قناة السويس تحت المجهر.. ماذا يحدث لحركة السفن ومتى تعود الإيرادات إلى مستوياتها القوية؟

بعد أكثر من عامين على واحدة من أعنف الأزمات التي ضربت حركة الملاحة في البحر الأحمر، بدأت قناة السويس تُظهر إشارات واضحة على استعادة جزء من زخمها المفقود، لكن الطريق إلى استعادة الإيرادات القياسية لا يزال أطول من مجرد عودة عدد من السفن إلى العبور.
فالقناة تدخل النصف الثاني من عام 2026 في مرحلة يمكن وصفها بأنها “تعافٍ تدريجي تحت الاختبار”؛ شركات شحن كبرى بدأت بالفعل إعادة بعض خدماتها إلى مسار البحر الأحمر وقناة السويس، بينما لا تزال شركات أخرى تتعامل بحذر شديد مع المخاطر الأمنية، ما يجعل العودة الكاملة مرتبطة قبل أي شيء باستدامة الاستقرار في المنطقة.
من القمة إلى الصدمة
لفهم حجم التحدي الحالي، تكفي مقارنة وضع القناة قبل الأزمة بما حدث بعدها.
في عام 2023 سجلت قناة السويس أعلى إيرادات سنوية في تاريخها، بلغت نحو 10.25 مليار دولار، بالتزامن مع عبور 26,434 سفينة، وهو مستوى قياسي عكس المكانة الاستراتيجية للقناة في حركة التجارة العالمية.
لكن تصاعد الهجمات على السفن التجارية في البحر الأحمر منذ أواخر 2023 دفع العديد من شركات النقل البحري إلى تحويل مساراتها بعيدًا عن البحر الأحمر، والاتجاه إلى طريق رأس الرجاء الصالح حول جنوب أفريقيا.
والنتيجة كانت حادة؛ فقد انخفض عدد السفن العابرة للقناة في 2024 إلى 13,213 سفينة، مقابل 26,434 سفينة في 2023، بينما تراجعت الإيرادات إلى نحو 3.991 مليار دولار، بانخفاض يقارب 61% عن عام الذروة.
لم تكن المشكلة في قناة السويس نفسها، بل في الممر الملاحي الذي يسبقها.
فالسفينة التي تصل إلى قناة السويس من آسيا تحتاج إلى عبور باب المندب والبحر الأحمر أولًا، وبالتالي فإن ارتفاع المخاطر الأمنية في هذه المنطقة يجعل أقصر طريق تجاري بين آسيا وأوروبا أقل جاذبية بالنسبة لشركات النقل، حتى لو كانت القناة نفسها آمنة وتعمل بكامل طاقتها.
2026.. بداية التحول
البيانات الصادرة خلال عام 2026 تشير إلى أن منحنى الأزمة بدأ يتحرك في الاتجاه المعاكس.
فخلال الفترة من بداية يناير وحتى 8 فبراير 2026، عبرت 1,315 سفينة قناة السويس بحمولات صافية بلغت نحو 56 مليون طن، وحققت القناة إيرادات بلغت 449 مليون دولار، مقابل 1,243 سفينة وإيرادات قدرها 368 مليون دولار خلال الفترة المقابلة من 2025.
لكن الأهم من هذه الأرقام هو ما حدث لاحقًا مع شركات النقل العملاقة.
ففي يوليو 2026 بدأت ميرسك وهاباج-لويد تنفيذ عودة مرحلية لبعض خدماتهما إلى طريق البحر الأحمر وقناة السويس، بعدما كان جزء كبير من خدماتهما قد تحول إلى رأس الرجاء الصالح. وفي أغسطس توسعت العودة لتشمل خدمة إضافية ضمن شبكة Gemini.
وهنا تظهر نقطة شديدة الأهمية:
عودة السفن لا تحدث دفعة واحدة.
شركات الشحن تختبر الطريق أولًا، وتراقب مستوى المخاطر والتأمين وسلامة الطواقم وانتظام الرحلات، ثم توسع استخدامها للقناة إذا أثبت المسار استقراره.
وهذا تحديدًا ما يفسر لماذا تبدو عودة الملاحة الحالية تدريجية وليست قفزة مفاجئة.
ماذا تقول أرقام الربع الثاني؟
هناك مؤشر آخر أكثر وضوحًا على التعافي.
فبحسب بيانات منشورة في أغسطس، ارتفع عدد السفن العابرة لقناة السويس في الربع الثاني من 2026 إلى نحو 3,580 سفينة، مقابل 3,324 سفينة في الربع الأول، بزيادة قدرها 7.7%.
هذه الزيادة لا تعني أن القناة عادت إلى مستويات ما قبل الأزمة، لكنها تعني أن الاتجاه بدأ يتحول من الانكماش إلى النمو.
والفارق مهم جدًا.
فالسؤال لم يعد: هل تعود السفن؟
بل أصبح: بأي سرعة تعود، وهل تتحول العودة المؤقتة إلى تغيير دائم في خطط شركات الملاحة؟
لماذا لا تكفي عودة بعض السفن؟
لأن حركة القناة لا تعتمد فقط على عدد السفن.
هناك ثلاثة عناصر رئيسية تحدد الإيرادات:
أولًا: عدد السفن.
كلما عادت خطوط الحاويات الكبرى إلى استخدام القناة، ارتفع حجم الحركة والإيرادات.
ثانيًا: نوع السفن وحمولاتها.
عودة سفن الحاويات العملاقة والناقلات والسفن ذات الحمولات الكبيرة لها تأثير أكبر على الإيرادات من مجرد زيادة عدد السفن الصغيرة.
ثالثًا: استدامة المسار.
وهذه هي النقطة الأكثر حساسية.
شركة شحن لن تعيد بناء شبكة خدماتها بالكامل على قناة السويس إذا كانت تعتقد أن المسار قد يصبح خطرًا مرة أخرى بعد أسابيع.
ولهذا فإن الاستقرار الأمني المستدام قد يكون أهم من أي حافز سعري تقدمه قناة السويس.
ميزة القناة لم تختفِ
رغم الأزمة، لم تفقد قناة السويس ميزتها الأساسية.
فالطريق عبر البحر الأحمر وقناة السويس أقصر بكثير من الالتفاف حول أفريقيا، وهو ما يعني تقليل زمن الرحلة واستهلاك الوقود والتكاليف التشغيلية.
وتشير شركة ميرسك نفسها إلى أن العودة إلى المسار عبر السويس والبحر الأحمر يمكن أن تحسن زمن الرحلات بصورة كبيرة؛ ففي إحدى خدماتها، تصل وفورات زمن الرحلة إلى نحو 7 أيام في الاتجاه الغربي و14 يومًا في الاتجاه الشرقي.
وهذا يعني أن شركات الشحن لديها حافز اقتصادي قوي للعودة متى أصبح مستوى المخاطر مقبولًا.
بمعنى آخر:
الأزمة لم تُلغِ أهمية قناة السويس، وإنما رفعت تكلفة المخاطر المرتبطة باستخدامها.
وماذا عن الإيرادات؟
هنا تأتي الصورة الأكثر أهمية بالنسبة لمصر.
الإيرادات خلال السنة المالية 2025/2026 بلغت نحو 4.67 مليار دولار، بزيادة 23% عن السنة السابقة، وفق تصريحات رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع.
لكن هذا الرقم لا يزال بعيدًا جدًا عن مستوى 2023 القياسي البالغ 10.25 مليار دولار.
وبالتالي، فإن الحديث عن “التعافي” لا يعني أن القناة استعادت إيراداتها القديمة بالفعل.
الأدق هو القول إن:
مرحلة الهبوط الحاد انتهت، وبدأت مرحلة التعافي، لكن القناة لم تصل بعد إلى مرحلة استعادة كامل قوتها المالية.
متى يمكن أن تعود الإيرادات إلى مستويات قوية؟
هنا تقدم توقعات صندوق النقد الدولي مؤشرًا مهمًا.
فوفق أحدث تقديرات الصندوق، من المتوقع أن ترتفع إيرادات قناة السويس من نحو 6.3 مليار دولار في السنة المالية 2025/2026 إلى حوالي 8.2 مليار دولار في 2026/2027، ثم 9.9 مليار دولار في 2027/2028، و11.5 مليار دولار في 2028/2029، قبل أن تصل إلى نحو 11.9 مليار دولار في 2029/2030.
وهذا يقود إلى استنتاج مهم:
العودة إلى مستوى 10 مليارات دولار ليست بالضرورة قصة 2026.
إذا تحققت توقعات صندوق النقد، فإن تجاوز مستوى 10 مليارات دولار يبدو أقرب إلى 2028، بينما يمكن أن تتجاوز الإيرادات مستوى الذروة التاريخية المسجل في 2023 خلال الفترة التالية لذلك.
لكن هذه ليست مواعيد مضمونة؛ فهي توقعات تعتمد على عودة الملاحة واستقرار المنطقة وعدم حدوث صدمات جيوسياسية جديدة.
العامل الأخطر.. الأمن
حتى الآن، لا تزال شركات النقل البحري تضع الأمن على رأس قائمة الحسابات.
ميرسك أعلنت بوضوح أنها تراقب الوضع الأمني في الشرق الأوسط، وأنها تحتفظ بخطط طوارئ للعودة إلى طريق رأس الرجاء الصالح إذا تدهورت الأوضاع.
وهذا يعني أن العودة الحالية ليست “قرارًا نهائيًا”، وإنما عودة مشروطة بالاستقرار.
وفي أغسطس 2026، لا تزال التوترات في البحر الأحمر قائمة، مع استمرار مخاطر مرتبطة بهجمات على السفن والشحنات، وهو ما يبقي تكاليف التأمين والمخاطر التشغيلية مرتفعة.
وبالتالي فإن أي تصعيد جديد يمكن أن يعيد جزءًا من السفن إلى رأس الرجاء الصالح، ويؤخر عملية التعافي.
هل تستطيع قناة السويس تعويض جزء من خسائرها بطرق أخرى؟
نعم، وهذا أحد التطورات المهمة.
هيئة قناة السويس بدأت التوسع في تقديم خدمات بحرية ولوجستية إضافية، مثل الإنقاذ البحري والإسعاف البحري ومكافحة التلوث وخدمات صيانة وإصلاح السفن والتموين بالوقود.
الفكرة هنا هي الانتقال تدريجيًا من الاعتماد على رسوم العبور فقط إلى بناء منظومة خدمات بحرية متكاملة حول الممر الملاحي.
كما أن تطوير المجرى الملاحي يزيد قدرة القناة على التعامل مع السفن والحالات الطارئة، ويعزز قدرتها التنافسية على المدى الطويل.
السيناريوهات الثلاثة أمام قناة السويس
السيناريو الأول: عودة مستقرة
إذا استمر الاستقرار الأمني، وواصلت شركات الشحن إعادة خدماتها إلى البحر الأحمر، فمن المرجح أن تتسارع عودة السفن خلال 2026 و2027.
وفي هذه الحالة تصبح توقعات الوصول إلى إيرادات تقترب من 8 مليارات دولار ثم 10 مليارات دولار أكثر واقعية.
السيناريو الثاني: تعافٍ بطيء
إذا استمر الاستقرار بشكل جزئي فقط، فمن المحتمل أن تواصل الشركات العودة بخدمات محدودة، مع الاحتفاظ بخطط بديلة حول أفريقيا.
وهنا تستمر الإيرادات في التحسن، لكن بوتيرة أبطأ، وقد يتأخر الوصول إلى مستويات 2023.
السيناريو الثالث: انتكاسة أمنية
وهو السيناريو الأخطر.
أي موجة جديدة واسعة من استهداف السفن قد تدفع شركات النقل إلى إعادة توجيه الخدمات سريعًا إلى رأس الرجاء الصالح.
وفي هذه الحالة يمكن أن تتوقف عملية التعافي أو تتراجع مؤقتًا.
الخلاصة: القناة في طريق العودة.. لكن ليس إلى القمة بعد
المشهد الحالي لا يشير إلى قناة السويس “منهارة”، كما لا يسمح في الوقت نفسه بالقول إنها عادت إلى سابق عهدها.
الصورة الأكثر دقة هي أن قناة السويس دخلت بالفعل مرحلة التعافي.
صلاح البرلسي: ثورة 23 يوليو محطة وطنية خالدة ونستلهم منها قيم الانتماء والعمل من أجل مصر
ارتفاع حركة السفن خلال 2026، وزيادة الإيرادات، وعودة خدمات تابعة لشركات عملاقة مثل ميرسك وهاباج-لويد إلى المسار، كلها مؤشرات إيجابية.
لكن الطريق إلى مستوى الـ10 مليارات دولار سنويًا يحتاج إلى أكثر من زيادة مؤقتة في عدد السفن.
القناة تحتاج إلى استقرار أمني طويل الأجل يعيد الثقة إلى شركات الملاحة العالمية.
وبناءً على مسار البيانات الحالية وتوقعات صندوق النقد، فإن 2026 يبدو عام التعافي، و2027 عام الاقتراب من مستويات أقوى، بينما تبدو العودة إلى نطاق 10 مليارات دولار أو أكثر أقرب إلى 2028 وما بعدها، إذا استقرت الأوضاع ولم تحدث صدمات جيوسياسية جديدة.
وهنا تكمن المفارقة:
قناة السويس ليست بحاجة إلى إقناع العالم بأنها أقصر طريق بين آسيا وأوروبا؛ العالم يعرف ذلك بالفعل. ما تحتاجه الآن هو أن يقتنع بأن هذا الطريق أصبح آمنًا ومستقرًا بما يكفي للعودة إليه على نطاق واسع.
وهذا، في النهاية، هو المفتاح الحقيقي لعودة مليارات القناة.