بروفايل

«أحمد منصور.. رجل الـ147 مصنعًا و4500 فرصة عمل بقلب المنطقة الاستثمارية في بنها»

✍️ كتب: محمود أبو السعود

خلف أبواب المصانع وخطوط الإنتاج في قلب بنها، تتحرك يوميًا عشرات المشروعات وآلاف فرص العمل، وبين مستثمر يبحث عن حل، ومصنع يسعى إلى التوسع، وجهات تنفيذية تتداخل اختصاصاتها، يقف مسؤول يحمل على مكتبه تفاصيل هذا المجتمع الصناعي بالكامل، هنا تظهر حكاية أحمد منصور، مدير عام المنطقة الاستثمارية بمدينة بنها، وأحد المسؤولين التنفيذيين المرتبطين بملف الاستثمار والصناعة في محافظة القليوبية.

 

لا تحتاج إدارة منطقة استثمارية إلى كثير من الأضواء بقدر ما تحتاج إلى الحضور وسط التفاصيل، فالمصانع لا تتوقف حساباتها عند أبواب خطوط الإنتاج، والمستثمر يبحث دائمًا عن إجابة لمشكلة، والعامل يرتبط يومه باستمرار عجلة المصنع، وفي مساحة كهذه، لا تبدو الإدارة وظيفة مكتبية بالمعنى التقليدي.

 

ارتبط اسم منصور خلال السنوات الأخيرة بإدارة المنطقة الاستثمارية في بنها، واختار  أو ربما فرضت عليه طبيعة منصبه أن يكون حضوره الأكبر في التفاصيل وليس في الأضواء، لا توجد حوله سيرة إعلامية صاخبة، ولا عشرات الحوارات التي يتحدث فيها عن نفسه، بل إن المعلومات الشخصية المنشورة عنه محدودة للغاية، لكن المفارقة أن تتبع سنوات عمله يكشف عنه أكثر مما قد تفعله سيرة ذاتية طويلة.

 

مدير لا يبحث عن الأضواء

في زمن أصبحت فيه بعض المناصب مرتبطة بالحضور الإعلامي بقدر ارتباطها بالعمل، تبدو تجربة أحمد منصور مختلفة بعض الشيء، اسمه يظهر غالبًا عندما يكون هناك مصنع يُفتتح أو مستثمر يناقش مشكلة أو مسؤول يتفقد المنطقة أو اجتماع يبحث احتياجات أصحاب المشروعات.

 

الصورة هنا لرجل إدارة أكثر منها لرجل تصريحات، وهذا تحديدًا ما يجعل تجربته مختلفة؛ فأنت لا تملك أمامك شخصية صنعت صورتها عبر الإعلام، وإنما مسؤولًا صنعت وظيفته الجزء الأكبر من صورته العامة، ومنذ سنوات، أصبح منصور واحدًا من الوجوه المرتبطة بمنطقة بنها الاستثمارية، حتى صار وجوده جزءًا من المشهد اليومي لمكان يضم عشرات المصانع وآلاف العاملين.

 

مكتبه يبدأ من أبواب المصانع

مكتب مدير منطقة استثمارية ليس نهاية سلسلة إدارية، بل بدايتها، ورقة تتعلق بمرفق، وأخرى بمستثمر لديه مشكلة، ومصنع يحتاج إلى تنسيق مع جهة حكومية، واجتماع مع مسؤول، وجولة بين خطوط الإنتاج، ثم العودة من جديد إلى الملفات.

 

تلك هي المساحة التي يتحرك فيها أحمد منصور، فهو يقف في نقطة وسط بين عالمين مختلفين في طريقة التفكير والحسابات؛ المستثمر يريد سرعة القرار لأن توقف الوقت بالنسبة إليه يعني تكلفة، والجهاز الإداري تحكمه قواعد وإجراءات وجهات متعددة، وبين الاثنين، يصبح دور المدير أن يجد المساحة التي تسمح باستمرار العمل دون تجاوز القواعد، ربما تكون تلك أصعب معادلات المنصب.

 

خلف كل مصنع حكاية

خلف كل باب مصنع قصة مختلفة، هناك مستثمر وضع جزءًا كبيرًا من رأسماله في مشروع ينتظر نجاحه، وآخر يحاول زيادة إنتاجه، وثالث يبحث عن سوق جديدة، وعشرات أو مئات العاملين الذين يرتبط دخل أسرهم باستمرار هذا المشروع.

 

لهذا فإن إدارة منطقة استثمارية ليست إدارة مبانٍ ومخازن ومرافق، إنها في جانب كبير منها إدارة مصالح متشابكة، وهنا تظهر طبيعة المسؤولية التي حملها أحمد منصور خلال سنوات عمله في بنها.

