رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
مساحة رأي

«القاهرة والرياض قلب واحد».. حين يُهدد العرب لا مكان للحياد

بين النيل والرياض ليست المسافة حدودًا على الخريطة فقط، بل تاريخ من المواقف والمصالح والمصير المشترك، وحين تهتز أرض عربية لا يبقى الصدى حبيس حدودها، لأن ما يمس أمن السعودية يمتد أثره إلى مصر، وما يهدد البحر الأحمر يصل صداه إلى قناة السويس، وما يصيب دولة عربية اليوم قد يطرق باب أخرى غدًا.

وفي لحظات الخطر تسقط الحسابات الصغيرة وتعود الحقيقة الأكبر إلى الواجهة، أن مصر والسعودية ليستا مجرد دولتين كبيرتين في الإقليم، بل ركيزتان في قلب العالم العربي، وأن أمن القاهرة لا ينفصل عن أمن الرياض، كما لا ينفصل أمن الخليج عن البحر الأحمر ولا أمن المشرق عن استقرار المنطقة بأكملها.

العروبة في مثل هذه اللحظات ليست شعارًا يرفع في الخطب، بل موقف ومسؤولية وإدراك بأن الأوطان العربية وإن اختلفت حدودها تبقى مترابطة المصير، فالصاروخ الذي يهدد مدينة عربية لا يسأل عن جوازات السفر، والفوضى حين تبدأ لا تعرف أين تتوقف، والبحر الذي يحمل التجارة إلى جدة هو ذاته الذي يحملها شمالًا نحو قناة السويس.

حين تُستهدف السعودية لا يبقى الخطر داخل حدودها

التصعيد مع الحوثيين أعاد إلى الواجهة حقيقة مهمة، وهي أن الصواريخ والطائرات المسيرة لم تعد مجرد أدوات في صراع يمني داخلي، بل أصبحت قادرة على نقل المواجهة إلى مطارات ومنشآت مدنية واقتصادية وطرق تجارة وطاقة بعيدة عن ساحات القتال التقليدية.

وحين يصبح مطار أو ميناء أو منشأة حيوية في دولة عربية هدفًا، فإن القضية تتجاوز حدود المواجهة المباشرة لتدخل في صميم أمن المنطقة واستقرار اقتصادها، لأن السعودية لا تواجه فقط خطرًا عسكريًا على حدودها، بل تواجه أيضًا تهديدًا يمكن أن يؤثر على حركة الاستثمار والطاقة والملاحة والاستقرار الإقليمي.

وفي الوقت نفسه لا يمكن اختزال الأزمة اليمنية كلها في بعدها العسكري، فاليمن نفسه دفع ثمنًا باهظًا من سنوات الحرب والانقسام، وأي معالجة حقيقية للتهديدات الأمنية تحتاج إلى مسار سياسي يمنع بقاء البلاد ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية ويعيد للدولة اليمنية قدرتها على إدارة أراضيها ومؤسساتها.

مصر والسعودية.. الأمن واحد والمصالح متشابكة

موقف القاهرة من أي تهديد يستهدف السعودية لا يمكن قراءته باعتباره مجرد تضامن دبلوماسي بين دولتين تربطهما علاقات وثيقة، لأن مصر تعرف جيدًا أن أمن المملكة مرتبط بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس.

فالسفينة التي تعبر باب المندب شمالًا تدخل البحر الأحمر في طريقها إلى قناة السويس، وأي اضطراب مستمر في جنوب البحر الأحمر قد يدفع شركات الملاحة إلى تغيير طرقها والالتفاف حول رأس الرجاء الصالح، وهنا لا تكون الخسارة سعودية أو يمنية فقط، بل تمتد إلى مصر وإلى اقتصادات عربية أخرى مرتبطة بحركة التجارة والطاقة.

ولهذا فإن القاهرة والرياض حين تتكاملان سياسيًا وأمنيًا واقتصاديًا لا تحميان مصالح بلدين فقط، بل تساهمان في حماية توازن عربي كامل، فمصر بثقلها الجغرافي والسكاني والعسكري والسعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والديني تمثلان معًا جزءًا أساسيًا من معادلة الاستقرار في المنطقة.

العروبة ليست شعارًا.. بل موقف وقت الخطر

من السهل الحديث عن الوحدة العربية في المناسبات والخطب، لكن القيمة الحقيقية لهذه الفكرة تظهر عندما تتعرض دولة عربية للخطر، فالعروبة ليست أن تتطابق كل المواقف السياسية بين القاهرة والرياض، بل أن يدرك الطرفان أن اضطراب الأمن لدى أحدهما سيترك أثرًا مباشرًا عند الآخر.

