«محافظ يُعَنِّف.. ووزير يُكَرِّم».. مدير ومديرة مدرسة بين مشهدين في حكومة واحدة

المفارقة هذه المرة أكثر حدة من مجرد اختلاف في أسلوب مسؤولين داخل حكومة واحدة؛ فبطلا مشهدي التعنيف نفسيهما، مدير ومديرة المدرسة اللذان أثارت طريقة التعامل معهما الجدل، انتقلا من مواجهة قاسية مع المحافظ إلى مشهد آخر يقفان فيه أمام وزير التربية والتعليم للتكريم والتقدير، بينما يعلن الوزير صراحة: «كرامة المعلمين ومديري المدارس خط أحمر».
مشهد يصعب فصله عما سبقه؛ فالأشخاص أنفسهم الذين كانوا في قلب الجدل بسبب طريقة تعامل مسؤول تنفيذي معهم، هم أنفسهم الذين اختار الوزير المختص تكريمهم تقديرًا لعطائهم. هنا تصبح المفارقة أكبر: كيف يمكن أن ينتقل مدير ومديرة مدرسة، داخل الجهاز التنفيذي نفسه، من التعنيف إلى التكريم؟ وأي المشهدين يعكس الطريقة التي يفترض أن تتعامل بها الدولة مع قياداتها التعليمية؟
الأمر يفتح بابًا لتساؤلات تتجاوز الواقعتين وبطليهما: هل هناك مشكلة في تأهيل بعض المسؤولين على إدارة المواقف والتعامل مع العاملين والقيادات أمام الجمهور؟ أم أن ما نراه يكشف عن غياب التنسيق ووحدة المعايير داخل الجهاز التنفيذي؟ فحين يقول وزير التربية والتعليم إن كرامة المعلمين ومديري المدارس «خط أحمر»، بعد أن كان الشخصان اللذان يكرمهما نفسيهما طرفين في واقعتين أثارتا الجدل، يصبح السؤال مشروعًا: هل هذا «الخط الأحمر» مفهوم وملزم بالدرجة نفسها لدى جميع المسؤولين؟
المحاسبة حق.. ولكن ماذا عن طريقة المحاسبة؟
لم تثر واقعتا التعامل مع مديري المدرستين الجدل بسبب فكرة المتابعة أو محاسبة المسؤولين عن المدارس في حد ذاتها، فالمتابعة جزء أصيل من عمل المحافظين والأجهزة التنفيذية، وأي تقصير داخل مؤسسة تعليمية يستوجب التدخل والمساءلة، لكن الجدل انصب بصورة أساسية على طريقة التعامل، وما إذا كانت محاسبة مدير المدرسة تستلزم أن تتم بالصورة التي أثارت انتقادات واسعة، أم أن هناك فارقًا بين حزم المسؤول في مواجهة التقصير وبين الحفاظ على كرامة ومكانة من يقف أمامه.
فلا أحد يطالب بمنح مدير المدرسة حصانة من المساءلة، ولا يعني الدفاع عن كرامة المعلم أن يصبح بعيدًا عن الحساب، لكن السؤال يتعلق بالطريقة: هل يمكن للمسؤول أن يمارس دوره الرقابي كاملًا، ويحاسب على الخطأ والتقصير، من دون أن يتحول الأمر إلى مشهد قد يهز صورة مدير المدرسة أمام المعلمين والطلاب والرأي العام؟
من التعنيف إلى التكريم.. بطلا الواقعتين في مشهد جديد
ثم جاء المشهد الآخر ليضع الواقعتين في إطار مختلف تمامًا؛ إذ كرّم وزير التربية والتعليم مديري مدرستي برقطا الإعدادية والشهيد أحمد سمير، تقديرًا لعطائهما، وهما نفسهما بطلا الواقعتين اللتين أثارتا الجدل بسبب طريقة التعامل معهما.
ولم يتوقف الأمر عند حدود التكريم، إذ جاءت رسالة الوزير واضحة عندما أكد أن «كرامة المعلمين ومديري المدارس خط أحمر»، لتكتسب العبارة دلالة أكبر في ظل ما سبقها من جدل.
فالأشخاص أنفسهم انتقلوا من مشهد التعنيف إلى منصة التكريم، والمسؤولون جميعهم داخل الجهاز التنفيذي للدولة؛ وهو ما يجعل المقارنة بين الصورتين أمرًا يصعب تجاهله، ويطرح تساؤلات حول الرسالة التي تصل في النهاية إلى المعلمين ومديري المدارس.
المفارقة بين المسؤولين.. أزمة تأهيل أم غياب للتنسيق؟
وتضع المفارقة بين مواقف المسؤولين تساؤلًا أبعد من حدود الواقعتين: هل تكمن المشكلة في تأهيل بعض المسؤولين لكيفية إدارة المواقف والتعامل مع العاملين بالمؤسسات التي يشرفون عليها، أم في غياب التنسيق الذي يضمن وجود فلسفة حكومية واحدة في التعامل؟
فليس من السهل تفسير أن يصبح مدير ومديرة مدرسة محل تعنيف في مشهدين أثارا الجدل، ثم يصبح الشخصان نفسيهما محل تكريم من الوزير المختص، الذي يؤكد بدوره أن كرامة المعلمين ومديري المدارس «خط أحمر».
