بروفايل

«الدكتور شريف كامل».. رحلة طبيب من قاعات جامعة أسيوط إلى قيادة «الراجحي» وزراعة الكبد في الصعيد

✍️ كتب: محمود أبو السعود

لم يغادر جامعة أسيوط بحثًا عن مسيرة طبية في مكان آخر، بل قضى داخلها سنوات تدرج خلالها من مدرس مساعد إلى أستاذ، قبل أن ينتقل من علاج مرضى الكبد والجهاز الهضمي إلى مسؤولية إدارة مستشفى أصبح مقصدًا لآلاف المرضى من محافظات الصعيد، إنه الأستاذ الدكتور شريف إبراهيم كامل يونس، أستاذ طب المناطق الحارة والجهاز الهضمي بكلية الطب جامعة أسيوط، ومدير مستشفى الراجحي الجامعي للكبد والجهاز الهضمي، وراء الاسم رحلة بدأت أكاديميًا قبل أكثر من ربع قرن، وتقاطعت فيها ثلاثة مسارات: الطبيب، والأستاذ الجامعي، ثم المدير المسؤول عن مؤسسة طبية تتعامل مع بعض أكثر أمراض الكبد والجهاز الهضمي تعقيدًا.

البداية من جامعة أسيوط

ارتبطت رحلة شريف كامل المهنية بجامعة أسيوط منذ سنواته الأولى في العمل الأكاديمي، في عام 1998 أصبح مدرسًا مساعدًا، وبعد حصوله على الدكتوراه في الأمراض الباطنة، تخصص أمراض الكبد والجهاز الهضمي، من كلية الطب بجامعة أسيوط عام 2002، عُين مدرسًا في العام نفسه، وبعد ست سنوات، وصل إلى درجة أستاذ مساعد عام 2008، قبل أن يصبح أستاذًا بكلية الطب عام 2014. لكن المسار الأكاديمي لم يكن وحده الذي يتشكل خلال تلك السنوات، فبالتوازي مع التدريس والبحث والعمل الطبي، بدأ كامل الاقتراب من إدارة واحدة من المؤسسات التي ستصبح لاحقًا جزءًا أساسيًا من مسيرته: مستشفى الراجحي الجامعي للكبد والجهاز الهضمي.

قبل كرسي المدير بـ9 سنوات

الوصول إلى إدارة «الراجحي» لم يبدأ بقرار تعيين مفاجئ. ففي يوليو 2012، تولى شريف كامل منصب نائب مدير المستشفى، واستمر فيه حتى مارس 2015، ما وضعه مبكرًا داخل تفاصيل إدارة المستشفى وملفات المرضى والأطقم الطبية والخدمات المتخصصة. وبعد سنوات، عاد إلى قمة الهيكل الإداري للمؤسسة، ففي أغسطس 2021، أصدر رئيس جامعة أسيوط قرارًا بتعيين الأستاذ الدكتور شريف كامل مديرًا لمستشفى الراجحي الجامعي للكبد والجهاز الهضمي، ومن هنا بدأت مرحلة مختلفة؛ فالطبيب الذي تخصص في أمراض الكبد والجهاز الهضمي أصبح مسؤولًا عن إدارة مستشفى يخدم نطاقًا يتجاوز حدود محافظة أسيوط.

مستشفى للصعيد.. وليس لأسيوط فقط

الأرقام تكشف حجم المسؤولية، خلال عام 2025 وحده، استقبلت العيادات الخارجية بالمستشفى 44 ألفًا و732 مريضًا، فيما تجاوز عدد حالات الدخول 9 آلاف حالة. ولم يكن جميع هؤلاء المرضى من أسيوط. فأبواب «الراجحي» استقبلت مرضى من سوهاج والمنيا وقنا والأقصر وأسوان والوادي الجديد ومحافظات مصرية أخرى، بالإضافة إلى مرضى من دول عربية، بينها السودان وفلسطين وسوريا واليمن والمغرب ولبنان، وهنا أصبح موقع المستشفى في قلب الصعيد عنصرًا مهمًا في قصته؛ فبدلًا من أن تكون بعض الخدمات شديدة التخصص مرتبطة بالقاهرة وحدها، أصبح جزء منها متاحًا على بعد مئات الكيلومترات جنوب العاصمة.

