مساحة رأي

«النمبر وان».. كيف صفقنا للضجيج طويلًا حتى صدقنا أنه فن؟

لم يكن حفل محمد رمضان في الساحل الشمالي مجرد ليلة غنائية صاخبة يمكن أن نختلف حولها بين معجب ومنتقد ثم ينتهي الأمر، بل كان مشهدًا كاشفًا ومزعجًا لما وصل إليه جزء من الذوق العام، مشهدًا يدفعك إلى السؤال بغضب كيف وصلنا إلى هنا؟ كيف أصبح الضجيج نجاحًا، والاستعراض فنًا، وعدد المشاهدات شهادة جودة، والسيارة الفارهة جزءًا من العرض، والصراخ باسم الفنان دليلًا على قيمته؟ ومتى توقفنا عن سؤال الفنان ماذا تقدم؟ وبدأنا نسأله كم مليون مشاهدة حققت؟ وكم شخصًا حضر حفلك؟ وبأي سيارة دخلت؟ وكم مرة تصدرت التريند؟

ما جرى في الساحل لم يكن حفلًا يحتاج إلى أذن بقدر ما كان عرضًا يريد أن يخطف العين، سيارات فارهة، حنطور، ملابس واستعراضات وأضواء وحركات ودخول مصمم بعناية، ولقب «نمبر وان» حاضر فوق المشهد كله، حتى تكاد تشعر أن الأغنية نفسها أصبحت مجرد موسيقى خلفية لمعرض مفتوح للقوة والمال والشهرة، والمشكلة ليست في أن يمتلك محمد رمضان سيارة فارهة أو عشر سيارات، ولا أن يرتدي ما يريد أو ينفق على حفله كما يشاء، فهذه أمواله وهذه حريته، وإنما في تحويل استعراض كل ذلك إلى جزء أساسي من الرسالة المقدمة إلى ملايين الشباب، وكأن النجاح لا يكفي أن يتحقق، بل يجب أن يُستعرض، وكأن الفنان لا يكفي أن يكون مشهورًا، بل عليه أن يقنعنا في كل ظهور بأنه الأغنى والأقوى والأكثر حضورًا و«نمبر وان».

والسؤال الذي يجب ألا نهرب منه هو نمبر وان في ماذا؟ ومن الذي وضع جدول الترتيب؟ ومن منح النقاط؟ الفن ليس دوري كرة قدم، ولا توجد صافرة نهاية موسم تعلن أن صاحب أعلى مشاهدة هو أعظم فنان، وإذا كان الإنسان مضطرًا في كل مناسبة إلى أن يكرر على الناس أنه الأول، فمن حق الناس أن تسأله لماذا لا يترك فنه يقول ذلك بدلًا منه؟

لكن تحميل محمد رمضان وحده مسؤولية هذا المشهد سيكون هروبًا من الحقيقة، لأن الرجل لم يصنع هذا المناخ بمفرده، بل فهمه واستثمر فيه بمهارة شديدة، عرف مبكرًا أن عصرنا لا يكافئ الأفضل دائمًا، وإنما يكافئ الأكثر قدرة على انتزاع الانتباه، عرف أن من يحبه سيشاهده، ومن يكرهه سيشاهده أيضًا، وأن الذي يهاجمه سيكتب اسمه، والذي يسخر منه سيشارك مقطعه، وأن الخوارزمية لا تسأل إن كنت تشاهد إعجابًا أو غضبًا، هي تعرف فقط أنك شاهدت، وهكذا تحول الجدل إلى رأس مال، وتحول الغضب نفسه إلى دعاية مجانية، وأصبح المطلوب ألا يمر يوم من دون أن يبقى الاسم حاضرًا أمام الناس.