 

فالوصول بالمنطقة إلى إشغال كامل لا يعني أن المهمة انتهت؛ على العكس، عند هذه النقطة تبدأ المهمة الأكثر تعقيدًا، عندما تمتلئ الوحدات، تبدأ أسئلة أخرى: هل المصانع تعمل بكفاءة؟ هل المستثمر قادر على الاستمرار؟ ما الذي يعطله؟ وهل يمكن للمشروع الصغير اليوم أن يصبح أكبر غدًا؟

 

ملف الأرقام.. ماذا يدير أحمد منصور؟

بعيدًا عن لغة المناصب والاجتماعات، تكشف الأرقام الحجم الحقيقي للمسؤولية الموجودة على مكتب مدير منطقة بنها الاستثمارية.

المنطقة مقامة على مساحة تقترب من 46 فدانًا، وتضم 147 وحدة صناعية، إلى جانب 16 منفذ بيع و18 مخزنًا و6 وحدات تبريد، وتتركز أنشطتها بصورة أساسية في الصناعات الغذائية والزراعية والأنشطة المكملة لها.

ووصلت نسبة إشغال المنطقة إلى 100%، وهو ما يعني أن الحديث لم يعد عن منطقة تنتظر المستثمرين، وإنما عن تجمع إنتاجي يعمل بالفعل ويحتاج إلى إدارة يومية لمشكلاته ومتطلبات استمراره.

أما الرقم الأكثر ارتباطًا بالبعد الاجتماعي للمنطقة فهو أكثر من 4500 فرصة عمل توفرها المشروعات القائمة بداخلها، بما يجعل أي قرار أو مشكلة تتعلق بالمصانع أبعد بكثير من حدود المستثمر نفسه، وتمتد آثارها إلى آلاف العاملين وأسرهم.

وتضم المنطقة كذلك مركزًا لخدمات المستثمرين، ومركزًا لريادة الأعمال، ومركزًا حضريًا للمرأة، ومبنى لخدمات العاملين، إلى جانب المرافق والمنشآت الخدمية التي يحتاج إليها مجتمع صناعي بهذا الحجم.

46 فدانًا، و147 وحدة صناعية، وإشغال كامل، وأكثر من 4500 فرصة عمل.. أرقام تختصر حجم المكان الذي يتحرك أحمد منصور داخل تفاصيله يوميًا.

 

بين المستثمر والمسؤول

في الجولات الرسمية، يقف أحمد منصور إلى جوار المسؤولين، لكن الجزء الأهم من وظيفته يحدث غالبًا بعد انتهاء الجولة، فالمشكلة التي يطرحها المستثمر تحتاج إلى متابعة، والطلب الذي يسجله مسؤول يحتاج إلى تنفيذ، والوعد بحل أزمة لا تكون له قيمة إذا ظل مجرد جملة قيلت أمام الكاميرات.

ولهذا يبدو منصور أقرب في طبيعة عمله إلى حلقة الوصل، يعرف لغة المستثمر الذي يقيس الأمور بالإنتاج والتكلفة والوقت، وفي الوقت نفسه يعمل داخل منظومة حكومية لها قواعدها ومساراتها.

 

أن تجمع اللغتين في غرفة واحدة ليس دائمًا أمرًا سهلًا فالاستثمار في النهاية لا يعيش على القرارات الكبرى فقط؛ أحيانًا تكون مشكلة مياه أو صرف أو إجراء إداري صغير كافية لتعطيل مشروع كامل، ومن هنا تصبح التفاصيل الصغيرة جزءًا من الاقتصاد الكبير.

 

عندما يتحول النجاح إلى تحدٍ جديد

هناك مفارقة تواجه أي مدير لمنطقة استثمارية ناجحة، في البداية يكون الهدف ملء الوحدات بالمشروعات، لكن عندما تصل نسبة الإشغال إلى 100%، تختفي المشكلة القديمة وتظهر مشكلة أصعب: ماذا ستفعل بكل هذا النجاح؟

بالنسبة لأحمد منصور، لم يعد السؤال متعلقًا فقط بجذب مستثمر جديد، وإنما بكيفية الحفاظ على الموجود بالفعل.

147 وحدة صناعية ليست رقمًا على ورقة، إنها عشرات القصص الاقتصادية التي تحتاج كل واحدة منها إلى الاستمرار، وأكثر من 4500 فرصة عمل ليست مجرد رقم في بيان؛ خلفها آلاف البيوت التي ترتبط بصورة أو بأخرى باستمرار عجلة الإنتاج.

وهنا يتحول المدير من مسؤول عن «منطقة» إلى مسؤول عن منظومة كاملة تتحرك يوميًا.

 

هدوء بعيد عن الكاميرات

اللافت في شخصية أحمد منصور العامة هو محدودية حديثه عن نفسه، فلا توجد وفق المتاح علنًا سيرة ذاتية مفصلة يروي خلالها رحلته، ولا حضور إعلامي كثيف يحاول من خلاله بناء صورة شخصية.

