رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

عيد أحمد عيد يكتب: حدود الاشتباه القانوني

أكثر كلمة يمكن أن تتسع حتى تبتلع الحريات هي كلمة «اشتباه» إذا تُركت بلا معيار. كل إنسان يمكن أن يبدو غريبًا لشخص آخر، وكل تصرف يمكن أن يُفسر بصورة مريبة إذا بحثنا بما يكفي عن تفسير سيئ. ولهذا لم يجعل القانون مجرد الشعور الشخصي أساسًا مفتوحًا للمساس بحرية الناس.

الاشتباه الذي يبرر الاستيقاف يجب أن يكون مرتبطًا بوقائع وظروف يمكن وصفها، لا بانطباع غامض. رجل السلطة يحتاج إلى أن يستطيع تفسير لماذا لفت الشخص انتباهه وما السلوك الذي استدعى التحري. هذا لا يعني أنه يجب أن تكون هناك جريمة مثبتة قبل السؤال؛ لو كانت الجريمة مثبتة لما كنا نتحدث عن اشتباه أصلًا. لكنه يعني أن هناك شيئًا موضوعيًا يتجاوز «لم يعجبني شكله».

القضاء المصري قدم على مدار عقود أمثلة مهمة. فقد اعتبر أن وضع الشخص نفسه طواعية في موضع الريبة قد يبرر استيقافه، لكنه في أحكام أخرى رفض اعتبار مجرد الارتباك أو التلفت أو محاولة الفرار في ظروف معينة مبررًا كافيًا إذا لم تكن الملابسات نفسها تنبئ عن جريمة.

وهنا تظهر طبيعة القانون: لا توجد معادلة حسابية تقول إن الجري يساوي اشتباهًا، أو إن الوقوف ليلًا يساوي جريمة، أو إن عدم حمل بطاقة في لحظة معينة يبيح تفتيشًا كاملًا. كل واقعة تُفهم في سياقها، والمحكمة تراقب ما إذا كانت النتيجة التي وصل إليها مأمور الضبط لها أساس منطقي وقانوني.

حدود الاشتباه مهمة أيضًا لمواجهة التمييز. لا يجوز أن يتحول الانتماء إلى حي معين، أو طريقة اللبس، أو العمر، أو اللهجة إلى سبب تلقائي لاعتبار شخص محل ريبة. المواطنون متساوون أمام القانون، والاشتباه الجنائي يجب أن يتعلق بسلوك وظروف واقعة لا بصورة نمطية عن فئة من الناس.

لكن الدفاع عن هذه الحدود لا يعني مطالبة الشرطة بالعمل وهي معصوبة العينين. رجل الشرطة موجود أصلًا ليلتقط العلامات التي قد لا يلاحظها المواطن العادي، ويحتاج إلى قدر مهني من التقدير. الفرق أن هذه السلطة تخضع للمساءلة؛ إذا تحول التقدير إلى إجراء يمس الحرية، يصبح من حق القضاء أن يسأل: على ماذا بُني؟

المواطن بدوره قد يفاقم الموقف بسلوك غير محسوب. إتلاف شيء، التخلص منه، إعطاء بيانات كاذبة، أو محاولة الاعتداء على رجل السلطة ليست طريقة لحماية الخصوصية، بل قد تخلق مبررات جديدة للإجراء. الهدوء وإثبات الاعتراض أفضل من صناعة واقعة جديدة.

وأنا أرى أن معيارًا بسيطًا يساعدنا في فهم الاشتباه المشروع: هل يمكن لشخص محايد أن يسمع الوقائع نفسها فيقول إن هناك سببًا منطقيًا للتحقق، أم أن كل ما لدينا هو إحساس شخصي؟ كلما اقتربنا من الوقائع، اقتربنا من القانون.

الاشتباه ضرورة في عمل الشرطة، لكنه يصبح خطرًا إذا تحول إلى هوية تلتصق بالأشخاص. القانون لا يفترض أن المواطن مذنب ثم يطالبه بإثبات براءته في الطريق. الأصل هو الحرية، والاستيقاف استثناء محدود، والقبض استثناء أكبر يحتاج إلى أساس أكبر. هذا التدرج هو ما يحمي المجتمع من الجريمة ويحميه في الوقت نفسه من أن تتحول مكافحة الجريمة إلى سلطة بلا حدود.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>