رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
النقل البحري

«نيو مارين.. من قلب البحر بدأت الحكاية وصُنعت واحدة من علامات الملاحة البحرية»

جاهز للاستماع

هناك شركات تبدأ برأس مال كبير، وأخرى تبدأ بمقر فخم وخطة توسع جاهزة، لكن في عالم البحر تختلف الحكايات، فهنا لا تكفي الأموال وحدها لصناعة الاسم، لأن السفن لا تنتظر، والموانئ لا تعرف التباطؤ، والساعة الواحدة قد تساوي الكثير، والخطأ الصغير في عملية معقدة قد تكون له تكلفة كبيرة، وفي هذه الصناعة تحديدًا بدأت حكاية «نيو مارين» عام 1977، من خبرة رجل عرف البحر قبل أن يعرف مقاعد الإدارة، لتتحول رحلة امتدت قرابة نصف قرن إلى اسم حاضر في الوكالات الملاحية والشحن والخدمات البحرية واللوجستية.

لم تبدأ الحكاية بأسطول ضخم ولا بشبكة مكاتب ممتدة، وإنما بدأت من مكتب صغير وموظف واحد، ثم اتسعت الدائرة عامًا بعد عام، وتعددت الخدمات والفروع، وعبرت عمليات الشركة من الموانئ المصرية إلى قناة السويس، ومن مصر إلى نطاق إقليمي أوسع في شمال أفريقيا والبحر الأحمر، ودخلت إلى عالم الشحنات الثقيلة وتموين السفن والسمسرة والتأجير والفحص البحري والخدمات اللوجستية.

لكن وراء اسم «نيو مارين» حكاية أخرى لا تقل أهمية عن حكاية الشركة نفسها، حكاية عائلة ارتبطت بالبحر عبر أجيال، بدأت مع الربان عبد الرحمن سليم العوا، ثم انتقلت إلى جيل جديد برز فيه محمد عبد الرحمن العوا، ومعه سليم العوا ويوسف العوا في مواقع تنفيذية تمس قلب النشاط، لتصبح رحلة الشركة في جانب منها قصة انتقال الخبرة من المؤسس إلى أجيال جديدة، في صناعة تتغير أدواتها وتقنياتها باستمرار، بينما تظل الثقة والخبرة والقدرة على التنفيذ هي العملة الأصعب فيها.

عبد الرحمن العوا.. رجل سبق الشركة إلى البحر

قبل أن يظهر اسم «نيو مارين» على خريطة الملاحة المصرية بأكثر من عشرين عامًا، كان الربان عبد الرحمن سليم العوا قد بدأ بالفعل علاقته المهنية بالبحر، ففي عام 1956 التحق بالبحرية التجارية المصرية كطالب بحري، ومن هنا بدأت رحلة لم تُبنَ على دراسة السوق من خلف مكتب، وإنما على الاحتكاك المباشر بالسفن والبحارة والممرات الملاحية وطبيعة العمل في البحر.

وفي عام 1966 انتقل إلى محطة أكثر خصوصية في مسيرته، عندما التحق بهيئة قناة السويس للعمل مرشدًا، واستمر حتى إغلاق القناة عام 1967، والعمل في الإرشاد بقناة السويس لم يكن مجرد وظيفة أخرى في مسيرته، بل خبرة مباشرة داخل أحد أكثر الممرات الملاحية حساسية في العالم، بما يفرضه من معرفة بالسفن والملاحة وحركة العبور ومتطلبات التشغيل.

وبعد ذلك انتقلت خبرته إلى نطاق إقليمي أوسع، ففي عام 1970 عمل بميناء جدة، ثم انتقل في العام التالي إلى ليبيا للمشاركة بخبرته في مرحلة بناء الأسطول التجاري الليبي، قبل أن يلتحق عام 1974 بشركة European International Shipping في موقع مرتبط بإدارة الأسطول والعمليات.

وعندما جاءت لحظة تأسيس «نيو مارين» عام 1977، كان عبد الرحمن العوا يحمل وراءه أكثر من عشرين عامًا من العمل البحري، لذلك لم تكن الشركة مغامرة استثمارية في قطاع جديد بالنسبة إليه، بل كانت تحويلًا للخبرة المتراكمة إلى كيان خاص يعمل في الصناعة التي قضى فيها الجزء الأكبر من حياته المهنية.

