صفي الدين أبو شناف.. «شيخ العرب» الذي كسر إسرائيل

لم يكن صفي الدين أبو شناف اسما عابرا في دفتر حرب أكتوبر، بل كان واحدا من الرجال الذين دخلوا النار وهم يحملون في صدورهم مرارة النكسة وخرجوا منها وهم يكتبون صفحة من أنصع صفحات النصر، ابن المنيا الذي صقلته ميادين القتال من سيناء إلى القناة لم يعرف طريقا غير المواجهة، ولم يتعلم القيادة من وراء المكاتب، بل من أصوات المدافع ورائحة البارود ولحظات القرار التي لا تحتمل التردد.
وفي أكتوبر 1973 كان «شيخ العرب» في قلب المواجهة، يقود رجاله وسط أشرس الهجمات المدرعة الإسرائيلية، ويتقدم في ساحة امتلأت بالنيران والدبابات والجثث، بينما كانت القوات المصرية تعيد رسم خريطة القوة في المنطقة وتكسر أسطورة الجيش الذي قيل يوما إنه لا يقهر، ومن بين تلك المعارك خرج اسم اللواء 117 مشاة ميكانيكي ليرتبط بإحدى أشهر وقائع الحرب وهي معركة الفردان وأسر عساف ياجوري.
لم تتوقف حكاية أبو شناف عند نصر أكتوبر، فقد واصل صعوده من ميادين القتال إلى مواقع القيادة حتى أصبح قائدا للجيش الثاني الميداني ثم رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة المصرية، لتصبح رحلته من قرية صفط بالمنيا إلى قمة المؤسسة العسكرية سيرة استثنائية لرجل عاش الهزيمة وشارك في صناعة النصر وبقي اسمه محفورا في ذاكرة الوطن.
من صفط بالمنيا بدأت الحكاية
ولد صفي الدين أبو شناف عام 1931 بقرية صفط الغربية التابعة لمركز المنيا، ونشأ في بيئة صعيدية شكلت شخصيته منذ الصغر قبل أن يختار طريق العسكرية ويلتحق بالكلية الحربية ويتخرج فيها عام 1953، لتبدأ رحلة طويلة داخل القوات المسلحة امتدت لعقود وشهدت محطات شديدة الأهمية في تاريخ مصر الحديث.
ومنذ سنوات خدمته الأولى انتمى إلى سلاح المشاة وتدرج في المواقع القيادية المختلفة، ولم تكن خبرته وليدة المكاتب أو الدراسات العسكرية فقط، بل جاءت من ميادين القتال الفعلية ومن العمل وسط الجنود والضباط في ظروف شديدة الصعوبة، وهو ما صقل شخصيته العسكرية ومهد له الطريق نحو مواقع القيادة الكبرى.
ضابط شاب في حرب 1956
دخل أبو شناف أجواء الحرب مبكرا عندما شارك وهو ضابط شاب في حرب 1956 خلال العدوان الثلاثي على مصر، وكانت سيناء وممراتها الاستراتيجية واحدة من ساحات المواجهة التي اكتسب فيها أولى خبراته الحقيقية في القتال ومواجهة القوات المعادية.
وكانت هذه التجربة بداية لتكوين ضابط ميداني يدرك طبيعة الأرض وقيمة القرار في لحظات الخطر، كما منحته الحرب الأولى خبرة مبكرة في التعامل مع ظروف القتال الصعبة، لتصبح مقدمة لمسيرة طويلة عاش خلالها معظم الحروب الكبرى التي خاضتها مصر خلال النصف الثاني من القرن العشرين.
عاش النكسة واستعد للثأر
في حرب يونيو 1967 كان أبو شناف برتبة رائد أركان حرب، وعاش مع بقية أبناء القوات المسلحة مرارة النكسة وما ترتب عليها من فقدان سيناء، وهي اللحظة التي تركت أثرا عميقا في جيل كامل من الضباط والجنود المصريين الذين وجدوا أنفسهم أمام مهمة استعادة الأرض والكرامة.
ولم تكن الهزيمة نهاية الطريق بالنسبة إلى هذا الجيل، بل تحولت إلى بداية مرحلة إعادة بناء الجيش المصري على أسس جديدة، وشارك أبو شناف في تلك المرحلة التي تضمنت التدريب المستمر ورفع الكفاءة القتالية وإعادة تنظيم الوحدات استعدادا للمواجهة التي كان الجميع ينتظرها.