وهنا تقع الكارثة الحقيقية، لأننا لم نعد أمام أزمة فنان، بل أمام أزمة ذوق عام ومنظومة كاملة شاركت في تشكيله، لا أحد يولد وهو يعتقد أن السيارة الفارهة فن، ولا يولد طفل وهو مقتنع بأن عدد المتابعين مقياس للموهبة، هذه المعايير تُزرع يومًا بعد يوم، حين يسمع الشاب طوال الوقت أن الأغنية «كسرت الدنيا» لأنها حققت خمسين مليون مشاهدة، وأن الفنان «اكتسح» لأنه تصدر التريند، وأن الحفل «تاريخي» لأن الآلاف تزاحموا أمام المسرح، فهو يتعلم تدريجيًا أن هذه هي وحدات قياس الفن، لا أحد يحدثه عن الكلمة أو اللحن أو الصوت أو القيمة أو ما سيبقى من العمل بعد عشر سنوات، كل شيء أصبح رقمًا، وكل رقم أصبح انتصارًا.

وهكذا تغيرت الأذن قبل أن ننتبه

اعتدنا الصوت المرتفع حتى أصبح الهادئ ضعيفًا في نظرنا، واعتدنا المبالغة حتى أصبح الطبيعي مملًا، واعتدنا الاستعراض حتى أصبح الفنان الذي يصعد إلى المسرح ليغني فقط وكأنه لم يقدم ما يكفي، كل مرة يجب أن تكون الجرعة أعلى دخول أغرب، سيارة أغلى، ملابس أكثر إثارة، مسرح أضخم، تصريحات أكثر استفزازًا، ومشهد يصلح لأن يُقطع إلى عشرين ثانية وينتشر على الهاتف، لم تعد الأغنية هي المنتج الوحيد، بل أصبح الجدل نفسه منتجًا.

 ماذا حدث لذوق الناس؟ حدث أننا تركناه سنوات يُعاد تشكيله أمام أعيننا

حدث أن الإعلام ساهم في ذلك عندما جعل السيارة خبرًا والملابس خبرًا والحركة خبرًا والخلاف خبرًا، بينما أصبح العمل الفني نفسه أحيانًا أقل أهمية من كل ما يحيط به، حدث عندما أصبحت صفحات كاملة تنتظر أي لقطة مثيرة لتعيد نشرها عشرات المرات، ثم تخرج المنابر ذاتها لتلقي محاضرة عن تراجع الذوق العام، لا يمكن أن تبيع للناس الضجيج صباحًا ثم تحاسبهم مساءً لأنهم أحبوا الضجيج.

والجمهور نفسه لا يمكن إعفاؤه من المسؤولية، احترام حرية الناس في اختيار ما يسمعون لا يعني أن كل اختيار فوق النقد، من حقك أن تسمع ما تريد، ومن حقي أن أسأل ماذا يقول اختيار ملايين الناس عن اللحظة الثقافية التي نعيشها، الجمهور ليس ضحية دائمًا، فهو أيضًا شريك في صناعة ما يقدم إليه، كل تذكرة تُشترى رسالة إلى السوق، وكل مشاهدة رسالة، وكل مشاركة رسالة، وكل مرة يتحول فيها استعراض إلى تريند هي رسالة واضحة للمنتج والفنان والمنظم أعطونا المزيد من هذا.

السوق يسمع جيدًا

إذا صفقنا للضجيج سيبيع لنا ضجيجًا أكثر، وإذا كافأنا الاستعراض سيضاعف جرعته، وإذا جعلنا السيارة أهم من الأغنية فلا نلوم الفنان عندما يحضر لنا سيارة أخرى في الحفل المقبل، الصناعة في النهاية تبحث عما يجذب الجمهور، وحين يكتشف صانع المحتوى أن ثلاث دقائق من الصخب تحقق أكثر مما تحققه شهور من العمل على قيمة حقيقية، يصبح السؤال الاقتصادي بالنسبة إليه محسومًا.

 

وهنا نصل إلى أخطر ما في المشهد، وهو أن المسألة لم تعد تخص الموسيقى وحدها، بل امتدت إلى مفهوم النجاح عند جيل كامل، نحن نربي أطفالًا ومراهقين داخل عالم يقول لهم كل يوم إن النجاح شيء يجب أن يراه الآخرون، لا شيء يجب أن تبنيه أنت، السيارة يجب أن تظهر، والمال يجب أن يظهر، والسفر يجب أن يظهر، والجسد يجب أن يظهر، والحفل يجب أن يظهر، وعدد المتابعين يجب أن يظهر، وحتى السعادة نفسها يجب تصويرها ونشرها حتى تصبح حقيقية.

 

وبهذا انتقلنا من الرغبة في أن ننجح إلى الرغبة في أن نبدو ناجحين، وهي واحدة من أكثر التحولات قسوة في ثقافة هذا العصر، الشاب الذي يرى هذه الصورة عشرات المرات لا يرى سنوات العمل خلفها، ولا يرى الفشل والخسارة والتدريب والتعب، يرى فقط النهاية اللامعة سيارة، أضواء، آلاف يصرخون، ولقب «نمبر وان»، ثم نسأله لماذا يريد الشهرة بسرعة، ولماذا يبحث عن المال السريع، ولماذا أصبح المظهر لديه أهم من الجوهر، ماذا كنا نتوقع منه ونحن نقدم له كل يوم نفس الدرس ثم نغضب عندما يحفظه؟

 

وليس المقصود هنا البكاء على زمن قديم وكأن الماضي كان مدينة فاضلة، الفن المصري عرف دائمًا النجومية والدعاية والمنافسة والاستعراض، وعرف أعمالًا عظيمة وأخرى رديئة، لكن الفارق أن أم كلثوم لم تكن تحتاج إلى سيارة فوق المسرح حتى يعرف الجمهور مكانتها، وعبدالحليم لم يكن مضطرًا إلى أن يعلن بين أغنيتين أنه الأول، والكبار الذين بقوا في الذاكرة لم يحتفظ لهم التاريخ بثمن سياراتهم أو عدد الحضور في ليلة معينة، وإنما احتفظ بما قدموه.

التريند يحتاج إلى ضوضاء أما التاريخ فلا يسمع إلا ما يستحق البقاء

قد تجمع آلاف الأشخاص في ليلة، وقد تحقق مائة مليون مشاهدة، وقد تجعل اسمك حديث الناس أسبوعًا كاملًا، لكن كل ذلك لا يجيب عن السؤال الفني الوحيد الذي يهم بعد أن تنتهي الحفلة ماذا تركت؟

أما مشاهد الزحام والتدافع التي صاحبت الحفل ووصلت إلى حد تدخل محمد رمضان نفسه ومطالبته الجمهور بالتراجع حفاظًا على سلامتهم، فهي تضيف إلى المشهد سؤالًا آخر عن التنظيم، وأما ما جرى تداوله من ادعاءات أخرى بشأن الحفل فلا يجوز تقديمه كحقيقة دون سند رسمي، لكننا لسنا في حاجة أصلًا إلى روايات غير مثبتة حتى نسأل عن صورة الحفل، فالمشهد الموثق كافٍ لطرح السؤال هل أصبح نجاح الحفل عندنا أن نحشر أكبر عدد ممكن من البشر أمام مسرح ثم نقدم الزحام نفسه باعتباره دليلًا على النجاح؟

حتى اللغة التي نصف بها هذه الأحداث أصبحت مريضة بالمبالغة، «زلزال»، «اكتساح»، «تاريخي»، «يكسر الدنيا»، «يشعل الساحل»، «الجمهور بالآلاف»، «نمبر وان»، لا شيء عاديًا بعد الآن، المطرب لا يغني بل «يشعل المسرح»، والجمهور لا يحضر بل «يغزو المكان»، والأغنية لا تنجح بل «تكتسح»، نحن نصرخ حتى ونحن نكتب عن الصراخ.