ومن هنا يمكن فهم جانب مهم من شخصية نيو مارين، فهي لم تبدأ من مستثمر قرر الدخول إلى النقل البحري، وإنما من بحار ومرشد ورجل عمليات قرر تأسيس شركة، وهي خلفية انعكست لاحقًا على اتجاهها إلى الجمع بين الوكالة الملاحية والخدمات التشغيلية واللوجستيات بدلًا من الاكتفاء بنشاط تجاري واحد.

1977.. مكتب وموظف واحد في بداية رحلة طويلة

كانت نقطة البداية شديدة البساطة بالمقارنة مع حجم النشاط الذي وصلت إليه الشركة لاحقًا، فقد بدأت نيو مارين بمكتب واحد وموظف واحد، ثم توسعت تدريجيًا مع نمو أعمالها وتعدد الخدمات التي تقدمها.

وبمرور السنوات توسعت شبكة الشركة لتضم أكثر من سبعة فروع، فيما تجاوز عدد العاملين بها 50 موظفًا من أصحاب الخبرات والتخصصات المختلفة، مع تغطية لعدد من الموانئ المصرية وقناة السويس.

وامتد وجودها التشغيلي عبر الإسكندرية وأبو قير ودمياط وبورسعيد والسويس والسخنة، إلى جانب شبكة علاقات وشركاء خارج السوق المحلية، بما يتناسب مع طبيعة صناعة لا تتوقف عملياتها عند الحدود الجغرافية لدولة واحدة.

والفروع بالنسبة إلى شركة وكالة ملاحية ليست مجرد نقاط بيع أو عناوين إدارية، بل قواعد تشغيل قريبة من السفن والموانئ، فالسفينة الموجودة في السويس تحتاج إلى فريق يستطيع التعامل معها هناك، كما تحتاج السفينة في دمياط أو بورسعيد إلى إدارة إجراءاتها وخدماتها في موقعها، وبالتالي يصبح الانتشار الجغرافي جزءًا من القدرة التشغيلية للشركة نفسها.

محمد العوا.. من العمليات إلى الإدارة العامة

إذا كان عبد الرحمن العوا هو صاحب الفصل الأول في القصة، فإن محمد عبد الرحمن العوا يمثل واحدًا من أهم وجوه الفصل التالي، خاصة أن انتقال الجيل الثاني داخل نيو مارين لم يقتصر على حمل اسم العائلة، بل ارتبط بالعمل التنفيذي والتشغيلي داخل النشاط.

ويشغل محمد العوا موقع المدير العام للشركة، بعد مسار ارتبط بالعمليات والإدارة، وهو ما يمنح تجربته بعدًا مختلفًا، لأن الوصول إلى الإدارة العامة في شركة ملاحية بعد العمل داخل تفاصيل التشغيل يعني معرفة مباشرة بما يحدث عندما تصل السفينة إلى الميناء، وما تحتاج إليه العمليات، وكيف تُدار العلاقة بين العميل والسفينة والميناء ومقدمي الخدمات.

وطبيعة الملفات التي ارتبط بها هذا المسار تضعه في قلب نشاط الشركة، بدءًا من وكالة السفن وخدمات الموانئ وقناة السويس، مرورًا بالتأجير والسمسرة والشحن والتخزين وتموين السفن والإصلاحات، وصولًا إلى الخدمات اللوجستية والمشروعات الخاصة.

وهنا لا يمكن اختزال محمد العوا في وصفه بأنه «الجيل الثاني»، فالمهمة التي يحملها تتجاوز انتقال الإدارة داخل شركة عائلية إلى إدارة كيان أصبحت أنشطته أكثر تنوعًا وتعقيدًا مما كانت عليه عند التأسيس، وفي سوق أصبحت فيه السرعة والتكنولوجيا وشبكات العلاقات الدولية جزءًا أساسيًا من المنافسة.

كما أن تولي الإدارة العامة لشركة تحمل تاريخًا يقترب من نصف قرن يضع أمامه معادلة مزدوجة، الحفاظ على السمعة والعلاقات التي تراكمت عبر العقود، وفي الوقت نفسه تطوير الشركة بما يسمح لها بالمنافسة في سوق لا يمنح المؤسسات أفضلية دائمة لمجرد قدمها.

سليم العوا.. الإدارة التجارية وتوسيع شبكة الأعمال

ويبرز سليم العوا ضمن الجيل الجديد في إدارة «نيو مارين»، حيث يتولى منصب المدير التجاري، وهو موقع يرتبط مباشرة بتطوير النشاط التجاري للشركة وبناء العلاقات مع العملاء والشركاء وتحويل الإمكانات التشغيلية التي تمتلكها إلى فرص أعمال جديدة.

