من قلب نيودلهي.. مصر ترفع سقف طموحاتها وتعلن التطلع لرئاسة «بريكس»

لم تذهب مصر إلى نيودلهي لتجلس على مقعد جديد أضيف إلى طاولة القوى الصاعدة، فبعد أقل من ثلاثة أعوام على انضمامها إلى «بريكس»، رفعت القاهرة سقف طموحاتها وأعلنت من قلب القمة الثامنة عشرة للتجمع أنها تتطلع إلى الانتقال مستقبلاً من المشاركة في صناعة القرار إلى رئاسة الطاولة نفسها
الرئيس عبد الفتاح السيسي اختار توقيتًا بالغ الدلالة ليعلن تطلع مصر إلى تولي رئاسة «بريكس» في المستقبل القريب، في وقت يمر فيه النظام الدولي بمرحلة شديدة الاضطراب، وتتزايد فيه المطالب بإصلاح المؤسسات المالية الدولية ومنح الاقتصادات الناشئة والدول النامية مساحة أكبر في صناعة القرار العالمي
القاهرة ترفع سقف طموحاتها
إعلان السيسي لا يعني أن رئاسة مصر للتجمع أصبحت محسومة، فالصين أعلنت بالفعل أنها ستتولى رئاسة «بريكس» وتستضيف القمة التاسعة عشرة عام 2027، لكنه يكشف بوضوح حجم الطموح المصري داخل التجمع، ورسالة القاهرة بأنها لا تنظر إلى عضويتها باعتبارها مجرد إضافة إلى شبكة علاقاتها الخارجية، وإنما كمساحة يمكن من خلالها توسيع نفوذها الاقتصادي والسياسي داخل واحدة من أهم منصات القوى الصاعدة في العالم
والدلالة هنا تزداد قوة إذا وضعنا عامل الزمن في الاعتبار، فمصر انضمت رسميًا إلى «بريكس» في يناير 2024، واليوم تتحدث صراحة عن التطلع لرئاسة التجمع، وهو انتقال سريع نسبيًا في مستوى الطموح السياسي المصري داخل المجموعة
لماذا تراهن مصر على «بريكس»؟
القاهرة تنظر إلى التجمع باعتباره أكثر من مجرد منتدى سياسي، فـ«بريكس» توسع بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة وأصبح يضم مجموعة من أكبر الاقتصادات والأسواق الناشئة، ويمثل أكثر من 40% من سكان العالم ونحو ربع الناتج العالمي وفق حسابات أسعار الصرف، بينما ترتفع حصته بصورة أكبر عند القياس بتعادل القوة الشرائية
ومن هنا تصبح الحسابات المصرية مفهومة، فدولة تمتلك قناة السويس وتقع عند نقطة التقاء أفريقيا وآسيا وعلى مقربة مباشرة من أوروبا، وتحاول زيادة تدفقات الاستثمار وتنويع أسواق تجارتها ومصادر تمويل التنمية، ترى في تجمع بهذا الحجم فرصة تتجاوز حدود السياسة إلى ملفات التجارة والاستثمار والبنية التحتية والتمويل والتكنولوجيا
معركة إصلاح النظام المالي الدولي
لكن الرسالة الأبرز في كلمة الرئيس المصري لم تتوقف عند مسألة الرئاسة، إذ دعا السيسي إلى إصلاح الهيكل المالي الدولي، وطرح «بريكس» باعتباره فرصة لبناء منظومة اقتصادية دولية أكثر توازنًا وعدالة، وهي رؤية تتقاطع مع أحد المحاور الأساسية التي دفعت التجمع إلى توسيع حضوره خلال السنوات الماضية
القضية هنا ليست إعلان حرب على الدولار ولا خروجًا مصريًا من النظام المالي العالمي كما قد توحي بعض القراءات المتحمسة، وإنما محاولة لتوسيع البدائل وتقليل مخاطر الاعتماد المفرط على مركز مالي واحد، خصوصًا أن دول «بريكس» نفسها تبحث تطوير أنظمة دفع وتعزيز استخدام العملات المحلية في بعض المعاملات، بينما لا تزال بينها اختلافات واضحة بشأن سرعة ومدى الذهاب في هذا الاتجاه
قناة السويس.. ورقة مصر على طاولة الجنوب العالمي
وتدخل مصر إلى هذه المعادلة وهي تحمل واحدة من أهم أوراقها الجيوسياسية وهي الموقع
فالقاهرة ليست مجرد سوق كبيرة داخل أفريقيا والشرق الأوسط، وإنما تقع على واحد من أهم محاور حركة التجارة العالمية عبر قناة السويس، وتمتلك شبكة موانئ ومناطق اقتصادية ومشروعات بنية أساسية تسعى من خلالها إلى التحول من مجرد ممر للتجارة إلى مركز للخدمات اللوجستية والصناعة والتصدير
