رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
منوعات

مصر وسط عاصفة الشرق الأوسط.. تحركات مكثفة ورسالة واضحة القاهرة تريد التأثير لا الانجرار إلى الصراع

في منطقة لا تكاد تلتقط أنفاسها من أزمة حتى تبدأ أخرى، تجد مصر نفسها أمام مشهد إقليمي بالغ التعقيد، تتداخل فيه الحرب والسياسة والاقتصاد، وتتغير خلاله موازين القوى بصورة متسارعة، بينما تبحث العواصم الكبرى عن صيغة جديدة تضمن مصالحها وتمنع انفجارًا أوسع في الشرق الأوسط.

وخلال الفترة الأخيرة، كثفت القاهرة تحركاتها الدبلوماسية واتصالاتها مع عدد كبير من الأطراف العربية والإقليمية والدولية، في محاولة لاحتواء التصعيد وفتح مسارات للحوار، بالتزامن مع الدفاع عن ثوابت الأمن القومي المصري والحفاظ على قدرة القاهرة على التحرك وسط شبكة معقدة من المصالح المتعارضة.

وفي أحدث تحركاتها، أكدت وزارة الخارجية المصرية استمرار الاتصالات مع أطراف إقليمية ودولية بشأن ملفات غزة والسودان وسوريا ولبنان والبحر الأحمر والقرن الأفريقي والأمن المائي، مع التشديد على خفض التصعيد وتسوية الأزمات بالوسائل السياسية والدبلوماسية.

لكن السؤال الذي يفرض نفسه بقوة الآن هو: هل تكتفي مصر بإدارة الأزمات المحيطة بها، أم أن القاهرة تتحرك بالفعل لتكون أحد الأطراف المؤثرة في تشكيل النظام الإقليمي الجديد؟

غزة.. الملف الذي يضع الدور المصري تحت الاختبار

تظل القضية الفلسطينية في مقدمة الملفات التي تتحرك فيها الدبلوماسية المصرية، خصوصًا مع استمرار تعقيدات المشهد في قطاع غزة وما يرتبط به من قضايا التهدئة والمساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار وترتيبات المرحلة المقبلة.

وفي سبتمبر الماضي، بحث الرئيس عبد الفتاح السيسي مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس تطورات القضية الفلسطينية والأوضاع في الأراضي الفلسطينية، في وقت تواصل فيه القاهرة تحركاتها السياسية من أجل دعم تنفيذ التفاهمات المتعلقة بقطاع غزة.

وتتعامل القاهرة مع ملف غزة باعتباره قضية تتجاوز حدود السياسة الخارجية، فهو يرتبط بصورة مباشرة بأمن الحدود المصرية، وأمن سيناء، واستقرار المنطقة، فضلًا عن ارتباطه بمخاطر التهجير وتداعيات استمرار الحرب على الأمن الإقليمي.

وفي هذا السياق، شاركت مصر في اجتماع وزاري موسع عقد في نيويورك خلال سبتمبر، ضم إلى جانب مصر السعودية وقطر والأردن والإمارات وتركيا وباكستان وإندونيسيا، لبحث تطورات غزة وسبل تنفيذ المرحلة الأولى من الخطة الخاصة بالقطاع، وضمان وصول المساعدات ودعم جهود التعافي وإعادة الإعمار.

القاهرة تتحرك بين العواصم.. لا محور واحدًا في الحسابات المصرية

أحد أبرز ملامح السياسة المصرية الحالية هو الحفاظ على علاقات متوازنة مع أطراف متعددة، بدلًا من الارتهان لمحور واحد، وهو ما يمنح القاهرة مساحة أكبر للمناورة في الملفات الإقليمية شديدة الحساسية.

فمصر تتواصل مع السعودية وقطر وتركيا والأردن والإمارات، وفي الوقت نفسه تحافظ على قنوات اتصال قوية مع الولايات المتحدة والدول الأوروبية، بينما توسع حضورها في الأطر الدولية مثل مجموعة بريكس والاتحاد الأفريقي.

ويكشف هذا التحرك عن محاولة مصرية للحفاظ على أكبر قدر ممكن من الخيارات السياسية، خصوصًا أن الأزمات الحالية لم تعد منفصلة عن بعضها البعض، فما يحدث في غزة يرتبط بالبحر الأحمر، وما يحدث في البحر الأحمر يرتبط بأمن الملاحة والتجارة، بينما تمتد تداعيات التوترات إلى الخليج والقرن الأفريقي.