وتكتسب الإدارة التجارية أهمية خاصة في شركة تعمل عبر مجموعة واسعة من الأنشطة، تشمل الوكالة الملاحية والشحن والخدمات اللوجستية وتموين السفن والتأجير والسمسرة وشحنات المشروعات، إذ لا يقتصر الدور على الوصول إلى عميل جديد، وإنما يمتد إلى فهم احتياجات شركات الملاحة وملاك السفن والشاحنين وتقديم الخدمة المناسبة لكل عملية، إلى جانب الحفاظ على العلاقات التجارية القائمة.

كما يمثل الحضور في الفعاليات والملتقيات الدولية المتخصصة في صناعة النقل البحري والسمسرة الملاحية أحد المسارات المهمة لتوسيع شبكة العلاقات المهنية للشركة، خاصة أن جانبًا كبيرًا من الأعمال البحرية يقوم على شبكة دولية من ملاك السفن والوكلاء والوسطاء والشاحنين ومقدمي الخدمات.

وبذلك يمثل موقع سليم العوا التجاري أحد أضلاع انتقال نيو مارين إلى الجيل الجديد، فبينما أسس عبد الرحمن العوا الشركة اعتمادًا على خبرته البحرية، وأصبح محمد العوا في موقع الإدارة العامة، يتولى سليم جانبًا يرتبط بتطوير الأعمال والعلاقات التجارية وفتح مساحات جديدة للنمو.

يوسف العوا.. غرفة العمليات التي لا تحتمل التأخير

أما يوسف العوا فيتولى منصب مدير العمليات في نيو مارين، وهو أحد أكثر المواقع التصاقًا بالتنفيذ اليومي داخل شركة تعمل في مجال النقل والخدمات البحرية، لأن غرفة العمليات هي النقطة التي تتحول عندها الاتفاقات والعقود والخطط إلى عمل حقيقي على الأرض.

وتتطلب إدارة العمليات في النشاط الملاحي تنسيقًا مستمرًا بين السفن والموانئ والعملاء ومقدمي الخدمات والفرق الموجودة في المواقع المختلفة، خاصة مع تنوع أنشطة الشركة بين خدمات السفن وعبور قناة السويس والشحن وتموين السفن وتسليم قطع الغيار وتغيير الأطقم والخدمات اللوجستية وشحنات المشروعات.

ويصبح عامل الوقت أكثر حساسية في هذا الموقع، لأن أي تأخير في تنفيذ خدمة مطلوبة لسفينة قد ينعكس على موعد مغادرتها أو جدول رحلتها وتكاليف تشغيلها، ولذلك تعتمد إدارة العمليات على المتابعة والتنسيق وسرعة الاستجابة للمواقف الطارئة، وليس فقط على الإجراءات الإدارية التقليدية.

ويمثل وجود يوسف العوا في إدارة العمليات امتدادًا لواحدة من السمات التي قامت عليها الشركة منذ تأسيسها، وهي الاقتراب من التفاصيل التنفيذية للعمل البحري، فعبد الرحمن العوا جاء إلى تأسيس نيو مارين من خلفية بحرية وعملية، واليوم يستمر وجود الجيل الجديد في مواقع ترتبط مباشرة بالتشغيل وليس في مقاعد الإدارة العليا فقط.

من المؤسس إلى الإدارة العامة والتجارة والعمليات.. توزيع للأدوار بين الأجيال

بهذا التكوين تبدو عملية انتقال الخبرة داخل نيو مارين أكثر وضوحًا، فالربان عبد الرحمن سليم العوا يمثل المؤسس وصاحب الخبرة التي قامت عليها الشركة، ومحمد العوا يتولى الإدارة العامة، بينما يتولى سليم العوا الإدارة التجارية، ويوسف العوا إدارة العمليات.

ولا تكمن أهمية هذا التوزيع في وجود أكثر من جيل من العائلة داخل الشركة فقط، وإنما في أن المسؤوليات موزعة على ملفات مختلفة تمس قلب النشاط، من القرار الإداري وإدارة الشركة، إلى تطوير الأعمال والعلاقات التجارية، وصولًا إلى التشغيل والتنفيذ اليومي.

وهنا يصبح انتقال الأجيال أكبر من مجرد انتقال ملكية شركة عائلية، فالتحدي الحقيقي يتمثل في نقل المعرفة المتراكمة وتحويلها إلى مؤسسة تستطيع الاستمرار والنمو، مع بناء فرق متخصصة وأنظمة عمل لا تعتمد على شخص واحد مهما بلغت خبرته.

من وكالة السفن إلى منظومة خدمات متكاملة

النظر إلى نيو مارين باعتبارها مجرد وكالة ملاحية لا يعكس نطاق عملها، فالشركة تقدم مجموعة من الخدمات تبدأ من وكالة السفن في الموانئ المصرية وخدمة السفن العابرة لقناة السويس، وتمتد إلى تموين السفن وتوفير احتياجاتها وتغيير الأطقم وخدمات الاستقبال والمساعدة.

وفي جانب الشحن، يمتد النشاط إلى الشحن البحري والجوي والنقل البري والتخليص الجمركي والتعامل مع أنواع مختلفة من البضائع، إلى جانب البضائع غير المعبأة وشحنات المشروعات والمعدات الثقيلة.

كما يشمل النشاط التأجير والسمسرة البحرية وتوفير قطع الغيار وتسليمها للسفن وخدمات اليخوت والفحص والمسح البحري وإصلاحات السفن وعددًا من الخدمات الفنية المرتبطة بالعمليات البحرية.

هذا الاتساع نقل الشركة تدريجيًا من نموذج «وكيل السفينة» إلى نموذج أقرب إلى مقدم حلول بحرية ولوجستية يستطيع التعامل مع أكثر من حلقة في العملية الواحدة.

قناة السويس.. العمل في قلب أحد أهم الممرات الملاحية

تمثل قناة السويس جزءًا رئيسيًا من نشاط نيو مارين بحكم طبيعة الشركة وانتشارها، فخدمة السفينة العابرة لا تقتصر على الإجراءات والمستندات، وإنما قد تشمل مجموعة من الترتيبات والخدمات التشغيلية التي تحتاج إليها السفينة خلال فترة وجودها في المياه المصرية.

وتشمل هذه العمليات تغيير الأطقم واستقبال البحارة وتوصيل قطع الغيار وتموين السفن وتوفير احتياجاتها وتنسيق أعمال الصيانة وغيرها من الخدمات.

وتكمن أهمية هذا النشاط في أن التأخير في صناعة النقل البحري له تكلفة مباشرة، فكل ساعة إضافية يمكن أن تنعكس على تكلفة تشغيل السفينة ومواعيد التسليم والعقود المرتبطة بالشحنة، ولذلك فإن قيمة الوكيل الملاحي لا تتوقف عند إنهاء الإجراءات، وإنما تمتد إلى قدرته على التنسيق والاستجابة السريعة وحل المشكلات قبل أن تتحول إلى تأخير.

مشروع نقل منصة نفط.. 29 ألف متر مكعب عبر أربع شحنات

ومن العمليات التي تعكس تطور طبيعة الأعمال التي دخلت إليها نيو مارين، مشروع نقل منصة نفط مفككة من جرجيس في تونس إلى الإسكندرية.

لم تكن العملية شحنة تقليدية يمكن وضعها داخل مجموعة من الحاويات، فقد تجاوز إجمالي حجم الشحنات 29 ألف متر مكعب، وتضمنت وحدات ثقيلة تجاوز وزن بعضها 70 طنًا، وتم توزيع المشروع على أربع شحنات.

كما امتدت فترة التخطيط والتنفيذ لأكثر من ثمانية أشهر، وهو ما يعكس طبيعة مشروعات الـProject Cargo، حيث يبدأ العمل قبل تحريك المعدات بفترة طويلة، من دراسة الأبعاد والأوزان ونقاط الرفع واختيار وسائل النقل المناسبة، مرورًا بعمليات التحميل والتثبيت والنقل، وصولًا إلى التفريغ والتسليم.

وتكشف هذه النوعية من العمليات عن انتقال الشركة إلى مستوى مختلف من الخدمات اللوجستية، حيث لا تكون المهمة مجرد حجز مساحة على سفينة، وإنما إدارة مشروع كامل تتداخل فيه الحسابات الهندسية واللوجستية والتشغيلية.