المسألة هنا لا تتعلق بضرورة أن تتطابق ردود أفعال المسؤولين أو أساليبهم، وإنما بوجود قواعد عامة تحكم العلاقة بين المسؤول والموظف، وتحفظ حق الأول في الرقابة والمحاسبة، وفي الوقت نفسه تصون كرامة الثاني، وإذا كانت الدولة تعمل على تطوير منظومة التعليم وإعادة الاعتبار للمعلم، فإن ذلك يطرح ضرورة أن يمتد التطوير إلى كيفية تعامل المسؤولين أنفسهم مع عناصر المنظومة.
كما تطرح المفارقة ضرورة وجود رسائل وسياسات واضحة ومنسقة، حتى لا يجد المواطن نفسه أمام خطاب حكومي يكرّم المعلم ومدير المدرسة في مشهد، وممارسة تثير التساؤلات حول كرامتهما في مشهد آخر.
هل تتعارض المحاسبة مع احترام مدير المدرسة؟
القضية ليست دعوة لمنح المعلم أو مدير المدرسة حصانة ضد المحاسبة، فمن يتولى مسؤولية مدرسة يتحمل مسؤولية مستوى الانضباط والأداء داخلها، ومن يخطئ يجب أن يُحاسب، ومن يقصر يجب أن يُسأل عن تقصيره.
لكن السؤال الذي تفرضه الواقعتان هو: هل تتعارض المحاسبة مع الاحترام؟ وهل يحتاج المسؤول، لكي يثبت حزمه، إلى أن تكون مساءلته لمدير مدرسة على نحو قد ينتقص من صورته أمام العاملين والطلاب والرأي العام؟
بل إن الحفاظ على هيبة مدير المدرسة يصبح جزءًا من معادلة الانضباط التي تطالب بها الدولة نفسها، فكيف يمكن مطالبة المدير بفرض النظام داخل مدرسته وترسيخ احترام المعلم أمام الطلاب، إذا كان من الممكن أن تهتز صورته أمام المجتمع بسبب الطريقة التي تتم بها محاسبته؟
«كرامة المعلمين خط أحمر».. تصريح أم قاعدة للجميع؟
من هنا، لا ينبغي قراءة تكريم وزير التربية والتعليم باعتباره مجرد بروتوكول أو لفتة تقدير عابرة، فالرسالة الأهم جاءت في الكلمات المصاحبة للتكريم، عندما وضع الوزير كرامة المعلمين ومديري المدارس في منطقة «الخط الأحمر».
وإذا تحولت هذه العبارة إلى مبدأ عام في التعامل، فإنها لا تمنع المحاسبة أو تقلل من سلطة المسؤول في مواجهة التقصير، وإنما تضع لهذه المحاسبة إطارًا يحفظ للمؤسسة التعليمية هيبتها وللعاملين فيها مكانتهم.
واللافت أن المشهدين يكشفان في النهاية عن مفارقة يصعب تجاهلها: بطلا الواقعتين نفسيهما ينتقلان من التعنيف إلى التكريم، بينما يعلن الوزير المختص أن كرامة أصحاب هذه المواقع لا يجوز المساس بها.
حكومة واحدة ورسالتان.. أيهما تصل إلى المعلم؟
ومن هنا يصبح السؤال أبعد من شخص محافظ أو مدير مدرسة أو حتى واقعتين بعينهما: هل لدى الحكومة رسالة واحدة في التعامل مع المعلمين والقيادات المدرسية؟ وهل عبارة «كرامة المعلمين ومديري المدارس خط أحمر» تخص وزارة التربية والتعليم وحدها، أم أنها قاعدة ينبغي أن يلتزم بها كل مسؤول يتعامل مع أصحاب هذه المهنة؟
فالمعلم الذي تكرمه الدولة باعتباره صاحب رسالة لا ينبغي أن تتغير قيمة كرامته باختلاف المسؤول الذي يقف أمامه، ومدير المدرسة الذي يتحمل مسؤولية مؤسسة تضم مئات الطلاب والمعلمين من حق الدولة أن تحاسبه، لكن من حق المؤسسة التعليمية أيضًا أن تتم هذه المحاسبة دون هدم هيبة من تطالبه الدولة نفسها بالحفاظ على هيبتها.
إذا كانت كرامتهم «خطًا أحمر».. فهل هو أحمر أمام الجميع؟
بين مشهد التعنيف ومشهد التكريم، تظل المفارقة قائمة، لكنها هذه المرة أشد وضوحًا؛ لأن بطلي المشهد الأول هما نفسيهما بطلا المشهد الثاني، والمسؤولون جميعهم يعملون تحت مظلة حكومة واحدة.
وهنا تبدو الرسالة التي تحتاج إلى الحسم بسيطة: المحاسبة لا تتعارض مع الكرامة، والحزم لا يبرر تجاوز حدود الاحترام، وتقدير المعلم ومدير المدرسة لا ينبغي أن يتغير بتغير المسؤول الذي يقف أمامه.
فإذا كانت «كرامة المعلمين ومديري المدارس خط أحمر»، كما أكد وزير التربية والتعليم، فإن السؤال الذي تتركه الواقعتان أمام الحكومة يظل قائمًا: هل هذا الخط أحمر أمام الجميع؟