وحتى عندما يظهر اسمه، غالبًا ما يكون الحديث عن المنطقة أو المستثمرين أو المصانع، وليس عنه، ربما لهذا ظل اسم أحمد منصور معروفًا بصورة أكبر داخل دوائر الاستثمار والصناعة في القليوبية من حضوره لدى الجمهور العام.

لكن المناصب التنفيذية لا تحتاج دائمًا إلى صاحب الصوت الأعلى، أحيانًا يكون معيارها الحقيقي هو قدرة المسؤول على البقاء وسط التفاصيل لسنوات، خصوصًا في ملف لا يعرف الهدوء مثل الاستثمار.

 

امتحان يبدأ كل صباح

في الصناعة، لا توجد مشكلة يمكن تأجيلها بسهولة، المصنع الذي يتوقف اليوم لا يستطيع أن يخبر العمال والعملاء بأنه سيعوض الوقت لاحقًا ببساطة، كل ساعة لها حسابها، وكل تأخير قد يمتد أثره إلى سلسلة كاملة من الإنتاج والتوريد.

ولهذا يعيش مدير المنطقة الاستثمارية امتحانًا متجددًا كل صباح، ومن هذه الزاوية يمكن قراءة تجربة أحمد منصور، فاستمراره في إدارة منطقة بنها عبر سنوات شهدت تغيرات اقتصادية وضغوطًا على الصناعة وارتفاع تكاليف الإنتاج وتحديات مختلفة أمام المستثمرين، يعني أن مكتبه كان شاهدًا على جانب من كل ذلك.

مستثمر يدخل غاضبًا من مشكلة، وآخر يريد التوسع، وثالث يبحث عن حل سريع، وجهة حكومية تحتاج إلى التنسيق معها وفي النهاية، المطلوب شيء واحد: ألا تتوقف الماكينات.

 

الرجل الذي ارتبط اسمه بالمكان

مع مرور الوقت، يصبح بعض المسؤولين مرتبطين بالأماكن التي يديرونها، وأحمد منصور واحد من هؤلاء، فمنذ ظهوره في إدارة منطقة بنها الاستثمارية قبل سنوات، ظل اسمه حاضرًا مع مراحل تطورها، حتى أصبح من الصعب الحديث عن التجربة خلال تلك الفترة دون أن يظهر اسمه في الخلفية.

لكن الاختبار الحقيقي لأي مسؤول لا يكون فيما تسلمه فقط، بل فيما يتركه بعده، ولهذا فإن السؤال حول تجربة أحمد منصور لن يتعلق في النهاية بعدد الاجتماعات التي حضرها أو الجولات التي شارك فيها، وإنما بما إذا كانت المصانع التي أدار محيطها أصبحت أكثر قدرة على الاستمرار والنمو.

فالاستثمار لا يحتفظ طويلًا بصور الاجتماعات، لكنه يحتفظ بالمصنع الذي توسع، وبخط الإنتاج الذي لم يتوقف، وبفرصة العمل التي استمرت، وبالمستثمر الذي قرر أن يضع أموالًا جديدة بدلًا من الرحيل.

 

أحمد منصور.. إدارة من خلف الكواليس

ربما يكون الوصف الأقرب لتجربة أحمد منصور حتى الآن هو «الإدارة من خلف الكواليس»، رجل لا يقدم نفسه باعتباره بطل الحكاية، بينما تضعه طبيعة منصبه في منتصف تفاصيلها كل يوم.

بين مصنع ومستثمر، وبين مشكلة وحل، وبين قرار وتنفيذ، يتحرك مدير منطقة بنها الاستثمارية داخل مساحة لا تمنح أصحابها كثيرًا من الهدوء، فالمنطقة التي امتلأت بالمشروعات تحتاج الآن إلى من يحافظ على حركتها، والمصنع الذي بدأ الإنتاج يريد أن يتوسع، والمستثمر الذي نجح اليوم سيطلب غدًا فرصة أكبر، وتلك ربما هي طبيعة الاستثمار نفسه؛ لا توجد فيه محطة أخيرة.

أما أحمد منصور، فقصته المهنية كما تبدو من سنوات بنها ليست قصة مسؤول أحب الوقوف أمام الكاميرات، بقدر ما هي قصة رجل اختار أن يكون موقعه حيث توجد المشكلة.

هناك، خلف أبواب المصانع، حيث لا يسمع الجمهور صوت الماكينات، تُكتب يوميًا الحكاية الحقيقية لأي مسؤول عن الاستثمار: مصنع يعمل، وعامل يعود إلى بيته براتبه، ومستثمر يقرر أن يستمر.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى