مساحة رأي

محمود أبو السعود يكتب: بين شهرة الكاتب وقيمة ما يكتب

✍️ كتب: خاص – يونيو نيوز

ليست المجتمعات مجرد مجموعة من الأخبار التي تتناقلها، ولا مجموعة من الآراء التي تتصارع على المنصات، المجتمع في حقيقته مساحة مشتركة تتشكل فيها الأفكار والقيم والقرارات، ولذلك فإن السؤال حول شهرة الكاتب لا يمكن اختزاله في موقف عابر أو نقاش على وسائل التواصل. القضية أعمق من ذلك؛ لأنها تتعلق بالطريقة التي نفهم بها أنفسنا، ونرى بها الآخرين، ونقرر من يستحق أن يُسمع ومن يجب أن يُهمش.

لطالما كانت شهرة الكاتب جزءًا أساسيًا من حياة الناس، لكن أدواتها تغيرت بصورة هائلة، في الماضي كان الوصول إلى الجمهور يمر عبر مؤسسات محددة، أما اليوم فأصبح الهاتف قادرًا على تحويل فكرة صغيرة إلى حديث عام خلال ساعات، هذا التحول منح الناس فرصة أكبر للتعبير، لكنه في الوقت نفسه جعل مسؤولية التعامل مع الكلمة أكثر تعقيدًا، لأن الكلمة لم تعد تقف عند حدود صاحبها، بل يمكن أن تصل إلى آلاف أو ملايين الأشخاص في لحظة واحدة.

المشكلة تبدأ عندما نخلط بين الحق في الكلام والحق في أن تكون كل كلمة صحيحة أو عادلة، شهرة الكاتب حق أصيل، لكن ممارسته لا تعني إسقاط المسؤولية، الإنسان يستطيع أن يختلف، وينتقد، ويعترض، بل وأن يغيّر رأيه، لكن عليه أن يدرك أن أثر الكلمة قد يبقى طويلًا بعد انتهاء لحظة الانفعال التي كُتبت فيها، ولذلك فإن المسؤولية ليست قيدًا على الحرية، وإنما هي ما يجعل الحرية قابلة للحياة داخل المجتمع.

وفي زمن قيمة الكتابة تصبح المسألة أكثر حساسية، فالناس لا يستقبلون الأحداث من مصدر واحد، بل من عشرات المصادر في الوقت نفسه، وكل مصدر يقدم زاوية مختلفة، ومع كثرة الروايات قد يبدو أحيانًا أن الحقيقة نفسها تتغير، بينما الذي تغير في الواقع هو طريقة عرضها وتفسيرها، هنا تظهر الحاجة إلى التفكير الهادئ، وإلى القدرة على الفصل بين الوقائع والتعليقات، وبين ما نعرفه وما نظنه.

أما المصداقية فتحتاج إلى مواجهة مباشرة، لا بالشعارات وإنما بالممارسة اليومية، الصحفي مطالب بالتحقق، والكاتب مطالب بالإنصاف، والقارئ مطالب بألا يحول المشاركة إلى فعل تلقائي، والمنصة الرقمية مطالبة بألا تجعل الإثارة هي المعيار الوحيد للانتشار، وإذا غابت هذه المسؤوليات مجتمعة، يصبح المجال العام أكثر ضجيجًا وأقل قدرة على إنتاج معرفة حقيقية.

هناك أيضًا مشكلة أخرى تتعلق بالاستقطاب، عندما يعتاد الإنسان أن يسمع فقط من يشبهه، يبدأ في تفسير أي رأي مخالف باعتباره تهديدًا، ومع الوقت لا يعود النقاش بحثًا عن الحقيقة أو المصلحة العامة، وإنما يتحول إلى معركة لإثبات الانتصار، وهنا يخسر الجميع؛ لأن الفكرة الجيدة قد تأتي من شخص نختلف معه، والنقد الصادق قد يكون أكثر فائدة من المديح الذي نحب سماعه.

المجتمع الصحي لا يحتاج إلى إجماع دائم، بل يحتاج إلى مساحة تسمح بالاختلاف دون أن يتحول الاختلاف إلى خصومة شخصية، وهذا يتطلب لغة جديدة في النقاش، لغة تعترف بأن الإنسان قد يخطئ، وأن الاعتذار ليس هزيمة، وأن مراجعة الموقف ليست ضعفًا، بل إن القدرة على تغيير الرأي عندما تتغير الأدلة واحدة من أهم علامات النضج.

ومن هنا يمكن فهم أهمية شهرة الكاتب باعتبارها وسيلة لبناء الوعي، لا مجرد وسيلة للتعبير، الصحافة الجادة مثلًا لا تكتفي بإخبار الناس بما حدث، وإنما تساعدهم على فهم لماذا حدث، وما نتائجه، وما الذي لا نعرفه بعد. والكاتب المسؤول لا يكتفي بإطلاق موقف قوي، بل يحاول أن يترك للقارئ مساحة للتفكير، حتى لو انتهى القارئ إلى نتيجة مختلفة.

نحن بحاجة إلى استعادة قيمة التمهل في عالم يكافئ السرعة، ليس كل ما يصل إلينا يستحق المشاركة، وليس كل ما يحصد آلاف المشاهدات يستحق الثقة، وليس كل صاحب جمهور صاحب حجة، أحيانًا يكون أكثر المواقف نضجًا أن نقول لا أعرف بعد، وأحيانًا تكون أفضل خدمة نقدمها للحقيقة هي أن ننتظر حتى تكتمل الصورة قبل أن نصدر حكمًا نهائيًا.

وفي النهاية، فإن مستقبل المجال العام لن تحدده التكنولوجيا وحدها، الأدوات تتغير، لكن قيمة الصدق والإنصاف والاحترام تظل ثابتة، إذا أردنا مجتمعًا قادرًا على التطور، فعلينا أن نحافظ على حق الجميع في الكلام، وأن نرفع في الوقت نفسه قيمة المسؤولية، فالحرية التي بلا مسؤولية قد تتحول إلى فوضى، والمسؤولية التي بلا حرية قد تتحول إلى صمت، وبين الاثنين توجد المساحة التي يمكن أن يعيش فيها النقاش الحقيقي.

وربما تكون الخلاصة الأهم أن المجتمع لا يخسر عندما يختلف أبناؤه، بل يخسر عندما يصبح الاختلاف سببًا لمنع الكلام أو تشويه صاحبه، نحن بحاجة إلى أصوات متعددة، وإلى صحافة تحترم عقل القارئ، وإلى كتاب يعرفون أن شهرة اللحظة لا تساوي قيمة الفكرة، وفي كل ذلك تبقى شهرة الكاتب اختبارًا حقيقيًا لقدرتنا على أن نكون مجتمعًا يسمع بعضه بعضًا، ويختلف دون أن يفقد احترامه للحقيقة أو للإنسان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى