«الدكتور أيمن دياب».. عالم الجينات الذي عبر من معامل «كورنيل» إلى رئاسة «جامعة شرق العاصمة»

ليست رئاسة جامعة شرق العاصمة سوى المحطة الأحدث في مسيرة رجل أمضى عقودًا متنقلًا بين معامل الهندسة الوراثية وقاعات الجامعات ومواقع صنع القرار العلمي والأكاديمي؛ فمن جامعة كورنيل الأمريكية إلى البحث في جينات القمح والشعير ومقاومة الجفاف، ومن إدارة مؤسسات أكاديمية في مصر والإمارات إلى رئاسة مجلس علمي دولي يجمع دولًا أوروبية ومتوسطية، صنع الأستاذ الدكتور أيمن دياب لنفسه مسارًا يتجاوز حدود الأستاذ الجامعي التقليدي، جامعًا بين العالم والباحث والإداري وصاحب الخبرة الاستشارية.
مسيرة دياب لم تُبنَ على منصب واحد أو تجربة عابرة؛ فقد تولى رئاسة جامعة في دبي، وعمادة كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة MSA، وعمل في جامعة كورنيل، وارتبط بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية، وانتُخب رئيسًا للمجلس العلمي الاستشاري لبرنامج «PRIMA»، وشغل منصب نائب رئيس المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية، قبل أن تضيف مسيرته محطة ذات طبيعة استراتيجية بتعيينه مستشارًا لإدارة الحرب الكيميائية، ثم تتوج خبراته في أغسطس 2026 بتوليه رئاسة جامعة شرق العاصمة، إحدى أحدث الجامعات الخاصة على خريطة التعليم العالي في مصر.
من جامعة القاهرة إلى كورنيل.. صناعة عالم في الوراثة والجينوم
بدأ أيمن دياب رحلته الأكاديمية بالحصول على بكالوريوس العلوم من جامعة القاهرة عام 1992، قبل أن يتجه إلى جامعة عين شمس لاستكمال الدراسات العليا، ويحصل عام 1997 على درجة الماجستير في الميكروبيولوجي «البيولوجيا الجزيئية».
ومنذ تلك المرحلة المبكرة، ظهر اتجاهه نحو الهندسة الوراثية؛ إذ تناولت رسالة الماجستير التحويل الوراثي لبعض أصناف القطن المصري باستخدام Agrobacterium tumefaciens، لتبدأ رحلة طويلة مع الجينات والبيولوجيا الجزيئية والتكنولوجيا الحيوية.
وجاء التحول الأكبر مع انتقاله إلى الولايات المتحدة والتحاقه بكلية الزراعة وعلوم الحياة في جامعة كورنيل بولاية نيويورك، حيث حصل عام 2003 على الدكتوراه في تربية النبات والوراثة، وكانت أطروحته حول التحليل الجينومي لتحمل الجفاف في الشعير والقمح.
كورنيل.. أكثر من شهادة دكتوراه
لم تكن علاقة دياب بكورنيل مجرد رحلة للحصول على درجة علمية؛ فقد أصبح جزءًا من منظومتها الأكاديمية والبحثية، وعمل مساعد تدريس بقسم تربية النبات والوراثة بين عامي 1999 و2002، ثم مدرسًا بالقسم خلال 2002 و2003، قبل أن يستمر ارتباطه بالجامعة باحثًا زائرًا في قسم تربية النبات والوراثة خلال الفترة من 2003 إلى 2009.
وخلال تجربته الأمريكية، حصد عددًا من التكريمات؛ ففي عام 2002 حصل على جائزة Munger/Murphy للأداء المتميز في الدراسة والبحث والخدمة في مجال تربية النبات، إلى جانب جائزة Class of ’63، وفي عام 2003 حصل على جائزة للتدريس من رابطة كليات ومدرسي الزراعة في أمريكا الشمالية «NACTA»، وجائزة للتدريس المتميز من جامعة كورنيل، إلى جانب Baccalaureate Service Award من Cornell United Religious Work.
جائزة الدولة التشجيعية.. اعتراف مصري بمسيرته العلمية
وفي عام 2009، سجل دياب واحدة من أبرز محطات التكريم في مسيرته بحصوله على جائزة الدولة التشجيعية في العلوم التكنولوجية المتقدمة التي تخدم المجال الزراعي.
ويكتسب هذا التكريم دلالته من طبيعة تخصصه العلمي؛ إذ تركز جانب أساسي من أبحاثه على الجينوم والوراثة وتحمل النباتات للإجهادات البيئية، وخاصة الجفاف والملوحة، ومحاولة توظيف التكنولوجيا الحيوية لخدمة تطوير المحاصيل.
