مساحة رأي

محمود أبو السعود يكتب: نحن لا نعاني من نقص المعلومات.. بل من فوضى المعلومات

✍️ كتب: رشيدة بدر

في زمن تتحرك فيه الأخبار أسرع من قدرتنا على استيعابها، لم يعد السؤال الحقيقي هو: ماذا حدث؟ بل أصبح السؤال الأصعب: كيف عرفنا ما حدث، ومن الذي دفعنا إلى تصديقه، ولماذا اخترنا رواية دون أخرى؟ هذا هو المدخل الذي يفرض نفسه أمام قضية «نحن لا نعاني من نقص المعلومات.. بل من فوضى المعلومات». فالمشهد الإعلامي لم يعد كما كان، والقارئ لم يعد يقف في نهاية السلسلة ليتلقى الخبر، بل أصبح جزءًا من إنتاجه وتداوله وتفسيره.

لقد أصبح المعلومات جزءًا من حياتنا اليومية بطريقة لم تكن مألوفة قبل سنوات قليلة. الخبر يصل إلى الهاتف في اللحظة نفسها التي يقع فيها الحدث، ثم تبدأ التعليقات والمشاركات والتفسيرات قبل أن تتوافر أحيانًا التفاصيل الكاملة. وفي هذه المسافة القصيرة بين وقوع الحدث واكتمال المعلومات، تتشكل الانطباعات الأولى، وهي غالبًا الانطباعات التي يصعب تغييرها لاحقًا حتى عندما تظهر حقائق جديدة.

المشكلة لا تكمن في السرعة وحدها، وإنما في أن السرعة أصبحت معيارًا للقيمة. كلما كان المحتوى أسرع انتشارًا، بدا لكثيرين أنه أكثر أهمية، مع أن العلاقة بين الانتشار والدقة ليست علاقة طردية. قد ينتشر خبر لأنه صادم، أو لأنه يوافق اعتقادًا سابقًا، أو لأنه يثير الغضب والخوف، بينما يظل الخبر الأكثر دقة أقل حضورًا لأنه يحتاج إلى قراءة وتفكير ومقارنة.

وهنا تظهر مسؤولية القارئ. لم تعد مهنة التحقق مقصورة على الصحفي وحده، وإن ظل الصحفي صاحب الدور الأساسي في التدقيق والسياق والمساءلة. القارئ أيضًا يحتاج إلى قدر من الوعي يجعله يسأل: ما المصدر؟ ما الدليل؟ هل هذه معلومة أم رأي؟ هل الصورة تخص الحدث فعلًا؟ وهل العنوان يشرح القصة أم يستغل فضولي؟ هذه الأسئلة البسيطة يمكن أن تمنع قدرًا كبيرًا من التضليل.

أما فوضى المعلومات فلا تُحل بكثرة النشر، بل بجودة ما ننشره. عندما تتحول المنصات إلى ساحات للتنافس على الانتباه، يصبح المحتوى الذي يثير الانفعال أكثر قدرة على الوصول من المحتوى الذي يقدم تفسيرًا هادئًا. لذلك تحتاج المؤسسات الإعلامية إلى استعادة قيمة التحقيق والتحرير والمراجعة، ويحتاج الجمهور إلى مكافأة المحتوى المسؤول بدلًا من منح الانتشار تلقائيًا لكل ما يثيره.

والأخطر أن الخوارزميات لا تقدم لنا العالم كما هو، بل تقدم نسخة من العالم تتأثر بما نقرأه ونشاهده ونتفاعل معه. قد يعيش شخصان الحدث نفسه، لكن كل واحد منهما يرى حوله سلسلة مختلفة من الأخبار والتعليقات والمقاطع، فيخرج كل منهما بصورة تبدو له مكتملة. ومن هنا يتسع الخلاف، ليس لأن الحقيقة أصبحت متعددة بالضرورة، وإنما لأن طرق الوصول إليها أصبحت متباعدة.

في هذا السياق، تصبح الصحافة الجادة ضرورة وليست رفاهية. وظيفة الصحفي ليست أن يكون أول من يكتب فقط، بل أن يكون من يساعد الناس على فهم ما يقرأون. الفرق بين خبر وآخر قد يكون في سطر يوضح السياق، أو مصدر مستقل يؤكد معلومة، أو اعتراف واضح بما لا نعرفه بعد. وهذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الثقة على المدى الطويل.

كذلك يجب أن نتوقف عن التعامل مع الاختلاف باعتباره دليلًا على سوء النية. المجتمع الطبيعي لا يحتاج إلى نسخة واحدة من الرأي، لكنه يحتاج إلى قواعد مشتركة للنقاش: احترام الوقائع، الاعتراف بالخطأ، وعدم تحويل الخصومة إلى إهانة. عندما نختلف حول تفسير حدث، يمكن أن نراجع الأدلة. أما عندما يصبح الخلاف حول وجود الحقيقة نفسها، فإن المجال يصبح مفتوحًا للفوضى.

إن قدرة القارئ على التمييز لن يتوقف، ولن تعود الحياة إلى زمن كانت فيه الأخبار تصل ببطء وتظل في يد عدد محدود من المؤسسات. المطلوب ليس محاربة السرعة، وإنما تعلم التعامل معها. نحتاج إلى صحافة تعرف متى تسرع ومتى تتأنى، وقارئ يعرف متى يشارك ومتى ينتظر، ومنصات تدرك أن مسؤوليتها لا تنتهي عند زيادة عدد المشاهدات.

وفي النهاية، لا يمكن بناء رأي عام صحي بمجرد زيادة كمية المعلومات. ما نحتاجه هو بيئة تحترم الحقيقة، حتى عندما تكون أقل إثارة، وتحترم الإنسان حتى عندما يختلف، وتحاسب من يخطئ بدلًا من مكافأته بالانتشار. فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التمييز بين الخبر والرأي، وبين الدليل والانطباع، لا يخسر معركة إعلامية فقط؛ بل يخسر جزءًا من قدرته على اتخاذ قراراته بوعي.

وربما تكون الرسالة الأهم أن الحقيقة لا تحتاج إلى ضجيج كي تكون حقيقة، كما أن الرأي لا يصبح صحيحًا لمجرد أن آلاف الأشخاص كرروه. نحن أمام مسؤولية مشتركة بين الكاتب والصحفي والقارئ والمنصة: أن نعيد للكلمة وزنها، وللمعلومة شروطها، وللاختلاف مكانه الطبيعي. وحين نفعل ذلك، يصبح المعلومات وسيلة لفهم المجتمع لا أداة لدفعه إلى مزيد من الانقسام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى