
هناك معارك نخوضها كل يوم دون أن يراها أحد.
نجلس في هدوء، بينما داخل رؤوسنا ضجيج لا يتوقف. نستعيد موقفًا انتهى منذ أيام، ونحلل كلمة قيلت لنا ربما لم يقصد صاحبها نصف ما فهمناه، ونتخيل حوارًا لم يحدث، ونستعد لمعركة قد لا تأتي أبدًا.
هذا هو التفكير الزائد.
ذلك الضيف الذي يدخل العقل دون استئذان، ثم يرفض المغادرة.
في البداية، يبدو الأمر طبيعيًا. نفكر لأننا نريد أن نفهم، ونحلل لأننا نبحث عن إجابة، ونراجع ما حدث لأننا نخشى تكرار الخطأ. لكن المشكلة تبدأ حين لا يقودنا التفكير إلى شيء، وحين ندور في الدائرة نفسها مرارًا، نعود إلى السؤال ذاته، ونبحث عن إجابة لا نملك الوصول إليها.
هناك فرق كبير بين التفكير الذي يساعدنا على الحل، والتفكير الذي يستهلكنا دون أن يمنحنا شيئًا.
كم مرة أرهقتنا كلمة عابرة؟
وكم مرة سألنا أنفسنا: ماذا كان يقصد؟ ولماذا قال ذلك؟ وهل كان يجب أن أرد بطريقة أخرى؟
نعود إلى الموقف، نعيد تفاصيله، نغير الكلمات في خيالنا، ونرسم ردودًا أكثر قوة وذكاءً، وكأن الزمن سيعود فقط لأننا لم نتوقف عن التفكير فيه.
لكنه لا يعود.
ثم يأتي المستقبل، بمساحته الواسعة والمجهولة، فنبدأ في ملئها بالخوف. ماذا لو حدث كذا؟ وماذا لو فشلت؟ وماذا لو تغير كل شيء؟ وماذا لو لم أستطع؟
أسئلة كثيرة، واحتمالات أكثر، ومعظمها لم يحدث أصلًا.
نحن أحيانًا نتعب من أحداث لم تقع.
نعيش الحزن قبل وصوله، ونخاف من الخسارة قبل أن نخسر، ونقف أمام أبواب مغلقة رسمناها بأنفسنا، ثم نقنع أنفسنا أن الطريق انتهى.
والحقيقة أن العقل لا يتوقف عن التفكير لأنه يخاف علينا. يريد أن يجد الحل، أن يتوقع الخطر، وأن يمنع الألم قبل حدوثه. لكنه حين يبالغ في ذلك، يتحول من مساحة للحماية إلى غرفة لا تهدأ.
غرفة مليئة بالأصوات والأسئلة والذكريات والاحتمالات.
والأصعب أننا نعتقد أحيانًا أن التفكير أكثر سيمنحنا سيطرة أكبر، بينما الحقيقة أن هناك أشياء في الحياة لا يمكن السيطرة عليها مهما أرهقنا عقولنا.
لا نستطيع تغيير ما مضى.
ولا نستطيع معرفة كل ما سيأتي.
ولا يمكننا أن نفهم دائمًا لماذا تصرف شخص بطريقة معينة، أو لماذا حدثت بعض الأشياء على غير ما تمنينا.
بعض الإجابات لا تأتي لأننا فكرنا أكثر.
وأحيانًا، لا تأتي الإجابة أصلًا.
وهنا ربما تكون الراحة الحقيقية في أن نتعلم التوقف قليلًا.
أن نمنح عقولنا فرصة للصمت.
أن نقبل أن بعض الأسئلة يمكن أن تبقى معلقة، وأن بعض الأمور ستتضح في وقتها، وأن المستقبل ليس مطلوبًا منا أن نعيشه اليوم.
نحتاج أحيانًا إلى أن نعود إلى اللحظة التي نعيشها بدلًا من السفر المستمر بين ماضٍ انتهى ومستقبل لم يصل.
فالحياة تحدث الآن.
واللحظة التي نقضيها في التفكير في كل ما كان يمكن أن يحدث، هي لحظة نخسرها من شيء يحدث بالفعل أمامنا.
ليس المطلوب أن نتوقف عن التفكير، فهذا مستحيل، وربما ليس صحيًا أيضًا.
المطلوب فقط أن نعرف متى يصبح التفكير مفيدًا، ومتى يتحول إلى عبء.
أن نسأل أنفسنا: هل سيقودني هذا التفكير إلى خطوة؟ أم أنه مجرد دائرة أعيدها للمرة العاشرة؟
ربما لا نملك دائمًا القدرة على إيقاف الأفكار، لكننا نملك أن نقرر كم من الوقت سنمنحها، وكم من المساحة ستأخذها داخلنا.
ليس كل ما يدور في رؤوسنا حقيقة، وليس كل ما نخاف منه سيحدث، وليس كل سؤال يحتاج إلى إجابة الآن.
فبعض الأفكار مجرد عابرة طريق…
لكننا نرهق أنفسنا حين نمنحها مفتاح البيت، ونطلب منها أن تسكن داخل عقولنا إلى الأبد.