كما أشارت سير وتغطيات صحفية منشورة عن دياب إلى اختياره ضمن أفضل 100 عالم في مجال التكنولوجيا الحيوية في تصنيف منسوب إلى جامعة كامبريدج، وهو ما يرد ضمن التعريفات المنشورة بمسيرته العلمية، وإن لم يتوافر حتى الآن مصدر أصلي منشور من جامعة كامبريدج يمكن الاستناد إليه لتوثيق تفاصيل التصنيف.
من معامل الهندسة الوراثية إلى قيادة البحث العلمي
ارتبط جزء كبير من تكوين دياب المهني بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية «AGERI» التابع لمركز البحوث الزراعية في مصر.
بدأ مساعد باحث في مختبر تكنولوجيا التعبير والتنظيم الجيني بين عامي 1993 و1998، ثم باحثًا مساعدًا من 1998 إلى 2003، وباحثًا خلال الفترة من 2003 إلى 2009، قبل أن يشغل منصب أستاذ مشارك بالمعهد خلال الفترة من 2009 إلى 2014.
كما تولى إدارة معمل المعالجة الجزيئية ونقل الجينات بمعهد بحوث الهندسة الوراثية الزراعية، وهي محطة أضافت إلى خبرته البحثية بعدًا إداريًا وقياديًا.
الجينوم والقمح والشعير.. مشروع علمي ممتد
تركزت المجالات البحثية لدياب على التحليل الجينومي للإجهادات الحيوية وغير الحيوية، والجينوم الوظيفي للحبوب، والجينوم التركيبي للقمح والشعير، والوراثة المقارنة للحبوب، وتحليل مواقع الصفات الكمية «QTL»، والاستنساخ الجيني، والتعبير الجيني ونقل الجينات وإنشاء المكتبات الجينومية.
ويكشف إنتاجه المنشور عن حضور واضح لدراسات القمح والشعير وتحمل الجفاف والملوحة والخرائط الوراثية والجينات المرتبطة بالصفات الزراعية، كما شارك في تأليف فصول علمية متخصصة حول الوراثة المقارنة لقمح الديورم ومحاصيل Triticeae والتكيف مع الجفاف في الشعير.
وتسجل سيرته الذاتية أكثر من 30 دراسة وبحثًا ضمن إنتاجه العلمي حتى تاريخ إعدادها، في موضوعات تتراوح بين الهندسة الوراثية والجينوم وزراعة الأنسجة وتحمل الإجهادات البيئية والخرائط الجينية.
مناصب ثقيلة.. من رئاسة الجامعات إلى «PRIMA»
لم يبق أيمن دياب داخل حدود المعمل؛ فقد انتقل بالتوازي إلى الإدارة الجامعية والمناصب العلمية والاستشارية.
وتولى رئاسة جامعة العلوم الحديثة «University of Modern Sciences» في دبي بالإمارات خلال الفترة من 2011 إلى 2014، كما عمل مستشارًا أكاديميًا لغرفة أبوظبي للصناعة والتجارة خلال الفترة من 2010 إلى 2011، وتولى في مصر عمادة كلية التكنولوجيا الحيوية بجامعة أكتوبر للعلوم الحديثة والآداب «MSA»، إلى جانب إدارة مكتب الابتكار التكنولوجي وتسويق التكنولوجيا بالجامعة.
كما عمل أستاذًا زائرًا بكلية العلوم في جامعة جرينتش بالمملكة المتحدة، وسبق له العمل أستاذًا مساعدًا بقسم البيولوجي في الجامعة الأمريكية بالقاهرة، إلى جانب تجربته الطويلة في كورنيل.
وامتدت مسؤولياته خارج الجامعات، فتولى منصب نائب رئيس المركز المصري للبحوث والدراسات الأمنية، وسبق له تولي منصب نائب رئيس المركز الدولي للاستشارات البيئية «ICEC»، كما عمل مستشارًا لتطوير التدريب بشركة Fujitsu.
«PRIMA».. أيمن دياب على رأس مجلس علمي دولي
ومن أبرز المحطات الدولية في مسيرته انتخابه في 31 يناير 2019 رئيسًا للمجلس العلمي الاستشاري لبرنامج الشراكة من أجل البحث والابتكار في منطقة البحر المتوسط «PRIMA».