حرب الاستنزاف.. المدرسة التي صنعت رجال أكتوبر
شارك أبو شناف في حرب الاستنزاف وتولى قيادة كتيبة مشاة بمنطقة القنطرة غرب، حيث كانت المواجهات اليومية مع القوات الإسرائيلية مدرسة حقيقية للقتال واختبارا دائما لقدرة الجنود والضباط على الصمود تحت القصف والاشتباكات المتواصلة.
وخلال سنوات الاستنزاف استعاد الجيش المصري تدريجيا ثقته بنفسه واكتسب ضباطه وجنوده خبرة قتالية واسعة في العبور والإغارة والاستطلاع والتعامل مع مواقع العدو، وهي الخبرة التي أصبحت فيما بعد واحدة من أهم ركائز الاستعداد لحرب أكتوبر ونجاح القوات المصرية في تنفيذ عملية العبور.
أكتوبر.. أبو شناف في قلب النار
عندما اندلعت حرب أكتوبر كان صفي الدين أبو شناف برتبة عقيد أركان حرب ويشغل منصب رئيس أركان اللواء 117 مشاة ميكانيكي بقيادة العميد حمدي الحديدي، وكان اللواء ضمن التشكيلات التي شاركت في العمليات القتالية على الجبهة خلال الأيام الأولى للحرب.
ومع اشتداد المعارك وإصابة قائد اللواء تولى أبو شناف القيادة في توقيت شديد الحساسية، لتواصل قوات اللواء قتالها وسط محاولات إسرائيلية متكررة لشن هجمات مضادة وإيقاف تقدم القوات المصرية، وكان القرار السريع والقدرة على السيطرة على الوحدات في تلك اللحظات من العناصر الحاسمة في استمرار القتال.
وشهدت منطقة عمليات اللواء مواجهات مدرعة عنيفة، إذ حاولت القوات الإسرائيلية استعادة زمام المبادرة بعد نجاح القوات المصرية في عبور قناة السويس وتحطيم خط بارليف وتثبيت رؤوس الكباري شرق القناة، إلا أن القوات المصرية نجحت في التصدي لعدد من هذه الهجمات وإيقاع خسائر بالقوات المهاجمة.
معركة الفردان وأسر عساف ياجوري
ارتبط اسم اللواء 117 بواحدة من أشهر وقائع حرب أكتوبر وهي معركة الفردان وأسر الضابط الإسرائيلي عساف ياجوري بعد تحطيم القوة المدرعة التي كان يقودها، وهي الواقعة التي تحولت لاحقا إلى واحدة من أشهر الصور الرمزية لنصر أكتوبر.
والأدق تاريخيا أن تنفيذ عملية الأسر ميدانيا تم على يد النقيب يسري عمارة ورجاله، بينما كان أبو شناف أحد قيادات اللواء 117 في تلك المعركة قبل أن يتولى قيادة اللواء عقب إصابة قائده، وهو ما جعل اسم اللواء وقياداته مرتبطا بصورة مباشرة بهذه الصفحة الشهيرة من صفحات الحرب.
وأصبح ظهور ياجوري أسيرا في يد القوات المصرية مشهدا شديد الدلالة في ذلك الوقت، بعد سنوات من الدعاية الإسرائيلية التي صورت جيشها باعتباره قوة لا تقهر، لتأتي معارك أكتوبر وتكشف قدرة المقاتل المصري على مواجهة المدرعات الإسرائيلية وتدميرها وأسر قياداتها.
من قائد في أكتوبر إلى قيادة الجيش الثاني
بعد انتهاء الحرب واصل أبو شناف مسيرته العسكرية وتولى عددا من المناصب القيادية المهمة داخل القوات المسلحة، مستفيدا من خبرته الطويلة في سلاح المشاة ومن مشاركته في الحروب المتتالية التي خاضتها مصر.
قاد الفرقة السابعة مشاة ثم تولى رئاسة أركان الجيش الثاني الميداني قبل أن يصبح قائدا للجيش الثاني الميداني الذي يعد أحد أكبر وأهم التشكيلات القتالية بالقوات المسلحة المصرية، وهي مناصب عكست الثقة الكبيرة في خبرته وقدراته القيادية.
كما تولى رئاسة هيئة التنظيم والإدارة بالقوات المسلحة واستمر في الترقي داخل هرم القيادة العسكرية، لتتحول مسيرته من قائد ميداني في ساحات القتال إلى أحد كبار قادة المؤسسة العسكرية المصرية.
ابن المنيا يصل إلى رئاسة أركان الجيش
في أكتوبر 1987 وصل صفي الدين أبو شناف إلى واحدة من أعلى درجات القيادة العسكرية في الدولة عندما تولى منصب رئيس أركان حرب القوات المسلحة المصرية، وهو المنصب الذي يمثل قمة المسار المهني لأي قائد عسكري بعد سنوات طويلة من الخدمة والتدرج في المناصب.
وظل في موقعه حتى عام 1991، لتصبح رحلته من قرية صفط الغربية بمحافظة المنيا إلى رئاسة أركان الجيش واحدة من أبرز محطات حياته وتجسيدا لمسيرة ضابط بدأ طريقه في سلاح المشاة ثم وصل إلى أعلى دوائر القيادة بالقوات المسلحة.
حاضر أيضا في حرب تحرير الكويت
لم تكن حرب أكتوبر آخر الحروب الكبرى في حياة أبو شناف، فقد كان رئيسا لأركان حرب القوات المسلحة خلال مشاركة مصر في حرب تحرير الكويت عام 1991، وهي المشاركة التي جاءت ضمن التحالف العربي والدولي الذي خاض العمليات العسكرية لإخراج القوات العراقية من الكويت.
وبحكم منصبه شارك أبو شناف في عملية إعداد وتجهيز القوات المصرية المشاركة وتنظيم تحركها إلى مسرح العمليات، كما كان من القيادات العسكرية المسؤولة عن متابعة الاستعداد القتالي والوضع الميداني للقوات المصرية خلال واحدة من أبرز العمليات العسكرية العربية في بداية التسعينيات.
أوسمة حملت تاريخ سنوات القتال
خلال مشواره العسكري الطويل حصل الفريق صفي الدين أبو شناف على عدد من الأوسمة والأنواط تقديرا لخدمته ومشاركته في الحروب المختلفة، كما ارتبط اسمه بتكريمات عسكرية جاءت انعكاسا لمسيرة امتدت منذ خمسينيات القرن الماضي وحتى بداية التسعينيات.
ولم تكن تلك الأوسمة مجرد تكريم شخصي، بل كانت شاهدا على عقود من الخدمة العسكرية المتواصلة التي بدأت من ميادين القتال وانتهت في أعلى مستويات القيادة داخل القوات المسلحة المصرية.
رحيل «شيخ العرب»
في 11 مارس 2018 رحل الفريق صفي الدين أبو شناف بعد مسيرة عسكرية حافلة امتدت لعقود، تاركا خلفه تاريخا طويلا من المشاركة في الحروب والقيادة داخل واحدة من أهم مؤسسات الدولة المصرية.
وشيع في جنازة عسكرية مهيبة تقدمها الرئيس عبد الفتاح السيسي وعدد من كبار قادة القوات المسلحة وكبار المسؤولين، في مشهد عكس مكانته في تاريخ العسكرية المصرية وما قدمه خلال سنوات خدمته الطويلة.
وبعد الجنازة العسكرية انتقل جثمانه إلى مسقط رأسه بمحافظة المنيا، حيث خرج أهالي قرية صفط الغربية وأبناء المحافظة لتوديع أحد أشهر أبنائها، في جنازة شعبية جسدت ارتباط أهل المنيا بالقائد الذي ظل اسمه حاضرا في ذاكرة المحافظة.
المنيا تخلد اسم بطلها
بعد رحيله حرصت محافظة المنيا على تخليد اسم الفريق صفي الدين أبو شناف بإطلاق اسمه على عدد من المنشآت والميادين، من بينها ميدان كوبري النيل بمدينة المنيا والمدرسة الثانوية العسكرية، تقديرا لمسيرته ودوره في خدمة القوات المسلحة والوطن.
كما حمل محور سمالوط الجديد اسم «محور الفريق صفي الدين أبو شناف»، ليبقى اسم الرجل حاضرا على واحد من أهم المحاور التنموية بالمحافظة، في رسالة تؤكد أن سيرة أبطال الوطن لا تنتهي برحيلهم بل تبقى جزءا من ذاكرة المكان والأجيال الجديدة.
من الهزيمة إلى النصر
قصة صفي الدين أبو شناف ليست قصة رتبة أو منصب فقط، وإنما حكاية جيل كامل عاش حرب 1956 وذاق مرارة يونيو 1967 وخاض حرب الاستنزاف ثم دخل حرب أكتوبر وهو يحمل هدفا واحدا هو استعادة الأرض والثقة والكرامة.
ظل «شيخ العرب» طوال حياته ابنا لميادين القتال قبل أن يصبح رئيسا لأركان الجيش المصري، لذلك بقي اسمه مرتبطا في ذاكرة أبناء المنيا وأبطال أكتوبر بصورة القائد الذي بدأ من صفط ومر بخنادق سيناء ووصل في النهاية إلى أعلى مواقع القيادة العسكرية، ليترك وراءه سيرة تستحق أن تروى جيلا بعد جيل.