إضاءة سريعة الرفاعي عيد يكتب: إلى محافظ القليوبية.. أيوه بنصرف على الدولة

تابعت مثل غيري الحوار الذي دار بين محافظ القليوبية ومديرة إحدى المدارس، وتوقفت كثيرًا أمام العبارة التي قالها المحافظ لها عندما تحدثت عن إنفاقها على المدرسة: «ما تفهمينيش إنك بتصرفي على الدولة». وهنا اسمح لي يا سيادة المحافظ أن أقول لك بمنتهى الوضوح: أيوه.. إحنا بنصرف على الدولة.
ولست أتحدث هنا عن النظريات أو الموازنات أو الأرقام الكبيرة، ولكن عن شيء عشته بنفسي، ويعيشه آلاف من أولياء الأمور في مدارس مصر. أنا شخصيًا تبرعت لمدرسة أبنائي بمروحة لأحد الفصول، وشاركت مع أولياء أمور آخرين في تكلفة دهان حوائط الفصول، وكل عام تقريبًا نتبرع للمدرسة بأشكال مختلفة، لأننا في النهاية نريد لأولادنا فصلًا نظيفًا، ومروحة تخفف عنهم حرارة الجو، ومدرسة تستطيع أن تبدأ عامها الدراسي بصورة تليق بأبنائنا.
ولست حالة استثنائية، فاسأل أي ولي أمر لديه أبناء في مدرسة حكومية، وسيحكي لك عن مساهمات مالية أو عينية، وعن أولياء أمور يشترون مراوح، وآخرين يساهمون في الدهانات أو إصلاح المقاعد أو الستائر أو بعض أعمال الصيانة والتجميل والتجهيز. إذن نعم يا سيادة المحافظ، المواطن أحيانًا يصرف من جيبه على مرفق من مرافق الدولة، ليس لأنه يريد أن يمنّ على الدولة، وليس لأنه يعتبر نفسه بديلًا عنها، ولكن لأنه يجد نفسه أمام مدرسة يحتاجها ابنه اليوم، وليس بعد انتهاء دورة المكاتبات والموافقات والاعتمادات.
قد يكون هناك خلاف حول المبلغ الذي قالت مديرة المدرسة إنها دفعته، وقد تكون هناك تفاصيل إدارية تحتاج إلى مراجعة ومستندات، وهذا أمر يمكن حسمه بالتحقيق والفحص. لكن اختزال القضية كلها في إثبات أن هذه المديرة دفعت أو لم تدفع يفوّت السؤال الأهم: هل ينفق العاملون وأولياء الأمور بالفعل على المدارس الحكومية من أموالهم الخاصة؟ والإجابة التي يعرفها الناس هي نعم.
وهذا هو السؤال الذي يستحق أن تتوقف أمامه الدولة. لماذا يضطر مدير مدرسة إلى البحث عن متبرع؟ ولماذا يشتري ولي أمر مروحة؟ ولماذا يجمع أولياء الأمور أموالًا لدهان فصل أو إصلاح شيء بسيط؟ ولماذا يصبح تجهيز المدرسة في بعض الأحيان مسؤولية مشتركة بين الإدارة والمعلمين والأهالي؟ هذه ليست أسئلة للهجوم على الدولة، وإنما أسئلة ضرورية لتحسينها.
المواطن الذي يتبرع لمدرسة أو مستشفى أو مؤسسة عامة لا ينتظر وسامًا، وإنما يفعل ذلك لأنه يشعر أن هذا المكان يخصه. المدرسة التي يدخلها ابني هي مدرستي أيضًا، والكرسي الذي يجلس عليه طفلي يهمني، والفصل الذي يقضي فيه ساعات يومه يهمني، ومن الطبيعي عندما أجد نقصًا أستطيع المساهمة في علاجه أن أفعل. بل إن الدولة نفسها تشجع المشاركة المجتمعية والعمل الأهلي والتبرعات والمساهمات في مجالات كثيرة.
ولذلك ليس عيبًا أن نقول إن المواطنين يساهمون، لكن العيب أن تصبح مساهماتهم ضرورة دائمة لسد احتياجات أساسية يفترض أن تكون لها موارد واضحة وكافية. هناك فرق بين أن يتبرع المواطن اختيارًا لتحسين مستوى الخدمة، وبين أن يصبح تبرعه هو الوسيلة الوحيدة لتقديم الخدمة أصلًا. وهناك فرق بين ولي أمر يتبرع بمروحة إضافية للفصل، وبين فصل لا توجد به وسيلة تهوية مناسبة إلا إذا اشتراها أولياء الأمور.
يا سيادة المحافظ، ربما كانت جولتك تهدف إلى ضبط الأداء، وربما رأيت تقصيرًا يستحق المحاسبة، وهذا من صميم مسؤوليتك، لكن الإدارة الناجحة لا تكتفي باكتشاف الخطأ، وإنما تسأل أيضًا: لماذا حدث الخطأ؟ إذا وجدت مدرسة غير جاهزة، فمن حقك أن تحاسب المسؤول المقصر، لكن من واجب الأجهزة التنفيذية أيضًا أن تسأل مدير المدرسة: ماذا طلبت؟ ومتى طلبته؟ وما الذي تم توفيره؟ وما الذي لم يتم توفيره؟ وهل الميزانية المتاحة أصلًا تكفي احتياجات المدرسة؟
لا يمكن أن نطلب من مدير مدرسة أن يقدم نموذجًا مثاليًا بموارد محدودة، ثم نحمله وحده نتيجة كل نقص. فإذا كانت الدولة تطلب مستوى معينًا من الخدمة، فلا بد أن توفر الأدوات والموارد التي تمكن المدرسة من تحقيق هذا المستوى، وأن تكون هناك آلية واضحة وسريعة لتلبية الاحتياجات الأساسية دون أن يضطر المسؤول في المدرسة إلى البحث كل مرة عن مساهمة من هنا أو تبرع من هناك.
لذلك عندما أسمع عبارة «ما تفهمينيش إنك بتصرفي على الدولة»، أجد نفسي مضطرًا للرد: لأ يا سيادة المحافظ، إحنا فعلًا بنصرف. ندفع الضرائب والرسوم، ثم نتبرع أحيانًا مرة أخرى حين نجد مؤسسة عامة تحتاج إلى مساعدة، ولا أقول ذلك من باب المنّة على الوطن، فالبلد بلدنا، والمدارس مدارسنا، وأولاد مصر أولادنا.
لكن الاعتراف بالمشكلة هو بداية حلها. وبدل أن نستغرب أن مواطنًا أنفق على مدرسة، علينا أن نسأل لماذا اضطر إلى الإنفاق عليها من الأساس. وبدل أن يتحول المشهد إلى مواجهة بين مسؤول ومدير مدرسة أمام الكاميرات، نحتاج إلى منظومة تجعل احتياجات كل مدرسة واضحة، وموازنتها واضحة، وأوجه الإنفاق عليها واضحة، وأي تبرعات تتلقاها معلنة ومنظمة.
عندها لن يحتاج أحد إلى أن يقول إنه «بيصرف على الدولة»، ولن يحتاج مسؤول إلى أن ينفي أن أحدًا «بيصرف على الدولة»، لأن الدولة ستكون قد وفرت ما عليها، والمواطن إذا ساهم بعدها فستكون مساهمته إضافة حقيقية، لا محاولة لسد عجز.
يا سيادة المحافظ.. أيوه بنصرف على الدولة، لأننا ببساطة جزء منها.