الصراخ هو اللغة الوحيدة التي يسمعها الجمهور

المسألة إذن ليست أن محمد رمضان قدم حفلًا لا يعجب البعض، المسألة أن الحفل قدم لنا مرآة، وما ظهر فيها ليس مريحًا، رأينا ثقافة أصبحت تخلط بين الشهرة والقيمة، وبين الثراء والاستحقاق، وبين الانتشار والجودة، وبين الضوضاء والموسيقى، رأينا إعلامًا يصنع التريند ثم يلعنه، ومنصات تكافئ الاستفزاز ثم تتظاهر بالدهشة من انتشاره، وجمهورًا يشتكي من تراجع الفن بينما يمنح مشاهداته ووقته وماله للأكثر صخبًا.

لذلك لا يكفي أن نسأل محمد رمضان لماذا كل هذا الاستعراض، بل علينا أن نسأل أنفسنا أيضًا لماذا ما زلنا نشاهده بهذه الشهية، لا يكفي أن نهاجم من يقف على المسرح، بل يجب أن ننظر إلى الذين أمامه وإلى الذين يصورونه وإلى الذين ينشرون كل ثانية وإلى وسائل الإعلام التي تحول كل حركة إلى عنوان، محمد رمضان لم يفرض نفسه على ملايين الهواتف بالقوة، هناك منظومة كاملة فتحت له الباب، وجمهور كامل أبقى الباب مفتوحًا.

الجزء الذي يستحق الغضب فعلًا

أن يصبح الفن محتاجًا إلى كل هذه الزينة حتى ننتبه إليه، أن يصبح الفنان مطالبًا بأن يكون ظاهرة استعراضية قبل أن يكون صاحب عمل، أن يعرف المراهق السيارة ولا يعرف الملحن، ويحفظ اللقب ولا يحفظ الكلمات، ويتذكر شكل الدخول إلى المسرح ولا يتذكر ماذا غُنّي فوقه.

المشكلة لم تعد في حفلة بالساحل المشكلة فينا

في ذوق جرى تجريفه بالتدريج حتى أصبح الضجيج مألوفًا والقيمة غريبة، في سوق عرف نقطة ضعفنا فاستغلها، في إعلام اكتشف أن الاستفزاز يجلب المشاهدات فطارده، وفي جمهور أقنع نفسه بأن ما يشاهده الملايين لا بد أن يكون عظيمًا، مع أن الملايين قد تتجمع لمشاهدة حادث في الشارع، ولا يجعل ذلك الحادث عملًا فنيًا.

حفل الساحل سينتهي، وسيأتي غيره، والسيارات ستغادر، والأضواء ستنطفئ، والتريند الذي ملأ الهواتف اليوم سيدفنه تريند آخر غدًا، وبعد سنوات لن يتذكر أحد عدد المقاطع التي انتشرت في تلك الليلة ولا نوع السيارة التي ظهرت على المسرح، وسيبقى الاختبار القديم نفسه الذي لم تستطع التكنولوجيا تغييره: ماذا بقي من الفن بعد أن اختفى الاستعراض؟

لهذا فالسؤال الحقيقي ليس هل محمد رمضان «نمبر وان» أم لا، هذا سؤال صغير جدًا أمام المشكلة، السؤال المخيف هو كيف وصلنا إلى زمن يحتاج فيه الضجيج فقط إلى ملايين المشاهدات حتى نسميه نجاحًا؟ وكيف وصل ذوقنا إلى أن يسمع الصخب فيصفق له باعتباره فنًا؟

ربما لم يفرض أحد علينا ذلك

ربما نحن الذين صفقنا طويلًا، وشاركنا طويلًا، وشاهدنا طويلًا، حتى ارتفع الضجيج من حولنا إلى درجة أننا لم نعد قادرين على سماع الفرق بين من يصنع فنًا.. ومن يصنع صوتًا عاليًا فقط.

 

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى