن أن يتحول تصريح اقتصادي عادي إلى مساحة واسعة من السخرية والنقاش.

في النهاية، ليست كل «هاها» غضبًا، وليست كل «هاها» سخرية، وليست كل «هاها» رفضًا، لكن المؤكد أن الضحك على السوشيال ميديا لم يعد دائمًا يعني أن الناس سعيدة.

أحيانًا يضحك الإنسان لأنه غاضب، وأحيانًا يسخر لأنه محبط، وأحيانًا يضغط «هاها» لأنه لا يجد الكلمات التي يريد أن يقولها، وأحيانًا يكون وراء هذه الضحكة ضغط اقتصادي أو اجتماعي أو نفسي تراكم على مدار أيام وشهور.

ولهذا، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: «لماذا يضحكون؟» بل: «ماذا يحاولون أن يقولوا بهذه الضحكة؟»

لأن خلف بعض الضحكات على شاشة الهاتف قد توجد حكاية كاملة عن علاقة المواطن بما يسمعه، وما يراه، وما يصدقه، وما يعيشه، عن راتب يحاول أن يكفي، وأسعار تتغير، والتزامات لا تتوقف، وقلق دائم من الغد.

وفي النهاية، قد تكون «هاها» مجرد إيموجي، لكن عندما تتكرر أمام خطاب رسمي، فإن تجاهلها تمامًا قد يكون أسهل من فهمها، بينما قراءتها بذكاء قد تكشف شيئًا مهمًا عن مزاج الجمهور وطريقة استقباله للرسائل التي تصله كل يوم.

فربما ليست كل ضحكة فرحًا، أحيانًا تكون الضحكة مجرد الطريقة التي اختار بها المواطن أن يقول: «أنا تعبت، ومش عارف أقولها إزاي».

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>