من البحر إلى النهر.. رؤية لسلسلة النقل كاملة

لم تتوقف طموحات المجموعة عند حدود البحر، ففي مرحلة مهمة من مسيرتها اتجهت إلى النقل النهري باعتباره امتدادًا طبيعيًا للنشاط اللوجستي، وبرزت «ألفا ترانس» ضمن هذا التوجه.

الفكرة لم تكن مجرد تشغيل وحدات نهرية لنقل البضائع، وإنما بناء منظومة تستطيع التعامل مع البضاعة منذ تفريغها وتخزينها وحتى نقلها إلى وجهتها، والاستفادة من نهر النيل كمسار لنقل كميات كبيرة من بعض أنواع البضائع.

وكان التصور يقوم على الجمع بين النقل والتخزين والتداول، بما يسمح بربط الموانئ البحرية بالشبكة الداخلية للنقل، وهو ما يعني عمليًا الانتقال من التركيز على رحلة السفينة إلى التفكير في رحلة البضاعة نفسها بعد وصولها إلى مصر.

شراكة الخرافي.. مشروع بـ150 مليون دولار للنقل النهري

كانت الخطوة الأكبر في هذا الاتجاه دخول «ألفا ترانس» في شراكة استثمارية مع مجموعة الخرافي الكويتية لتأسيس شركة «الشرق الأوسط للنقل النهري».

ولم يكن المشروع محدودًا من حيث الحجم أو الطموح، فقد وضع له استثمار مبدئي يصل إلى 150 مليون دولار، وتم تأسيس الشركة المشتركة بمشاركة عدد من المساهمين، وكان رجل الأعمال الكويتي مرزوق ناصر الخرافي رئيسًا للشركة الجديدة، بينما تولى خالد العوا موقع العضو المنتدب.

وكان التصور الاستثماري للمشروع يمتد على عدة سنوات، ويقوم على إنشاء منظومة متكاملة لتفريغ الحبوب وتخزينها ونقلها عبر النهر، بدلًا من التعامل مع النقل النهري كوسيلة انتقال منفصلة عن بقية سلسلة الإمداد.

وتضمنت الخطة الاستثمار في منطقة تخزين عند بحيرة المحمودية في الإسكندرية على مساحة تقارب 40 ألف متر مربع، مع الاعتماد على نظم لتفريغ وتخزين الحبوب، بحيث تنتقل البضاعة من التفريغ إلى التخزين ثم النقل بصورة أكثر تكاملًا.

كما استهدفت الخطة إنشاء خمسة موانئ على امتداد نهر النيل، إلى جانب نقاط ومراسي تساعد في تكوين شبكة لنقل الحبوب والبضائع عبر النهر.

ولم يكن التصور يتوقف عند نقل الحبوب، بل امتد إلى التخزين بالقرب من الموانئ النهرية وربط بعض الأنشطة الصناعية واللوجستية بهذه المواقع، ما جعل المشروع أقرب إلى تصور لإنشاء مراكز لوجستية متكاملة وليس مجرد شركة لتشغيل وحدات نهرية.

شراكة كبيرة لم تستمر

ورغم حجم المشروع والطموحات التي ارتبطت به، لم تستمر تجربة الشراكة بالصورة التي كان مخططًا لها، وتعطل التوسع الكبير الذي استهدف إنشاء شبكة من الموانئ والخدمات المرتبطة بالنقل النهري.

ومع تعثر المشروع، بدأت محاولات للبحث عن بدائل استثمارية وتمويلية تسمح بإعادة هيكلة المشروع واستكماله، وجرى التحرك في اتجاه مؤسسات مصرفية مصرية لدراسة إمكانية دخول أطراف جديدة ودفع الاستثمار مرة أخرى.

وتظل أهمية التجربة في أنها تكشف عن حجم الرؤية التي كانت تتحرك بها المجموعة في ذلك الوقت، فالدخول في مشروع لإنشاء موانئ نهرية ومناطق تخزين ومنظومة لتداول الحبوب يعني أن التفكير تجاوز بالفعل حدود الوكالة الملاحية إلى الاستثمار في البنية اللوجستية نفسها.

كما تكشف التجربة عن رؤية مبكرة للنقل متعدد الوسائط، تقوم على أن البضاعة لا ينبغي النظر إليها فقط أثناء وجودها على السفينة، وإنما منذ وصولها إلى الميناء وحتى تخزينها ونقلها إلى المستهلك أو المصنع.