إذا اضطرب البحر الأحمر خسرت مصر والسعودية معًا، وإذا استمرت الفوضى في اليمن بقي جنوب الجزيرة العربية مصدرًا دائمًا للتهديد، وإذا تعطلت طرق التجارة والطاقة دفعت المنطقة بأكملها الثمن، وهنا يتحول مفهوم الأمن العربي المشترك من شعار قديم إلى ضرورة عملية لا يمكن تأجيلها.

وأخطر ما يمكن أن تواجهه المنطقة أن تتعامل كل دولة عربية مع أزمتها وحدها، فإذا تعرضت دولة خليجية للخطر اعتبره البعض شأنًا خليجيًا، وإذا تعرضت الملاحة في البحر الأحمر للتهديد قيل إنه ملف يخص الدول المطلة عليه، بينما أثبتت الأزمات الحديثة أن الحدود لم تعد قادرة على عزل التداعيات.

حماية السعودية لا تعني حربًا بلا نهاية

الدفاع عن أمن السعودية لا يعني الدعوة إلى حرب عربية مفتوحة في اليمن، كما لا يعني أن الحل العسكري وحده قادر على إنهاء أزمة امتدت لسنوات، فهناك فرق بين حق أي دولة في حماية أرضها ومواطنيها ومنشآتها وبين الانزلاق إلى صراع مفتوح بلا نهاية سياسية واضحة.

المعادلة الأكثر عقلانية هي حماية أمن الدول والممرات البحرية مع العمل في الوقت نفسه على بناء مسار سياسي جاد في اليمن، لأن السعودية تحتاج إلى حدود آمنة، ومصر تحتاج إلى بحر أحمر مستقر، واليمنيون يحتاجون إلى دولة قادرة على إنهاء سنوات الحرب والانقسام.

كما أن اليمن لا يجب أن يتحول إلى عدو للعرب، فالشعب اليمني نفسه دفع ثمنًا ضخمًا من هذه الحرب، والهدف في النهاية ليس استمرار المواجهة، بل الوصول إلى يمن مستقر لا يتحول إلى منصة لتهديد جيرانه ولا إلى ساحة دائمة لحروب الوكالة والتدخلات الخارجية.

باب المندب.. نقطة التقاء الأمن المصري والسعودي

قليل من النقاط على الخريطة تختصر مصالح العرب مثل باب المندب، فمنه تعبر التجارة بين آسيا وأوروبا، ومنه تدخل السفن إلى البحر الأحمر في طريقها إلى قناة السويس، وعلى ضفتيه تتشابك مصالح مصر والسعودية واليمن ودول أخرى في الإقليم.

وأي اضطراب هناك لا يتوقف عند المياه اليمنية، بل يمتد إلى الموانئ السعودية ثم شمالًا إلى قناة السويس، ولهذا فإن حماية البحر الأحمر ليست خدمة تقدمها دولة لأخرى، بل مصلحة مشتركة تمس الأمن القومي والاقتصاد والتجارة والطاقة في أكثر من دولة عربية.

ومن هنا يصبح التعاون في الأمن البحري والدفاع الجوي وتبادل المعلومات والإنذار المبكر وحماية المنشآت الحيوية ضرورة حقيقية، لأن التضامن بعد وقوع الهجوم مهم، لكن الأكثر أهمية أن تكون هناك قدرة مشتركة تمنع الخطر قبل أن يتحول إلى أزمة مفتوحة.

حين يُهدد العرب لا مكان للحياد

في النهاية ليست القضية السعودية وحدها ولا الحوثيين وحدهم ولا اليمن وحده، بل سؤال أكبر عن معنى الأمن العربي في زمن أصبحت فيه الطائرات المسيرة قادرة على عبور الحدود وأصبح صاروخ واحد قادرًا على تعطيل مطار أو منشأة حيوية وأصبحت سفينة واحدة مستهدفة قادرة على إرباك طريق تجاري كامل.

لا تستطيع القاهرة أن تعيش بعيدة عن اضطراب البحر الأحمر، ولا تستطيع الرياض أن تفصل أمنها عن استقرار اليمن، ولا يستطيع العالم العربي أن يستمر في التعامل مع كل أزمة باعتبارها مأساة محلية تخص أصحابها وحدهم.

بين القاهرة والرياض تاريخ أكبر من الخلافات العابرة، وبين النيل والخليج مصالح أكبر من حدود الجغرافيا، وحين يصبح أمن دولة عربية في مرمى النار فإن العروبة الحقيقية تبدأ من إدراك بسيط، أن النار إذا لم تجد أمامها جدارًا عربيًا واحدًا ستنتقل من باب إلى باب.

السعودية تحتاج إلى الأمن، واليمن يحتاج إلى السلام، ومصر تحتاج إلى بحر أحمر مستقر، والعرب يحتاجون إلى استعادة المعنى الحقيقي للجسد الواحد، لأن أمن الرياض لا ينفصل عن القاهرة، وأمن القاهرة لا ينفصل عن جدة وباب المندب، وحين يُهدد العرب لا مكان للحياد.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>