مساحة رأي

«هبة عبد العزيز تكتب».. التطرف والجهل والغباء… هل باتت ظواهر مقلقة في المشهد الإعلامي؟

✍️ كتب: هبة عبد العزيز

وددت أن أستهل معكم اليوم مقالى بحوار عادى ، وعابر فى محطة قطار بدولة أوروبية، كان قد دار بيني وبين مواطن مصرى مقيم بالخارج لظروف العمل، ويزور مصر فقط فى الأجازات ( وده عادى جدا كما يفعل معظم المغتربين من المصريين )، وبطبيعة الحال يعتمد فى معرفة أخبار البلاد والعباد فى مصر على أهله وأصدقائه من ناحية ومن ناحية آخرى على إعلام بلده تحديدا المحلى الوطنى بالإضافة إلى ما تبثه مختلف وسائل الإعلام فى العالم ( عادى جدا أيضا كما يفعل معظم المغتربين المصريين ) ،،،،

وعلى الرغم من أن ما دار بينى و بين هذا المواطن المصرى المكافح من حوار قد يبدو فى ظاهره بسيط ، إلا أنه يحمل معانى عميقة بين سطوره الآتية ،،،،

 

قال لي:

— «هو إحنا ليه بقينا مختلفين على كل حاجة تقريبًا؟»

 

فقلت له:

— «إحنا مش مختلفين على كل حاجة… إحنا بس بقينا بنسمع صوت اللي بيختلفوا أكتر من صوت اللي عايشين مع بعض عادى برغم إختلافهم.»

 

فإبتسم إبتسامة رايقة كده وسألني:

— «يعني المشكلة مش إننا مختلفين؟»

قلت:

— أبدااااا …. المشكلة إن فيه حد بيحاول يقنعنا إن اختلافنا معناه إننا أعداء…..

ولأن القطار الذى كنت أنتظره وصل فى موعده المحدد بالثانية واللحظة ،،، فأنيهت الحوار وسلمت على بلدياتى بعدها وكل واحد منا راح لحاله … وبس خلاص
وهذه هي النقطة.

وتذكروا معى أن تعودوا لهذا اللقاء العابر بعد إستكمالكم قراءة السطور القادمة ….

ونقطة من أول السطر …

فالسؤال الذى طرحته عليكم أعزائي فى عنوان مقالنا اليوم ليس عن واقعة بعينها، ولا عن شخص محدد.

لكني بتُّ أرى ظاهرة تتكرر منذ سنوات، حتى أصبح من الملح، بل من الواجب المهني، أن نسأل:

ماذا يحدث للإعلام حين يسبق الميكروفونُ التأهيلَ، وتسبق الشهرةُ المهنيةَ، ويصبح الاستفزاز أقصر طريق إلى «التريند»؟

فما شهدناه أول أمس، في الواقعة المؤسفة التي بدأت بنقاش حول الأذان، ثم انزلقت إلى خطاب يمس الحساسية الدينية والمجتمعية، يستحق أن نتوقف أمامه.

ليس لأن الاختلاف ممنوع، بل لأن العنصرية الدينية ليست وجهًا آخر لحرية التعبير.

فمن حقك أن تطالب بسماع الأذان، ومن حقك أن تنتقد مكبرات الصوت، ومن حقك أن تختلف مع أي ممارسة دينية أو اجتماعية، لكن ليس من حقك أبدا أن تجعل من دين الآخر أو هويته مادة للازدراء أو السخرية.

وهنا تحديدا ،،،،، تصبح مسؤولية الإعلام أكبر

فالميكروفون يضاعف أثر الكلمة، والمنصة ( صحيفة ، موقع ، قناة تلفزيونية أو إذاعية …. ) تضاعف مسؤولية صاحبها.

والمشكلة ليست في الخطأ؛ فالخطأ وارد. لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الجهل إلى ثقة، والتطرف إلى خطاب، والاستعلاء إلى أسلوب، ثم يمنح الميكروفون كل ذلك مساحة وتأثيرًا.

وهنا يجب أن نفرق بين النقد والعنصرية…..

أن تناقش فكرة أو تنتقد ممارسة، فهذا حقك ، أما أن تهين إنسانًا بسبب دينه، أو تحول أصحاب دين بعينه إلى مادة للسخرية والتعميم، فهذه ليست حرية… وإنما إساءة إلى الإنسان وإلى المجتمع.

لكن دعونا نبتعد قليلًا عن الإعلام… ونتحدث عن (مصر) ، لأن القضية في رأيي أكبر من مجرد شخص أو شاشة أو برنامج، إنها قضية بلد عاش قرونًا وهو يعرف كيف يكون مختلفًا… دون أن يتحول اختلافه إلى عداوة.

هذه مصر التي عرفناها في بيوتنا وشوارعنا

مصر التي يخرج فيها صوت الأذان إلى جوار أجراس الكنائس.

مصر رمضان وشم النسيم، والفانوس والبيض الملون، والرنجة والفسيخ، والأعياد التي يعرف المصريون فيها بعضهم بعضًا، حتى وإن اختلفت عقائدهم،،،، هذه التفاصيل الصغيرة ليست مجرد عادات،،،، وتلك هي الذاكرة المشتركة التي صنعت معنى الوطن.

إحنا عمرنا ما كنا نسخة واحدة… ومش مطلوب نكون

المصري المسلم والمصري المسيحي قد يختلفان في الدين، والسياسة، والكورة، والفن، وحتى في تفاصيل الحياة اليومية.

لكن عندما يحتاج أحدهما الآخر، يعرفان أن بينهما شيئًا أكبر من كل اختلاف:

وهو : وطن واحد، وشارع واحد، وذكريات واحدة، ومصير واحد.

قد نختلف على أشياء كثيرة، لكننا نتشارك أفراحًا وأحزانًا ومناسبات وبيوتًا وذكريات عمرها عشرات السنين.

وفي لحظة الخطر، لا يسأل المصري جاره: «أنت مسلم ولا مسيحي؟»

يسأله: «إنت كويس؟ محتاج حاجة؟»

وهنا تكمن عظمة مصر

فأخطر ما يمكن أن يفعله خطاب متطرف أو عنصري ليس أن يسيء إلى شخص، وإنما أن يقنع المصري بأن جاره «آخر» و أن يحول الاختلاف الطبيعي إلى خصومة، وأن يجعل الدين جدارًا بعدما كان جزءًا من نسيج الحياة.

فمصر لا تحتاج إلى من يعلمها كيف تختلف، بقدر حاجتها إلى من يعلمها كيف تختلف دون أن تكره…. وخصوصا فى الفترة الأخيرة

وهنا نعود لمسؤولية الإعلام….

فالحرية ليست رخصة للإساءة، والإعلام ليس مساحة لتصفية الانفعالات ، الإعلام مهنة قبل أن يكون شهرة، ومسؤولية قبل أن يكون تريندًا، والإعلام الذي يصنع وعيًا يستطيع أن ينتقد دون أن يهين، وأن يناقش قضية شائكة دون أن يحولها إلى معركة بين المصريين ، أما حين يصبح الاستفزاز أهم من الحقيقة، والصدمة أهم من المهنية، فنحن أمام مشكلة أكبر من مجرد «محتوى».

وهنا يظهر مثلث إعلامى مقلق للغاية وخطر وخطير:

تطرف لا يرى إلا نفسه،
وجهل لا يعرف حدود معرفته،
وغباء يظن أن الاستفزاز ذكاء.

وحين يحصل هذا المثلث على ميكروفون أو قلم، لا يصبح الخطر في الكلمة وحدها، بل في الأثر الذي قد تتركه في وعي الناس.

وفي النهاية…

ليس كل من امتلك ميكروفونًا امتلك أهلية التأثير ، وليس كل ما يمكن قوله… ينبغي أن يُقال.

ومصر ليست بحاجة إلى إعلام يضع المصري في مواجهة المصري، وإنما إلى إعلام يعرف أن المسلم والمسيحي ليسا جمهورين متخاصمين، بل مواطنان في وطن واحد.

نختلف… نعم.

نناقش… بالتأكيد.

ننتقد… من حقنا.

لكننا لا نحتاج أن نكره بعضنا كي نثبت اختلافنا !!! لأنه وببساطة شديدة وعمق أشد مصولم تُبنَ على أننا نسخة واحدة، بل بُنيت على أننا مختلفون قامت حضارتنا على إختلافنا وتنوعنا …وعاشت لقرون وستعيش بتماسك نسيجها المختلف وترابطه.

التريند بينتهي،،،والمشاهدة بتنتهي،،، والمنشور سيُنسى،،، لكن الكلمة التي تزرع كراهية في قلب إنسان قد تحتاج إلى سنوات حتى تُقتلع.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى