«القاهرة وبيونغ يانغ.. حكاية 7 عقود».. «يحيى خيرالله» يفتح لـ«يونيو نيوز» ملفات العلاقات المصرية الكورية

رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية: العلاقات بين القاهرة وبيونغ يانغ صنعتها عقود من المواقف والتنسيق المشترك
خيرالله: تأميم قناة السويس والعدوان الثلاثي كانا من المحطات المبكرة في التقارب بين البلدين.. والقضية الفلسطينية إحدى أبرز نقاط الالتقاء
بمناسبة احتفال جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية هذا الشهر بعيدها الوطني الـ78 لتأسيسها، تفتح «يونيو نيوز» واحدًا من الملفات التي لا تحظى بمساحة واسعة في الإعلام العربي، من خلال حوار موسع مع الدكتور يحيى خيرالله، رئيس جمعية الصداقة المصرية الكورية ورئيس مجلس التعاون العربي الكوري.
وعلى مدار ست حلقات، يتناول الحوار العلاقات المصرية الكورية وجذورها التاريخية، والملف النووي وأسباب الصراع الممتد مع الولايات المتحدة، والقدرات العسكرية للجيش الشعبي الكوري، وموقع الصين وروسيا في معادلة الأزمة، والأطراف المستفيدة والمتضررة من استمرارها، وصولًا إلى تجربة حزب العمل الكوري ورؤية الضيف لما يمكن استخلاصه عربيًا من التجربة الكورية.
ونبدأ الحلقة الأولى من القاهرة وبيونغ يانغ، وعلاقة تمتد جذورها إلى خمسينيات القرن الماضي، ومرت بمحطات سياسية ودبلوماسية عديدة، من عهد الرئيس جمال عبد الناصر وحتى الوقت الراهن.
من وجهة نظركم، كيف ترون مسار العلاقة بين مصر وكوريا الديمقراطية اليوم في ظل التغيرات المتسارعة على الساحة الدولية؟
أود في البداية أن أشير إلى أن مصر في الوقت الحالي، وفي عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي، تحرص دائمًا على التواصل مع جميع دول العالم وتنمية علاقاتها الودية المبنية على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة، وهذا النهج السياسي تنتهجه مصر دون النظر إلى التوجهات السياسية للدول أو علاقاتها مع أطراف أخرى.
ولقد كان للعلاقات المميزة بين القيادة السياسية المصرية والكورية أثر بالغ على مسار العلاقات الثنائية بين البلدين منذ خمسينيات القرن الماضي، وعلى المستوى الدولي أيضًا، من خلال التنسيق الدائم والتعاون المستمر بين الدولتين في المحافل الدولية.
وخاصة أن الهيئات والمنظمات التي تجمع مصر وكوريا ليست بالقليلة، ومن بينها الأمم المتحدة وحركة عدم الانحياز.
هل يمكنكم استعراض أبرز محطات تطور هذه العلاقة؟
سأحاول استعراض تلك العلاقة بإيجاز. العلاقات الثنائية بين مصر وكوريا الشمالية تبلورت في خمسينيات القرن الماضي، وكان ذلك نتاجًا طبيعيًا لحقبة تاريخية تميزت بالدور الفاعل للشعوب الداعية إلى التحرر الوطني والكفاح ضد الاحتلال والنضال من أجل الحرية.
وهذا الدور المشترك ساهم، ولا يزال، في دعم قضايا التحرر الوطني، وعلى رأسها القضية الفلسطينية، التي مثلت بالنسبة لمصر واجبًا وطنيًا ثابتًا، كما كان الموقف الكوري داعمًا للحقوق العربية.
ومن جانب مصر، كان هناك دائمًا تقدير للموقف الكوري الداعم للحق العربي.
وما أبرز المحطات الفارقة في مسار هذه العلاقة؟
هناك محطات فارقة في هذه العلاقة، من أبرزها العدوان الثلاثي على مصر عام 1956. ولا ينكر أحد أن شخصية الرئيس جمال عبد الناصر كان لها ثقل سياسي داخل حركة عدم الانحياز، كما حظي قراره بتأميم قناة السويس بدعم كبير من الرئيس كيم إيل سونغ، مؤسس جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية.
وبعد أن نجحت مصر في صد العدوان الثلاثي، بادر الزعيم الكوري بتقديم مساعدات مالية لمصر، مؤيدًا قرار التحدي الذي أعلنه الرئيس جمال عبد الناصر.
وكان لهذا الموقف التاريخي دور كبير في تمهيد الطريق أمام تطور العلاقات بين البلدين خلال الستينيات. وفي عام 1961 وصل وفد دبلوماسي كوري إلى القاهرة بهدف إقامة علاقات قنصلية، ثم بدأ التمثيل الدبلوماسي عام 1963.
كما قدمت كوريا الشمالية دعمًا دبلوماسيًا لجهود مصر في حرب اليمن ضد الاحتلال البريطاني، في إطار التنسيق بين البلدين خلال تلك المرحلة.
في ظل التغيرات الدولية الراهنة، كيف ترون مستقبل هذه العلاقة؟
مستقبل الدول في علاقاتها يُبنى على المصالح المشتركة، ولا يمكن إغفال أن الإرث التاريخي في العلاقة بين مصر وكوريا سيظل ركيزة جوهرية يمكن البناء عليها لتطوير تلك العلاقات.
فالعلاقات بين الدول لا تُقاس بتشابه الأيديولوجيات، بل بقدرتها على تجاوز التغيرات الدولية والتقلبات السياسية، والانطلاق من أرضية الاحترام المتبادل وعدم التدخل في الشؤون الداخلية.
وفي عالم تشتد فيه الاستقطابات وتتسارع فيه التحولات الجيوسياسية، تثبت التجربة المصرية الكورية أن ثبات المبادئ واحترام السيادة من العوامل التي تضمن استمرارية العلاقات، وأن المصالح المشتركة هي التي تصونها من التقلبات.
أما عن التغيرات الدولية المتسارعة اليوم، فإن الأساس التاريخي المتين والاحترام المتبادل والتنسيق في القضايا الدولية عوامل تجعل مسار الشراكة بين القاهرة وبيونغ يانغ قادرًا على التطور بما يخدم مصالح الشعبين.
كيف ترون الدور المصري في قضايا الشرق الأوسط، وما أبرز نقاط التلاقي بين السياسة الخارجية للبلدين؟
أعتقد أن مصر، بوصفها دولة محورية وركيزة أساسية لتحقيق السلام والاستقرار في منطقة الشرق الأوسط، تبذل بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي جهودًا حثيثة لحل الأزمات الإقليمية بالوسائل السلمية والدبلوماسية والحوار.
وبصفتي رئيسًا لجمعية الصداقة المصرية الكورية، أؤكد أن كوريا تقدر هذا الدور، وقد لمست ذلك من خلال مناقشاتي مع المسؤولين الكوريين، سواء في كوريا أو مصر، وخاصة فيما يتعلق بمساعي مصر تجاه القضية الفلسطينية وإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة.
وقد ظهر ذلك أيضًا في كلمة القائم بأعمال سفارة جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية بالقاهرة بمناسبة الاحتفال بالعيد الوطني لكوريا.
وما أبرز نقاط التلاقي بين السياستين الخارجية المصرية والكورية؟
من خلال التصريحات الرسمية المعلنة للبلدين، أرى أن هناك العديد من نقاط التلاقي التاريخية.
في مقدمتها الإيمان بحق الشعوب في تقرير مصيرها ومكافحة الاحتلال، وهو ما تجسد منذ خمسينيات القرن الماضي وكان أحد العوامل التي دفعت العلاقات المصرية الكورية إلى الأمام.
كما يأتي الالتزام بمبادئ حركة عدم الانحياز واحترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية، إلى جانب التنسيق والدعم المتبادل في عدد من القضايا داخل المحافل الدولية، وعلى رأسها الأمم المتحدة.
وهناك أيضًا اتفاق على أهمية الحوار والتفاوض والوسائل السياسية في معالجة القضايا العالقة بدلًا من الحلول العسكرية.
وتُعد القضية الفلسطينية من أبرز نقاط التلاقي الجوهرية، إذ تتلاقى الدولتان في الموقف المعلن الداعم للحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني وحقه في إقامة دولته المستقلة.
فمصر تضطلع بقيادة الرئيس عبد الفتاح السيسي بدور محوري في القضية الفلسطينية، وتسعى إلى وقف التصعيد وتحقيق التهدئة وفتح آفاق الحل السياسي العادل والشامل.
وفي المقابل، تعلن جمهورية كوريا الديمقراطية الشعبية دعمها للحقوق الفلسطينية، وهو موقف تعبر عنه القيادة والحكومة الكورية في تصريحاتها الرسمية.
وهذا موقف ثابت بالنسبة لمصر وشعبها، فقد قدمت مصر الكثير على مدار تاريخها دفاعًا عن الحقوق الفلسطينية، كما تؤكد التصريحات الرسمية الكورية دعم بيونغ يانغ للقضية الفلسطينية وتطوير علاقاتها مع القاهرة.
بعد هذا التاريخ الممتد بين القاهرة وبيونغ يانغ، ننتقل إلى الملف الأكثر إثارة للجدل: ما الذي يسميه الغرب «الأزمة النووية الكورية»؟ وهل بدأت الأزمة بالفعل بسبب رغبة كوريا الشمالية في امتلاك السلاح النووي، أم أن وراءها جذورًا تاريخية وسياسية أعمق؟
هذا ما نكشفه في الحلقة الثانية من حوار «يونيو نيوز».