واشنطن والقاهرة.. المصالح تفرض نفسها

تظل العلاقة المصرية الأمريكية واحدة من أهم العلاقات المؤثرة في حسابات القاهرة، خاصة مع استمرار الدور الأمريكي في ملفات الشرق الأوسط والأمن الإقليمي.

وفي الوقت نفسه، لا تبدو القاهرة راغبة في وضع سياستها الخارجية داخل إطار العلاقة مع واشنطن فقط، إذ تواصل تعزيز اتصالاتها مع القوى العربية والإقليمية والأوروبية، وهو ما ظهر في سلسلة الاتصالات والتحركات الدبلوماسية المصرية خلال الأسابيع الماضية.

وتشير التحركات الأخيرة إلى أن مصر تحاول إدارة العلاقة مع الولايات المتحدة من زاوية المصالح المشتركة، مع الاحتفاظ بمساحة مستقلة في القضايا التي ترى القاهرة أنها تمس أمنها القومي بصورة مباشرة.

وفي سبتمبر، استمرت الاتصالات المصرية الأمريكية بشأن عدد من الملفات الإقليمية، وعلى رأسها السودان، إلى جانب قضايا أخرى مرتبطة بالأوضاع في المنطقة، وهو ما يعكس استمرار التشاور بين البلدين رغم اختلاف الرؤى في بعض الملفات.

البحر الأحمر.. أزمة إقليمية تتحول إلى قضية مصرية مباشرة

لا يمكن قراءة السياسة المصرية تجاه التطورات الإقليمية بعيدًا عن البحر الأحمر وباب المندب، فاستقرار هذه المنطقة يمثل أهمية مباشرة لمصر بسبب ارتباطها بأمن الملاحة الدولية وقناة السويس وحركة التجارة العالمية.

ولهذا تتابع القاهرة تطورات البحر الأحمر بصورة مستمرة، وتضع أمن الملاحة ومنع اتساع نطاق الصراعات ضمن أولويات تحركاتها الدبلوماسية.

وتؤكد وزارة الخارجية المصرية أن الملفات المرتبطة بالبحر الأحمر وباب المندب والقرن الأفريقي والأمن المائي أصبحت ضمن مجموعة القضايا التي تتحرك القاهرة بشأنها بالتوازي مع ملف غزة وباقي أزمات المنطقة.

وهنا تتضح خصوصية الموقف المصري، فالقاهرة لا تنظر إلى الأزمات الإقليمية باعتبارها صراعات بعيدة، وإنما باعتبارها تطورات يمكن أن تصل تداعياتها إلى الاقتصاد المصري والأمن القومي وحركة التجارة والملاحة.

أفريقيا.. القاهرة لا تغيب عن الجبهة الجنوبية

في الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى غزة والشرق الأوسط، تواصل مصر تحركاتها داخل القارة الأفريقية، انطلاقًا من إدراكها لأهمية العمق الأفريقي في حسابات الأمن القومي المصري.

وتبرز ملفات السودان والقرن الأفريقي والأمن المائي باعتبارها قضايا لا يمكن فصلها عن المصالح المصرية، وهو ما يفسر استمرار القاهرة في تكثيف اتصالاتها مع الدول الأفريقية والشركاء الدوليين بشأن هذه الملفات.

كما تحاول مصر تعزيز حضورها في المؤسسات والتجمعات الدولية والإقليمية، بما في ذلك الاتحاد الأفريقي ومجموعة بريكس، وهو ما يعكس توجهًا نحو توسيع دوائر الحركة المصرية وعدم حصر السياسة الخارجية في نطاق الشرق الأوسط وحده.

من الوساطة إلى التأثير.. ماذا تريد القاهرة؟

المعادلة الأهم في المرحلة الحالية لا تتعلق فقط بقدرة مصر على الوساطة بين الأطراف المتصارعة، وإنما بقدرتها على تحويل هذه المكانة إلى تأثير سياسي حقيقي في النتائج النهائية للأزمات.

فمصر تمتلك مجموعة من الأوراق المهمة، بداية من موقعها الجغرافي ودورها التاريخي في القضية الفلسطينية، مرورًا بعلاقاتها العربية والإقليمية، ووصولًا إلى عضويتها في تجمعات دولية وإقليمية مختلفة.

لكن امتلاك الأوراق لا يعني بالضرورة امتلاك القدرة على استخدامها جميعًا في الوقت نفسه، خاصة أن المنطقة أصبحت أكثر تعقيدًا، وأصبحت المصالح الاقتصادية والأمنية جزءًا أساسيًا من أي تفاوض سياسي.

