رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
الدفاع والأمن

محمد المصري.. «صائد الدبابات» الذي حوّل صواريخ الفردان إلى كابوس للمدرعات الإسرائيلية

لم يكن يملك دبابة يقاتل بها، ولا طائرة تحميه من السماء، كان جنديًا مصريًا يحمل صاروخًا مضادًا للدروع وإرادة لا تعرف التراجع، وبين دخان المعركة ولهيب المدرعات المحترقة، ظهر اسم محمد المصري ليصبح واحدًا من أشهر أبطال حرب أكتوبر، بعدما شارك في تدمير 27 دبابة إسرائيلية بينها دبابة العقيد عساف ياجوري قائد اللواء 190 المدرع الإسرائيلي.

دخل محمد المصري الحرب شابًا في الثالثة والعشرين من عمره، وعبر قناة السويس ضمن الموجات الأولى للقوات المصرية، قبل أن يتحول مع استمرار المعارك إلى أحد أبرز مقاتلي الصواريخ المضادة للدبابات، ويصبح اسمه مرتبطًا بلقب ظل يلاحقه حتى آخر أيام حياته وهو «صائد الدبابات».

من الصاعقة إلى قلب معركة أكتوبر

ولد محمد المصري عام 1948، والتحق بالقوات المسلحة لأداء الخدمة العسكرية في سبتمبر 1969، وبدأ خدمته في سلاح الصاعقة قبل أن ينتقل لاحقًا إلى سلاح المظلات، ليدخل سنوات الإعداد التي سبقت حرب أكتوبر ويصبح واحدًا من الجنود الذين انتظروا لحظة العبور واستعادة الأرض.

ومع انطلاق الحرب في السادس من أكتوبر 1973، كان المصري ضمن الموجات الأولى التي عبرت قناة السويس تحت غطاء المدفعية والقوات الجوية، وكانت مهمته الأساسية مواجهة الهجمات المدرعة الإسرائيلية والعمل ضد القوات المعادية في واحدة من أكثر ساحات القتال سخونة.

27 دبابة.. رقم صنع أسطورة «صائد الدبابات»

خلال أيام الحرب، نجح محمد المصري في المشاركة في تدمير 27 دبابة إسرائيلية، وهو الرقم الذي أكدته القيادة العامة للقوات المسلحة في بيان نعيه عام 2024، ليصبح أحد أشهر المقاتلين المصريين الذين ارتبطت أسماؤهم بمواجهة سلاح المدرعات الإسرائيلي.

لم تكن المواجهة مجرد إطلاق صاروخ على هدف ثابت، بل كانت معركة أعصاب كاملة، ينتظر فيها المقاتل اللحظة المناسبة قبل إطلاق الصاروخ، بينما تتحرك الدبابات تحت نيران كثيفة ويصبح الخطأ الواحد كافيًا لكشف الموقع وتعريض الطاقم للخطر.

دبابة عساف ياجوري تسقط أمام الجندي المصري

من بين الدبابات التي ارتبط اسم محمد المصري بتدميرها كانت دبابة العقيد الإسرائيلي عساف ياجوري قائد اللواء 190 المدرع الإسرائيلي، الذي وقع في الأسر بعد معارك الفردان الشهيرة.

وأصبحت الواقعة واحدة من أشهر محطات حياة محمد المصري، خصوصًا بعدما روى لاحقًا أن قائد الفرقة الثانية مشاة اللواء حسن أبو سعدة استدعاه للقاء ياجوري بعد أسره، بعدما طلب الأخير رؤية الجندي الذي أصاب دبابته.

التحية العسكرية من قائد إسرائيلي أسير

بحسب الرواية التي نقلها محمد المصري بنفسه، فإن عساف ياجوري وقف عندما رآه وأدى له التحية العسكرية تقديرًا لما قدمه في المعركة، وهي الواقعة التي ظلت تُروى ضمن أشهر المشاهد المرتبطة بأبطال حرب أكتوبر.