أصعب الملفات.. زراعة الكبد

لكن اختبار أي مركز متخصص في أمراض الكبد لا يتوقف عند أعداد المرضى الذين يعالجهم، واحد من أكثر الملفات تعقيدًا هو زراعة الكبد. ومع استمرار برنامج زراعة الكبد بمستشفى الراجحي، وصل إجمالي عمليات الزراعة إلى 108 حالات بنهاية 2024، كما جرى تجديد ترخيص برنامج زراعة الكبد للمرة الخامسة لمدة ثلاث سنوات أخرى، ثم جاء عام 2025 ليضيف فصلًا جديدًا، ففي أكتوبر، أعلنت مستشفيات جامعة أسيوط نجاح فريق وحدة زراعة الكبد في إجراء الحالة رقم 115 ضمن البرنامج، ومع نهاية العام كان المستشفى قد أجرى 15 عملية زراعة كبد خلال 2025 وحده.

وراء كل رقم من هذه الأرقام حالة أكثر تعقيدًا من مجرد عملية جراحية؛ فزراعة الكبد تتطلب منظومة متكاملة تبدأ من تقييم المريض والمتبرع، وتمر بالجراحة والرعاية المركزة، ولا تنتهي إلا بالمتابعة الدقيقة بعد الزراعة.

عندما وصلت تقنيات جديدة إلى الصعيد

وفي سنوات إدارة شريف كامل، لم يكن التحدي مرتبطًا بزيادة عدد الحالات فقط، بل بنوعية التدخلات التي يستطيع المستشفى تقديمها. شهد «الراجحي» إدخال واستخدام تقنيات متقدمة في مناظير الجهاز الهضمي، من بينها مناظير الفراغ الثالث، التي أتاحت إجراء تدخلات دقيقة لعلاج حالات مثل تعذر ارتخاء عضلة الفؤاد «الأكاليزيا»، إلى جانب التعامل مع بعض الأورام بالمعدة والقولون. كما دخلت مناظير الموجات فوق الصوتية ضمن الأدوات المستخدمة لتشخيص وعلاج حالات معقدة.

ثم سجل المستشفى خطوة لافتة أخرى، عندما أعلنت جامعة أسيوط إجراء أول حالة في صعيد مصر لتفتيت حصوات القنوات المرارية باستخدام منظار SpyGlass والتفتيت الكهرومائي، الأهمية هنا لم تكن في استخدام جهاز جديد فقط، وإنما في نقل مستوى من التدخلات الطبية الدقيقة إلى منطقة تخدم ملايين السكان في جنوب مصر.

وراء غرفة المدير.. طبيب وباحث

ورغم انتقاله إلى الإدارة، لم يختفِ شريف كامل من المشهد الأكاديمي. ظل اسمه مرتبطًا بأبحاث ورسائل علمية في أمراض الكبد والجهاز الهضمي، من بينها موضوعات تتعلق بتليف الكبد وأمراض الأمعاء ومرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب التمثيل الغذائي. كما ظهر اسمه في قاعدة ClinicalTrials.gov بصفته أستاذًا بجامعة أسيوط ومديرًا لدراسة تتناول فحص مرض الكبد الدهني المرتبط باضطراب التمثيل الغذائي.

وهكذا ظل الخط الذي بدأت منه الرحلة حاضرًا: طبيب يعالج، وأستاذ يشارك في البحث والتعليم، وإداري أصبح مسؤولًا عن منظومة كاملة.

من طبيب إلى مسؤول عن آلاف المرضى

بعد أكثر من ربع قرن على بداية تدرجه الأكاديمي، تغير موقع شريف كامل داخل جامعة أسيوط كثيرًا. من مدرس مساعد عام 1998، إلى دكتوراه ومدرس في 2002، ثم أستاذ مساعد، فأستاذ، ونائب لمدير «الراجحي»، وصولًا إلى إدارة المستشفى. لكن الأهم من تغير المسمى الوظيفي هو تغير حجم المسؤولية.

فالمريض الذي كان الطبيب مسؤولًا عن تشخيصه وعلاجه أصبح آلاف المرضى، وغرفة الكشف أصبحت مستشفى، والقرار الطبي الفردي أصبح قرارًا إداريًا يؤثر في قدرة مؤسسة كاملة على تقديم العلاج.

وبين زراعة الكبد والمناظير الدقيقة واستقبال عشرات الآلاف من المرضى، أصبح اسم شريف كامل مرتبطًا بمرحلة يحاول فيها مستشفى الراجحي أن يجعل المسافة بين مريض الصعيد والعلاج شديد التخصص أقصر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى