بروفايل

اللواء جمال حجازي.. من القوات المسلحة والموانئ البرية إلى قيادة «جرين بلانت» للحلول البيئية المستدامة

✒️ كتب: محمود أبو السعود

ليست كل المسيرات المهنية تُقاس بعدد المناصب، فبعضها يُقرأ في حجم الملفات التي حملها أصحابها، وفي المشروعات التي تحولت على أيديهم من خرائط وخطط إلى واقع، ومن المؤسسة العسكرية إلى تخطيط مشروعات النقل، ثم قيادة الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة وفتح بوابات مصر جنوبًا نحو السودان وأفريقيا، وصولًا إلى إدارة واحد من أكثر الملفات البيئية تعقيدًا، تمتد رحلة اللواء جمال خليل حجازي عبر عقود من العمل التنفيذي والإدارة الميدانية.

في مسيرته، حضرت الحدود والموانئ والطرق وممرات التجارة، كما حضرت مشروعات قسطل وأرقين وخطط الموانئ الجافة والربط اللوجستي مع القارة الأفريقية، واليوم، يقف حجازي أمام تحدٍ من نوع آخر، رئيسًا تنفيذيًا لشركة «جرين بلانت» لتدوير المخلفات والحلول البيئية المستدامة، يقود منظومة تتعامل يوميًا مع آلاف الأطنان من المخلفات وتحول جانبًا منها إلى موارد تعود مرة أخرى إلى دورة الإنتاج.

إنها مسيرة انتقلت من خدمة الدولة وإدارة ملفاتها الاستراتيجية إلى العمل في قلب قضية أصبحت من قضايا المستقبل: الاستدامة، وبين البداية العسكرية والمحطة البيئية الحالية، ظل الخيط الممتد في رحلة جمال حجازي واحدًا؛ إدارة الملفات الصعبة حين تكون النتائج هي المعيار الحقيقي للنجاح.

بداية عسكرية وخبرة في الإدارة

بدأ اللواء جمال خليل حجازي مسيرته المهنية داخل القوات المسلحة المصرية، وهي المرحلة التي شكلت البدايات الأولى لرحلة طويلة في الإدارة والعمل التنفيذي، قبل انتقاله إلى مواقع قيادية في قطاع النقل.

ورغم محدودية التفاصيل المنشورة حول المواقع العسكرية المحددة التي شغلها، فإن انتقاله لاحقًا إلى مؤسسات الدولة جاء محملًا بخبرة إدارية وتنظيمية ظهرت بوضوح في طبيعة الملفات التي أُسندت إليه، خاصة المشروعات التي تتطلب التنسيق بين جهات متعددة وإدارة عمليات واسعة النطاق.

من تخطيط مشروعات النقل إلى مواقع القيادة

مثّل قطاع النقل محطة رئيسية في مسيرة حجازي، إذ شغل منصب نائب رئيس الهيئة العامة لتخطيط مشروعات النقل، ليعمل في قلب الملفات المتعلقة بتخطيط وتطوير البنية الأساسية ومنظومة النقل المصرية.

كما ارتبطت مسيرته داخل وزارة النقل بمواقع قيادية أخرى، من بينها وكيل أول وزارة النقل والمشرف على مكتب وزير النقل، ليجمع خلال هذه المرحلة بين التخطيط للمشروعات والإدارة التنفيذية والتعامل المباشر مع الملفات الاستراتيجية للوزارة.

ومهدت تلك الخبرة الطريق أمام واحدة من أهم محطات مسيرته المهنية؛ رئاسة الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة.

2012.. على رأس الموانئ البرية والجافة

في عام 2012، تولى جمال حجازي رئاسة مجلس إدارة الهيئة العامة للموانئ البرية والجافة، ليصبح مسؤولًا عن ملف يرتبط بصورة مباشرة بحركة التجارة المصرية والمعابر الحدودية والموانئ الجافة والمراكز اللوجستية.

وخلال تلك المرحلة، لم يعد مفهوم الميناء البري مقتصرًا على كونه نقطة لعبور الأشخاص والبضائع، وإنما أصبح جزءًا من رؤية أوسع تستهدف ربط مصر بالأسواق الإقليمية والأفريقية وتطوير شبكة متكاملة للنقل والخدمات اللوجستية.

قسطل.. بوابة مصر إلى السودان

كان الربط البري بين مصر والسودان واحدًا من أبرز الملفات التي شهدتها فترة رئاسة حجازي للهيئة.

وجاء ميناء قسطل البري كأحد المشروعات المهمة في هذا الاتجاه، ليقدم مسارًا مباشرًا لحركة الركاب والبضائع بين مصر والسودان، ويدعم خطط توسيع التجارة البرية المصرية جنوبًا.

وافتُتح الميناء في أغسطس 2014، بعد تنفيذ أعمال المنطقة الجمركية والمباني والطرق والمنشآت والتجهيزات اللازمة للتشغيل، بتكلفة إجمالية للمشروع بلغت نحو 360 مليون جنيه.

وسرعان ما أصبح المنفذ محورًا مهمًا للحركة بين البلدين، إذ وصل عدد مستخدميه خلال عام 2015 إلى نحو 160 ألف راكب، إلى جانب قرابة 20 ألف سيارة، فيما بلغت الإيرادات المرتبطة بحركة المنفذ نحو 500 مليون جنيه خلال العام.

أرقين.. الطريق يمتد إلى أفريقيا

لم تتوقف رؤية الربط البري عند قسطل، إذ امتدت إلى ميناء أرقين البري، في إطار إنشاء محور إضافي يربط مصر بالسودان ويفتح مسارًا أمام حركة التجارة المصرية نحو عمق القارة الأفريقية.

وكان تطوير المعابر الجنوبية جزءًا من تصور أكبر يقوم على الاستفادة من الموقع الجغرافي لمصر وربط موانئها وشبكات النقل بها بممرات التجارة الأفريقية، بما يساهم في تقليل زمن وتكلفة نقل البضائع وفتح أسواق جديدة أمام المنتجات المصرية.

5 آلاف كيلومتر لاستكشاف طرق التجارة

ولم تقتصر دراسة فرص الربط التجاري مع أفريقيا على الاجتماعات والخطط المكتبية.

ففي عام 2015، قاد حجازي رحلة استكشافية للممرات التجارية الأفريقية امتدت لنحو 5 آلاف كيلومتر ذهابًا وعودة، مرورًا بالسودان وفي اتجاه إثيوبيا.

وكان الهدف دراسة الطرق والمعابر على الطبيعة والتعرف على التحديات التي تواجه حركة البضائع والشاحنات، واستكشاف فرص إنشاء وتفعيل ممرات تجارية تربط مصر بصورة أكبر بأسواق القارة.

وعكست الرحلة جانبًا من فلسفة الإدارة الميدانية؛ النزول إلى مسارات الحركة نفسها ودراسة المشكلات والفرص من أرض الواقع.

الموانئ الجافة.. رؤية تتجاوز الحدود

بالتوازي مع المعابر الحدودية، كان ملف الموانئ الجافة والمناطق اللوجستية حاضرًا بقوة خلال رئاسة حجازي للهيئة.

وتقوم فلسفة الموانئ الجافة على إنشاء مراكز متكاملة داخل البلاد مرتبطة بالموانئ البحرية وشبكات الطرق والسكك الحديدية، بما يسمح بنقل جزء من عمليات تداول وتخليص البضائع إلى الداخل، وتخفيف الضغط عن الموانئ البحرية وتسريع حركة التجارة.

وبرز ضمن هذا التوجه مشروع ميناء السادس من أكتوبر الجاف والمنطقة اللوجستية المرتبطة به، إلى جانب خطط ومشروعات مرتبطة بالعاشر من رمضان ونويبع والطور وشرق بورسعيد.

وامتدت الرؤية إلى دراسة التكامل بين الموانئ الجافة والمراكز اللوجستية ومحور قناة السويس، بما يسمح بتكوين شبكة نقل وتجارة أكثر ترابطًا.

محطة جديدة.. من اللوجستيات إلى البيئة

بعد سنوات من العمل في النقل والموانئ والمعابر والمشروعات اللوجستية، دخل جمال حجازي مجالًا مختلفًا في طبيعته، لكنه يحمل القدر نفسه من التعقيد التشغيلي: إدارة المخلفات والحلول البيئية المستدامة.

ويتولى حجازي منصب الرئيس التنفيذي لشركة «جرين بلانت» لتدوير المخلفات والحلول البيئية المستدامة، التي تدير مصنعًا لمعالجة وتدوير المخلفات على طريق الكريمات بمدينة 15 مايو، على مساحة تبلغ نحو 30 فدانًا.

وهنا انتقلت خبرة الإدارة من حركة الأشخاص والبضائع عبر الحدود والموانئ إلى إدارة حركة آلاف الأطنان من المخلفات، وما يرتبط بها من استقبال ونقل وفرز ومعالجة وإعادة تدوير وتخلص آمن.

4 آلاف طن.. طاقة يومية لمنظومة لا تتوقف

يعمل مصنع «جرين بلانت» على مدار 24 ساعة لاستقبال المخلفات البلدية الصلبة الواردة من مناطق واسعة بالقاهرة.

وتصل الطاقة التي تم تأهيل المصنع لاستقبالها إلى نحو 4 آلاف طن يوميًا، فيما يدور حجم المخلفات التي تصل إليه فعليًا حول آلاف الأطنان كل يوم، مع زيادة الكميات خلال الأعياد والمناسبات.

وتبدأ رحلة المخلفات من منطقة الاستقبال، ثم تدخل مراحل الفرز والمعالجة، قبل فصل المواد التي يمكن الاستفادة منها عن الجزء الذي لا يصلح لإعادة التدوير.