ومن هنا يبدو أن القاهرة أمام معادلة دقيقة: الحفاظ على علاقاتها مع مختلف الأطراف، من دون أن تتحول هذه السياسة إلى موقف رمادي يفقدها القدرة على التأثير، وفي الوقت نفسه عدم الانخراط في صراعات قد تفرض عليها تكلفة سياسية واقتصادية وأمنية مرتفعة.

مصر وتركيا.. التقارب يفتح بابًا جديدًا

يمثل التقارب المصري التركي أحد أبرز التحولات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة، خصوصًا بعد فترة طويلة من التوتر السياسي بين البلدين.

وتكتسب العلاقة أهمية خاصة بسبب ارتباطها بعدد من الملفات الإقليمية، وفي مقدمتها غزة وليبيا وشرق المتوسط، إلى جانب المصالح الاقتصادية والتجارية بين القاهرة وأنقرة.

ومع استمرار الاتصالات بين البلدين، تبدو السياسة المصرية أكثر اهتمامًا بإدارة الخلافات بدلًا من تحويلها إلى صدام مفتوح، وهي قاعدة تتكرر في عدد من العلاقات الإقليمية التي تعمل القاهرة على تطويرها.

وهذه السياسة تمنح مصر مساحة للحركة، لكنها في الوقت نفسه تتطلب قدرًا كبيرًا من الدقة، لأن التوازن بين المصالح المختلفة لا يعني اختفاء نقاط الخلاف.

المعركة الحقيقية.. الحفاظ على هامش الحركة

ربما يكون التحدي الأكبر أمام القاهرة خلال المرحلة المقبلة هو الحفاظ على قدرتها على التواصل مع الجميع، من دون الوقوع في فخ الاستقطاب الإقليمي الذي يدفع الدول إلى اختيار معسكر واحد.

وفي منطقة تتغير فيها التحالفات بسرعة، تصبح القدرة على الحديث مع أطراف متعارضة ورقة سياسية مهمة، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالوساطة أو وقف التصعيد أو التوصل إلى تسويات.

لكن الحفاظ على هامش الحركة يحتاج في المقابل إلى قوة تفاوضية حقيقية، وإلى القدرة على تحويل العلاقات الدبلوماسية إلى نتائج ملموسة على الأرض.

وهنا تحديدًا يصبح ملف غزة اختبارًا رئيسيًا للدور المصري، فإذا نجحت القاهرة في المساهمة بفاعلية في تثبيت التهدئة ودعم إعادة الإعمار ومنع اتساع الصراع، فإن ذلك قد يعزز موقعها باعتبارها أحد أهم مراكز التأثير في المنطقة.

هل تصبح القاهرة بيضة القبان في الشرق الأوسط؟

المشهد الإقليمي الحالي لا يسمح بإجابات سهلة، لكن المؤشرات تؤكد أن مصر تتحرك على أكثر من مسار في الوقت نفسه، وتحاول الحفاظ على علاقات قوية مع أطراف مختلفة، بينما تضع ملفات غزة والبحر الأحمر والسودان والقرن الأفريقي والأمن المائي ضمن أولويات سياستها الخارجية.

والسؤال لم يعد فقط: هل تستطيع مصر أن تكون وسيطًا في أزمات المنطقة؟ وإنما أصبح: هل تستطيع القاهرة تحويل موقعها الجغرافي وثقلها السياسي وعلاقاتها المتشعبة إلى نفوذ حقيقي في صياغة التسويات التي ستحدد شكل الشرق الأوسط خلال السنوات المقبلة؟

الإجابة ستتوقف بدرجة كبيرة على قدرة مصر على إدارة ملفات متعددة في الوقت نفسه، وعلى تحقيق توازن صعب بين علاقتها بالولايات المتحدة وشركائها العرب والقوى الإقليمية والدولية الصاعدة.

وفي النهاية، تبدو القاهرة أمام لحظة سياسية فارقة، فالمطلوب لم يعد مجرد التعامل مع أزمات المنطقة واحدة تلو الأخرى، وإنما الحفاظ على موقع مصر داخل منظومة إقليمية يعاد تشكيلها بصورة متسارعة.

وبينما تتغير التحالفات وتتصاعد الأزمات، تحاول مصر أن تبقى في قلب المشهد دون أن تصبح جزءًا من صراعاته، وأن تستخدم الدبلوماسية كأداة للتأثير وليس فقط لاحتواء الأزمات، وهو ما سيحدد خلال الفترة المقبلة ما إذا كانت القاهرة ستظل لاعبًا إقليميًا مهمًا، أم ستتحول بالفعل إلى واحدة من القوى التي تملك كلمة مؤثرة في رسم مستقبل الشرق الأوسط.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>