وتحمل هذه اللحظة دلالة خاصة، فقد كان أحد قادة اللواءات المدرعة الإسرائيلية يقف أسيرًا أمام جندي مصري شاب، بعدما تحولت المعركة التي دخلها الجيش الإسرائيلي لاستعادة زمام المبادرة إلى واحدة من أكثر صفحات الحرب إحراجًا لسلاح المدرعات الإسرائيلي.

أول صاروخ في الحرب وعمره 23 عامًا

وتشير الروايات المنشورة عن محمد المصري إلى أنه أطلق أول صاروخ له خلال الحرب وهو في الثالثة والعشرين من عمره، واستمر بعد ذلك في مواجهة الدبابات الإسرائيلية حتى ارتفع رصيده إلى 27 دبابة، وهو ما رسخ لقبه الشهير «صائد الدبابات».

وكانت معارك الدبابات من أكثر المعارك قسوة خلال الحرب، إذ عملت أطقم الصواريخ المصرية وسط قصف مدفعي وجوي مستمر، وكانت تتحرك من موضع إلى آخر لتجنب كشف مواقعها، وهو ما جعل نجاحها في مواجهة المدرعات أحد أبرز ملامح المعركة البرية.

نجمة سيناء تقديرًا للبطولة

بعد انتهاء الحرب، جاء التكريم الرسمي لمحمد المصري، حيث مُنح نجمة سيناء عام 1974 تقديرًا لدوره في حرب أكتوبر، وهو أحد أرفع الأوسمة العسكرية المصرية.

كما استقبله الرئيس محمد أنور السادات في منزله ضمن تكريم أبطال الحرب، وروى المصري لاحقًا تفاصيل هذا اللقاء الذي ظل من الذكريات العزيزة لديه طوال حياته.

تكريم جديد بعد نصف قرن من النصر

وبعد أكثر من خمسة عقود على حرب أكتوبر، عاد اسم «صائد الدبابات» إلى الواجهة عندما تم تكريمه خلال الندوة التثقيفية الأربعين للقوات المسلحة التي أقيمت في الذكرى الحادية والخمسين لانتصارات أكتوبر عام 2024.

وكان ذلك التكريم من آخر المناسبات العامة التي ظهر فيها البطل المصري قبل رحيله بأسابيع قليلة، ليغادر الحياة بعدما شاهد أجيالًا جديدة تستمع إلى قصته وتتعرف إلى واحدة من صفحات النصر التي شارك في صناعتها.

رحيل «صائد الدبابات»

في صباح 7 نوفمبر 2024، توفي محمد المصري عن عمر 76 عامًا، وشيع المئات جثمانه في محافظة البحيرة، بينما أصدرت القيادة العامة للقوات المسلحة بيانًا نعت فيه أحد أبطال حرب أكتوبر وأشادت بدوره في المعركة.

ورحل الرجل الذي دخل الحرب جنديًا بسيطًا وخرج منها حاملًا واحدًا من أشهر ألقابها، تاركًا خلفه قصة ارتبطت بـ27 دبابة وبواحدة من أكثر معارك أكتوبر شهرة.

بطل يستحق أن يبقى اسمه حاضرًا

محمد المصري لم يكن مجرد رقم في سجل المقاتلين، بل كان شاهدًا حيًا على قدرة الجندي المصري على تحويل السلاح الذي بين يديه إلى قوة قادرة على تغيير مسار المعركة، وعلى أن الثبات تحت النار قد يصنع بطولة تعيش لعقود.

ومن هنا تبقى المطالبات الشعبية بتخليد أسماء أبطال أكتوبر على الشوارع والميادين والمنشآت جزءًا من الحفاظ على الذاكرة الوطنية وتعريف الأجيال الجديدة برجال صنعوا النصر بدمائهم وشجاعتهم.

رحم الله محمد المصري «صائد الدبابات» الذي عبر القناة جنديًا شابًا، وكتب اسمه بين أبطال أكتوبر، وظل حتى رحيله شاهدًا على يوم استعاد فيه المقاتل المصري أرضه وكبرياءه.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>