حين تتحول المخلفات إلى سماد

أحد أهم المنتجات الناتجة عن عمليات المعالجة هو «الكمبوست»، وهو سماد عضوي طبيعي يمكن استخدامه في تحسين التربة واستصلاح الأراضي الصحراوية.

ويمثل الكمبوست نحو 30% من قيمة المخلفات الواردة، بما يعكس التحول في فلسفة إدارة النفايات من التخلص منها إلى البحث عن القيمة الموجودة داخلها وإعادتها إلى دورة الاستخدام.

وقود بديل من قلب المخلفات

المسار الآخر هو إنتاج الوقود البديل RDF من المكونات المناسبة من المخلفات بعد الفرز والمعالجة.

ويتم استخدام هذا الوقود في الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة، وعلى رأسها صناعة الأسمنت، بما يحقق استفادة إضافية من المخلفات ويخفض حجم المواد المتجهة إلى الدفن.

أما الجزء غير القابل للتدوير أو المعالجة، والذي يتراوح بين 20 و30%، فيتم التعامل معه من خلال الدفن الصحي وفق الاشتراطات البيئية التي تستهدف حماية التربة والمياه الجوفية من التلوث.

من القاهرة إلى COP27

وشاركت «جرين بلانت» في مشروعات تجاوز تأثيرها نطاق المصنع، من بينها التعامل مع جزء كبير من مخلفات القاهرة وإدخالها إلى منظومة المعالجة والتدوير.

كما شاركت الشركة بالتعاون مع وزارة البيئة ومحافظة جنوب سيناء في الاستعدادات البيئية لاستضافة مؤتمر الأمم المتحدة للمناخ COP27 بمدينة شرم الشيخ عام 2022.

وكانت المشاركة في الاستعداد لحدث عالمي معني بالمناخ والاستدامة محطة ذات دلالة في مسيرة الشركة، خاصة مع تحول إدارة المخلفات وإعادة التدوير إلى عنصر أساسي في سياسات مواجهة التحديات البيئية.

التوسع.. المحطة المقبلة

وفي ظل الكميات الضخمة التي يتم استقبالها يوميًا، تتجه «جرين بلانت» إلى تطوير قدراتها وزيادة المساحة والطاقة التشغيلية، بما يسمح بالتعامل مع كميات أكبر من المخلفات.

ويأتي ذلك ضمن تحول أوسع في النظرة إلى هذا القطاع، حيث لم تعد المخلفات نهاية دورة الاستهلاك، بل أصبحت بداية لدورة إنتاج جديدة يمكن خلالها استعادة المواد وتحويلها إلى سماد ووقود ومنتجات ذات قيمة اقتصادية.

جمال حجازي.. الملفات تتغير ومنهج الإدارة يبقى

من المؤسسة العسكرية إلى وزارة النقل، ومن تخطيط المشروعات إلى رئاسة الموانئ البرية والجافة، ومن بوابات مصر الجنوبية وممرات التجارة الأفريقية إلى واحد من أكبر تحديات المدن الحديثة؛ انتقلت مسيرة اللواء جمال خليل حجازي بين ملفات شديدة التنوع.

لكن ما يجمع تلك المحطات ليس مجرد تعاقب المناصب، وإنما طبيعة الملفات نفسها: مشروعات كبيرة، عمليات لا تحتمل التوقف، أطراف متعددة، ونتائج يجب أن تظهر على الأرض.

واليوم، بينما يقود «جرين بلانت» في قطاع تدوير المخلفات والحلول البيئية المستدامة، تبدو المحطة الجديدة امتدادًا لمسيرة اعتادت التعامل مع الملفات الثقيلة؛ تتغير ساحات العمل، ويبقى الرهان على الإدارة والتنفيذ وتحويل الخطط إلى نتائج.

f
تابع يونيو نيوز على فيسبوك
تابع آخر الأخبار والتقارير الحصرية لحظة بلحظة
تابعنا

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

زر الذهاب إلى الأعلى
عاجل
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»
09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط» 09:00حصاد المشايخ والطرق الصوفية.. أهم التفاصيل التي يجب معرفتها00:55سعر الذهب اليوم السبت 22 اغسطس 202600:51معدلات الإقراض بين البنوك.. نبض السيولة ومؤشر الاستقرار المصرفي00:46التوسع الإقليمي.. خريطة طريق الانتشار الناجح في الأسواق المجاورة00:42القيمة الحقيقية للمال.. استراتيجيات ذكية لحمايته في أوقات الغلاء والتضخم00:37إعلانات الشركات.. المحرك الرئيسي لاتجاهات الأسواق والأسهم00:15أبرز التصريحات السياسية.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع00:07حصاد السياسة اليوم.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:58أخبار مجلس الشيوخ.. كل ما تريد معرفته عن الموضوع23:07من الحلاقة إلى الشعوذة.. نكشف القصة الكاملة لـ«دجال العياط»