وهنا يمكن فهم أهمية الدور الذي تحاول القاهرة بناءه داخل «بريكس»، فمصر تستطيع تقديم نفسها كحلقة اتصال بين الاقتصادات الآسيوية والأسواق الأفريقية وممرات التجارة المتجهة نحو أوروبا والبحر المتوسط، وهو موقع يمنحها أوراقًا مهمة إذا نجحت في تحويل الجغرافيا إلى استثمارات وتجارة ومشروعات فعلية
بنك التنمية الجديد.. الاختبار الاقتصادي الحقيقي
أما الاختبار الأهم لجدوى عضوية مصر في «بريكس» فلن يكون في البيانات السياسية وحدها، وإنما في قدرة القاهرة على تحويل العضوية إلى مكاسب اقتصادية قابلة للقياس
ويأتي بنك التنمية الجديد في قلب هذه المعادلة، باعتباره أحد أبرز المؤسسات التي أنشأها «بريكس»، وقد موّل منذ تأسيسه مشروعات بعشرات المليارات من الدولارات، ما يجعله أحد المسارات التي تراهن عليها الاقتصادات الأعضاء لتوسيع بدائل تمويل التنمية والبنية التحتية
ومن ثم فإن نجاح التجربة المصرية لن يُقاس فقط بصورة الرئيس وسط قادة التجمع أو بعدد القمم التي تشارك فيها القاهرة، وإنما بحجم الاستثمارات التي تدخل مصر، والمشروعات التي تحصل على تمويل، وزيادة الصادرات، وتوسيع استخدام العملات المحلية عندما يكون ذلك اقتصاديًا مجديًا، وقدرة الشركات المصرية على الوصول إلى أسواق أعضاء التجمع
القاهرة لا تغادر الغرب.. لكنها توسع مساحة الحركة
وربما تكون هذه هي النقطة الأكثر أهمية في قراءة التحرك المصري
مصر لا تعلن انتقالها من معسكر دولي إلى آخر، ولا يبدو «بريكس» نفسه كتلة متجانسة معادية للغرب، فداخل التجمع دول تحتفظ بعلاقات استراتيجية واقتصادية واسعة مع الولايات المتحدة وأوروبا، وفي مقدمتها الهند والإمارات، بينما تختلف مصالح أعضائه وسياساتهم الخارجية بصورة كبيرة
وبالتالي فإن الرهان المصري يبدو أقرب إلى سياسة تنويع دوائر الحركة، علاقات مع واشنطن وأوروبا لا يتم التخلي عنها، وشراكات متنامية مع الصين وروسيا والهند والاقتصادات الصاعدة، وحضور أفريقي وعربي تسعى القاهرة إلى توظيفه لتعظيم قدرتها على المناورة وحماية مصالحها
«بريكس» نفسه أمام اختبار القوة
ورغم الصورة الضخمة للتجمع فإن الطريق ليس مفروشًا أمامه
التوسع الذي منح «بريكس» وزنًا سكانيًا واقتصاديًا أكبر أدخل إليه في الوقت نفسه مصالح متعارضة وحسابات سياسية مختلفة، وظهرت صعوبة التوفيق بين مواقف أعضائه بوضوح في عدد من الملفات الدولية، وهو ما يجعل الانتقال من «قوة الأرقام» إلى «قوة القرار» التحدي الحقيقي أمام التجمع
وقد عكست قمة نيودلهي نفسها هذا التعقيد، إذ احتاجت الدول الأعضاء إلى التوفيق بين مواقف مختلفة للوصول إلى إعلان مشترك في ظل صراعات دولية وإقليمية حادة، ومع ذلك نجحت في إصدار «إعلان نيودلهي» والدعوة إلى معالجة النزاعات عبر الحوار والدبلوماسية والتعددية
من العضوية إلى الطموح بالقيادة
لهذا فإن أهم ما خرجت به مصر من نيودلهي ربما لا يكون قرارًا اتُخذ بالفعل، وإنما طموحًا أُعلن للمرة الأولى بهذا الوضوح
القاهرة تقول إنها تريد في المستقبل القريب أن تنتقل إلى رئاسة تجمع أصبح أحد العناوين الرئيسية لتحولات النظام الدولي، لكن الطريق من إعلان الرغبة إلى امتلاك القدرة على القيادة يحتاج إلى أكثر من الخطابات
يحتاج إلى اقتصاد أكثر قدرة على التصدير وجذب الاستثمار، ودبلوماسية تستطيع التعامل مع التناقضات بين أعضاء التجمع، ورؤية مصرية واضحة لما يمكن أن تضيفه القاهرة إلى «بريكس» إذا وصلت إلى مقعد الرئاسة.
الصين ستتولى الرئاسة المقبلة في 2027، أما مصر فقد وضعت اسمها على طاولة المستقبل، ومن نيودلهي لم تعلن القاهرة أنها أصبحت قائد «بريكس» لكنها أعلنت شيئًا ربما يكون أكثر أهمية في هذه المرحلةأنها تريد أن تكون في الصف الذي يصنع قواعد اللعبة لا في الصف الذي ينتظر نتائجها.