وجرى انتخابه خلال اجتماع في برشلونة بإسبانيا، بتصويت ممثلي 19 دولة أوروبية وشرق أوسطية، بعد ترشيحه من الجانب المصري، ليتولى رئاسة المجلس العلمي الاستشاري لبرنامج دولي يهتم بملفات حيوية واستراتيجية ترتبط بالمياه والغذاء والزراعة والطاقة.
ويمثل هذا المنصب محطة مختلفة في مسيرة دياب؛ إذ نقله من إدارة المؤسسات والبرامج الأكاديمية المحلية إلى موقع علمي استشاري داخل شراكة بحثية دولية تجمع دولًا من ضفتي البحر المتوسط.
من اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية إلى الاستشارات الاستراتيجية
شملت مسيرة دياب كذلك عضوية اللجنة الوطنية للعلوم الوراثية، إلى جانب مشاركته في التحكيم العلمي وعضوية هيئات تحرير عدد من الدوريات المتخصصة في التكنولوجيا الحيوية والوراثة وتربية النبات.
كما عمل مراجعًا لمشروعات صندوق العلوم والتنمية التكنولوجية «STDF»، وشارك في الجمعية المصرية للوراثة، وانتُخب في وقت سابق عضوًا بمجلس الممثلين بجامعة كورنيل، وتولى سكرتارية الجمعية المصرية بالجامعة خلال فترة وجوده في الولايات المتحدة.
وفي محطة ذات طبيعة استراتيجية، أعلنت جامعة MSA عام 2024 تعيين الأستاذ الدكتور أيمن دياب مستشارًا لإدارة الحرب الكيميائية بعد موافقة الأمانة العامة لوزارة الدفاع المصرية، ليضيف إلى مسيرته موقعًا استشاريًا يرتبط بتوظيف الخبرة العلمية في نطاق يتجاوز العمل الجامعي والبحثي التقليدي.
مشروعات بحثية بملايين الجنيهات
ولم تقتصر خبرته على نشر الأبحاث، وإنما امتدت إلى إدارة مشروعات علمية ممولة؛ إذ كان الباحث الرئيسي لمشروع إنشاء مكتب لتسويق التكنولوجيا والابتكار بجامعة MSA ودعم الابتكار البحثي بمدينة السادس من أكتوبر خلال الفترة من 2013 إلى 2015، بتمويل بلغ 700 ألف جنيه من أكاديمية البحث العلمي والتكنولوجيا.
وشارك كباحث رئيسي مشارك في مشروع لتطوير نظام للانتخاب بمساعدة الواسمات لمقاومة مرض Net Blotch في الشعير، بتمويل 960 ألف جنيه من صندوق العلوم والتنمية التكنولوجية «STDF».
كما قاد مشروعًا لاستخدام علم الجينوم في خدمة تربية قمح الديورم وتطوير أصناف ذات كفاءة مرتفعة في استخدام المياه في مصر، بتمويل مليون جنيه، وشارك في مشروع للتحليل الجينومي التركيبي والوظيفي لبعض المحاصيل الاقتصادية، بلغت قيمة تمويله 3.75 مليون جنيه.
جامعة شرق العاصمة.. جامعة جديدة تبحث عن مكان بين الكبار
جاءت المحطة الأحدث في مسيرة أيمن دياب مع جامعة شرق العاصمة «East Capital University»، إحدى أحدث الجامعات الخاصة التي انضمت إلى منظومة التعليم العالي في مصر.
وصدر قرار رئيس الجمهورية رقم 511 لسنة 2025 بإنشاء الجامعة، ومقرها مدينة المستقبل بالهايكستب في محافظة القاهرة، ونص قرار الإنشاء على تمتعها بشخصية اعتبارية خاصة وألا يكون غرضها الأساسي تحقيق الربح.
وتضم الجامعة وفق قرار إنشائها تسع كليات هي: الطب البشري، وطب الفم والأسنان، والصيدلة، والهندسة، وعلوم الحاسب وتكنولوجيا المعلومات، والاقتصاد وإدارة الأعمال، والإعلام، والعلاج الطبيعي، والفنون والتصميم.
وتقوم فلسفة الجامعة على المساهمة في رفع مستوى التعليم والبحث العلمي وإعداد الكوادر المتخصصة وربط العملية التعليمية والبحثية باحتياجات المجتمع والتنمية، مع إتاحة التوسع مستقبلًا في إنشاء كليات ومعاهد ووحدات بحثية جديدة وفق الإجراءات المنظمة.
من القائم بالأعمال إلى رئيس جامعة شرق العاصمة
بدأ دياب قيادة جامعة شرق العاصمة بصفته القائم بأعمال رئيس الجامعة، وظهر بهذه الصفة خلال عدد من تحركات الجامعة في النصف الأول من عام 2026.
وخلال تلك المرحلة، برز توجه نحو بناء نموذج تعليمي يربط الجامعة بصورة أكبر بالصناعة والتطبيق العملي؛ ففي مايو 2026 أعلن دياب تخصيص مساحة تقارب 20 فدانًا داخل الحرم الجامعي لإنشاء مجمع للمصانع التعليمية، إلى جانب العمل على تطوير بيئة تسمح بالتعاون مع الشركات والمصانع وربط البحث العلمي والتدريب الجامعي بالتطبيق.
كما تحركت الجامعة في بناء قطاعها الطبي، وشهدت فترة قيادته افتتاح العيادات الخارجية بمستشفى جامعة شرق العاصمة، في إطار تطوير البنية الطبية والتعليمية للجامعة.
أغسطس 2026.. رئيسًا لجامعة شرق العاصمة
وفي أغسطس 2026، انتقل دياب من مرحلة القيام بأعمال رئيس الجامعة إلى رئاستها رسميًا، حيث نُشر صدور قرار بتعيين الأستاذ الدكتور أيمن أحمد علي دياب رئيسًا لجامعة شرق العاصمة.
ويمثل المنصب تتويجًا لمسيرة إدارية سابقة في رئاسة الجامعات وعمادة الكليات، لكنه يضعه هذه المرة أمام تحدٍ مختلف: قيادة جامعة حديثة التأسيس وبناء هويتها الأكاديمية والبحثية منذ سنواتها الأولى.
وتأتي المهمة في وقت تتسارع فيه المنافسة داخل منظومة التعليم الجامعي في مصر على البرامج الحديثة والشراكات الدولية والذكاء الاصطناعي والبحث التطبيقي وقدرة الخريجين على مواكبة احتياجات سوق العمل.
رئاسة الجامعة.. بداية مرحلة وليست نهاية المسيرة
وتكشف التحركات الأولى لجامعة شرق العاصمة تحت قيادة دياب عن توجه نحو توسيع علاقاتها الأكاديمية والمجتمعية والإقليمية، بالتوازي مع بناء منشآتها وبرامجها.
وفي سبتمبر 2026، وقع دياب بصفته رئيسًا للجامعة اتفاقية تعاون مع الجانب الفلسطيني تقضي بمعاملة الطلبة الفلسطينيين معاملة الطلاب المصريين في سداد الرسوم الدراسية بالجنيه المصري، في خطوة تستهدف دعم الطلاب الفلسطينيين وتخفيف الأعباء التعليمية عنهم.
أيمن دياب.. عندما يجتمع العالم ورئيس الجامعة في مسيرة واحدة
بعد أكثر من ثلاثة عقود من بداية رحلته في العلوم والبحث العلمي، تبدو رئاسة جامعة شرق العاصمة بالنسبة لأيمن دياب امتدادًا لمسار طويل أكثر منها انتقالًا مفاجئًا إلى الإدارة.
فالرجل الذي بدأ من علوم جامعة القاهرة، وخاض تجربة البحث في الهندسة الوراثية، وانتقل إلى جامعة كورنيل للحصول على الدكتوراه والعمل في التدريس والبحث، ثم عاد ليتدرج داخل مؤسسات البحث العلمي، قبل أن يدخل عالم الإدارة الجامعية في مصر والإمارات، وصل اليوم إلى قيادة جامعة مصرية حديثة تحمل أمامها تحدي صناعة اسم ومكانة من نقطة البداية.
وبين جائزة الدولة التشجيعية، وتجربة كورنيل، ورئاسة جامعة في دبي، وعمادة التكنولوجيا الحيوية، ورئاسة المجلس العلمي الاستشاري لـ«PRIMA»، والعمل الاستشاري في ملفات علمية واستراتيجية، وصولًا إلى رئاسة جامعة شرق العاصمة، تتشكل صورة أكاديمي لم يحصر تجربته في تخصص واحد أو منصب واحد.
والاختبار الأكبر أمام دياب الآن ليس ما حققه في الماضي، بقدر ما يمكن أن يصنعه في المستقبل؛ فجامعة شرق العاصمة تمنحه فرصة لتحويل خبرة امتدت بين العلم والإدارة والابتكار والتعاون الدولي إلى مؤسسة جامعية تحمل بصمته، وتبحث منذ سنواتها الأولى عن موقع متقدم على خريطة التعليم والبحث العلمي في مصر والمنطقة.