ألفا ترانس.. الرهان اللوجستي لم يتوقف عند تجربة واحدة

عدم اكتمال مشروع النقل النهري بالشكل الذي كان مستهدفًا لم يعنِ انتهاء التوجه نحو النشاط اللوجستي، فقد استمرت «ألفا ترانس» في العمل في مجالات النقل والشحن والتفريغ والتخزين والتخليص الجمركي والخدمات المرتبطة بتداول البضائع.

كما امتد الاهتمام إلى معدات النقل والتداول بما يخدم حركة البضائع بين الموانئ والمخازن ومواقع العملاء، وهو ما يتكامل مع فلسفة المجموعة في عدم الاكتفاء بحلقة واحدة من سلسلة النقل.

وتوضح تجربة ألفا ترانس أن مشروع النقل النهري لم يكن فكرة منفصلة عن بقية أنشطة المجموعة، بل جزءًا من اتجاه أوسع نحو بناء قدرة لوجستية تمتد إلى ما بعد الرصيف البحري.

تموين السفن.. صناعة كاملة خلف رحلة واحدة

السفينة التي تظهر من الشاطئ كهيكل حديدي ضخم هي في الواقع وحدة تشغيل متكاملة، تحتاج إلى الطعام والمياه والمعدات وقطع الغيار والمستلزمات الهندسية والكهربائية والطبية ومعدات السلامة والدهانات والكيماويات والحبال وغيرها من الاحتياجات.

ومن هنا يأتي نشاط تموين السفن باعتباره جزءًا مهمًا من الخدمات البحرية التي تقدمها نيو مارين، والتحدي في هذا النشاط لا يتعلق فقط بتوفير المنتج، وإنما بتوفيره في التوقيت والموقع المناسبين، لأن السفينة قد تكون أمام نافذة زمنية محدودة قبل استكمال رحلتها.

وقد يؤدي تأخر قطعة غيار أو إمداد ضروري إلى تعطيل عملية أكبر بكثير من قيمة المنتج نفسه، ولذلك فإن شبكة الموردين وسرعة الاستجابة والتنسيق مع طاقم السفينة والميناء تمثل عناصر رئيسية في هذه الخدمة.

الفحص البحري.. التفاصيل الصغيرة قد تساوي الكثير

يمتد نشاط نيو مارين كذلك إلى أعمال المسح والفحص البحري، وهي مساحة فنية تشمل معاينات الأضرار وفحوص ما قبل التحميل وفحص السفن وقياس الغاطس وفحص الوقود وعنابر الشحن وأغطية العنابر.

كما تشمل الخدمات الإشراف على عمليات الشحن والتفريغ وأخذ العينات وفحص أضرار الحاويات والرافعات وغيرها من المهام الفنية المرتبطة بالسفينة والشحنة.

وفي هذه المنطقة تحديدًا تصبح التفاصيل شديدة الأهمية، لأن تقريرًا فنيًا أو معاينة دقيقة يمكن أن يلعب دورًا في تحديد حالة الشحنة أو السفينة وتوثيق الضرر ومتابعة سلامة عمليات التحميل والتفريغ.

من مصر إلى شمال أفريقيا والبحر الأحمر

لم تتوقف حركة نيو مارين عند الموانئ المصرية، بل امتدت شبكة خدماتها وعلاقاتها إلى عدد من أسواق شمال أفريقيا والبحر الأحمر، مع نشاط يرتبط بأسواق من بينها ليبيا والجزائر وتونس والسودان.

وتكمن أهمية هذا الامتداد في طبيعة النقل البحري نفسه، فالشحنة قد تبدأ من ميناء في دولة وتنتهي في دولة أخرى، وقد تحتاج الرحلة إلى أكثر من وكيل ومقدم خدمة وشريك لوجستي.

ومن هنا تصبح شبكة العلاقات الإقليمية والدولية جزءًا من القدرة التشغيلية للشركة وليست مجرد توسع جغرافي في حد ذاته.

شركة عائلية.. لكن البحر يحتاج إلى مؤسسة

رغم الحضور الواضح لعائلة العوا عبر أكثر من جيل داخل نيو مارين، فإن اتساع النشاط وتعدد الخدمات والفروع يفرضان نموذجًا أكبر من الإدارة العائلية المباشرة، يقوم على فرق متخصصة في العمليات والشحن والتجارة والتمويل والموارد البشرية وإدارة الفروع والخدمات المختلفة.

وهنا يظهر الاختبار الحقيقي لاستمرارية الشركة، فالخبرة التي بدأت مع عبد الرحمن العوا لا يكفي أن تنتقل كإرث عائلي، بل يجب أن تتحول إلى معرفة مؤسسية وإجراءات وأنظمة وفرق تستطيع اتخاذ القرار وتنفيذ العمليات دون أن تتوقف على وجود شخص بعينه.

فالسفينة لا تستطيع انتظار المؤسس، والعميل لا يستطيع ربط مصالحه بفرد واحد، ولذلك فإن انتقال المسؤوليات بين محمد وسليم ويوسف العوا، بالتوازي مع المديرين والمتخصصين الآخرين داخل الشركة، يمثل مرحلة مختلفة في رحلة بدأت بشخص واحد وموظف واحد.

قرابة نصف قرن.. والتحدي لم يعد مجرد البقاء

من عام 1977 إلى 2026 اقتربت نيو مارين من إتمام نصف قرن من العمل، وهي فترة تغير خلالها عالم النقل البحري بصورة جذرية.

كبرت السفن، وتطورت الموانئ، وأصبحت الحاويات محورًا رئيسيًا للتجارة، ودخلت التكنولوجيا والرقمنة إلى غرف العمليات، وأصبحت سلاسل الإمداد أكثر تشابكًا، بينما شهد العالم أزمات مالية وجائحة وصراعات واضطرابات جيوسياسية انعكست مباشرة على حركة الملاحة وأسعار الشحن ومسارات السفن.

وفي المقابل، انتقلت نيو مارين من مكتب وموظف واحد إلى شبكة من الفروع والعاملين، ومن الوكالة الملاحية إلى الشحن واللوجستيات وتموين السفن والتأجير والسمسرة والفحص والمشروعات الثقيلة.

كما حاولت المجموعة في مرحلة مبكرة القفز خطوة أكبر عبر مشروع النقل النهري والشراكة مع مجموعة الخرافي، وهي تجربة لم تصل إلى الصورة النهائية التي خُطط لها، لكنها تكشف أن الطموح لم يكن محصورًا في انتظار السفينة عند الرصيف.

من عبد الرحمن إلى محمد وسليم ويوسف.. الدفة تنتقل والبحر يبقى

ربما تختصر قصة نيو مارين كلها في المسافة بين رجل صعد إلى السفينة طالبًا بحريًا عام 1956، وشركة تدخل عامها التاسع والأربعين وهي تتعامل مع عمليات تمتد من قناة السويس إلى شمال أفريقيا، ومن تموين السفن إلى إدارة الشحنات الضخمة والمعقدة، ومن البحر إلى محاولة الاستثمار في موانئ على نهر النيل.

عبد الرحمن العوا صنع نقطة البداية من خبرة البحر نفسه، ثم حوّل هذه الخبرة إلى شركة، وبعد عقود أصبح محمد العوا في موقع الإدارة العامة أمام مهمة مختلفة، ليست تأسيس الاسم وإنما الحفاظ على قيمته وتطويره، بينما يتولى سليم العوا الجانب التجاري وتوسيع شبكة الأعمال، ويوسف العوا جانبًا شديد الحساسية في غرفة العمليات والتنفيذ.

وبين هذه الأجيال تقف تجربة كاملة، من مكتب وموظف واحد إلى شبكة فروع، ومن وكالة السفن إلى الخدمات اللوجستية، ومن البحر إلى مشروع طموح للنقل النهري، ومن العمليات التقليدية إلى الشحنات الثقيلة والمشروعات المعقدة.

وهنا ربما تكون القيمة الحقيقية في قصة نيو مارين، ليس لأنها شركة بقيت قرابة نصف قرن فحسب، وإنما لأنها تكشف كيف يمكن لخبرة فرد بدأت فوق سطح سفينة أن تتحول إلى مؤسسة، وكيف يمكن لهذه المؤسسة أن تنتقل بين الأجيال وهي تحمل معها تاريخًا كبيرًا، لكن أيضًا مسؤولية أكبر، وهي أن يكون المستقبل على قدر ما صنعه الماضي.

ففي البحر يمكن أن يتغير الربان، وتتغير السفينة، وتتطور أدوات الملاحة، لكن قيمة الاسم لا تنتقل بالوراثة وحدها، بل يجب أن تُكتسب من جديد مع كل سفينة، وكل شحنة، وكل رحلة.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>
دكتور يونيو - انضم لأكبر محرك بحث طبي عربي دوت ميديا - طور موقعك مجانًا