بالمستندات| لغز «GTO».. كيف وصلت شركة بحسابات «خاملة» إلى وزارة الإسكان؟

شركة بريطانية حديثة التأسيس برأسمال ألف إسترليني وحسابات «Dormant» لعامين متتاليين تصل إلى طاولة وزارة الإسكان
الوزارة تريد إسناد لها تسويق المشروعات العقارية المصرية بالخارج.. والوثائق تفتح ملف الفحص والترشيح والتعاقد
في الوقت الذي تسعى فيه الدولة إلى تصدير العقار المصري وجذب رؤوس الأموال الأجنبية إلى مشروعات بمليارات الجنيهات في العاصمة الجديدة والعلمين وغيرها من مدن الجيل الرابع، تكشف وثائق رسمية بريطانية عن مفارقة لافتة خلف إحدى الجهات التي وصلت إلى طاولة وزارة الإسكان لبحث المشاركة في هذا الملف، شركة قُدِّمت خلال لقاء رسمي باعتبارها «مؤسسة عالمية» تمتلك خبرات وإمكانات تسويقية، بينما تظهر أوراقها في السجل البريطاني أنها تأسست قبل أقل من ثلاث سنوات، برأسمال اسمي لا يتجاوز ألف جنيه إسترليني، وقدمت حساباتها عن عامين متتاليين تحت تصنيف «Dormant Accounts».
المفارقة تصبح أكثر إثارة للتساؤل عندما يكشف التسلسل الزمني للوثائق أن أحدث حسابات الشركة قُدمت في 28 يوليو 2026، ثم بعد نحو 19 يومًا فقط، وتحديدًا في 16 أغسطس، استقبلت وزيرة الإسكان راندة المنشاوي محمد زعزع، رئيس GTO، في اجتماع لبحث التعاون في تسويق وترويج المشروعات العقارية المصرية والوصول إلى المستثمرين والعملاء في الأسواق الخارجية.
القضية هنا لا تتعلق بشركة وهمية أو كيان غير مسجل؛ فـGTO موجودة قانونيًا في بريطانيا. لكن أوراقها تفتح بابًا أوسع وأكثر أهمية: ما الذي أهل شركة بهذه البيانات المالية لمناقشة دور في تسويق مشروعات الدولة؟ هل خضعت لفحص مالي ومؤسسي قبل الاجتماع؟ من رشحها؟ وما الخبرات التي تحققت منها الوزارة؟ وهل انتهى الأمر عند لقاء رسمي أم أعقبته اتفاقات أو تفويضات أو مصالح مالية؟
من شهادة تأسيس GTO ورأسمالها، مرورًا بحساباتها المصنفة «Dormant» لعامين متتاليين، ووصولًا إلى تحرك برلماني يطالب الحكومة بكشف حقيقة ما جرى، يتتبع هذا التحقيق الأوراق خطوة بخطوة بحثًا عن إجابة لسؤال يتجاوز حجم الشركة ورأسمالها: كيف فُتح لها باب وزارة الإسكان.. ومن المستفيد؟

البداية من وزارة الإسكان
في 16 أغسطس 2026، استقبلت المهندسة راندة المنشاوي، وزيرة الإسكان والمرافق والمجتمعات العمرانية، محمد زعزع، بصفته رئيس «مؤسسة GTO العالمية»، في لقاء تناول بحث سبل التعاون في تسويق وترويج المشروعات العقارية والتنموية المصرية والوصول إلى المستثمرين والعملاء في الأسواق الخارجية، مع الحديث عن عدد من المشروعات والمدن الجديدة، وفي مقدمتها العاصمة الجديدة والعلمين الجديدة.
اللقاء بدا في ظاهره جزءًا من تحركات الدولة لتصدير العقار المصري وجذب استثمارات أجنبية، لكن البحث خلف اسم GTO يكشف صورة تحتاج إلى تفسير. فالشركة موجودة ومسجلة قانونيًا في بريطانيا، إلا أن بيانات تأسيسها وحساباتها المالية تثير تساؤلات حول حجمها ونشاطها الفعلي والخبرات التي أهلتها للوصول إلى اجتماع رسمي بهذا المستوى.

شركة لم تكمل ثلاث سنوات
الاسم القانوني للكيان هو GTO (GLOBAL TRAVEL ORGANISATION) LIMITED، وتحمل الشركة رقم 15200271، وجرى تأسيسها في إنجلترا وويلز في 10 أكتوبر 2023 كشركة خاصة محدودة بالأسهم. أي أنها لم تكن قد أكملت ثلاث سنوات من عمرها عند عقد اجتماعها مع وزيرة الإسكان.
وتسجل أوراق الشركة محمد زعزع مديرًا لها، بجنسية بريطانية وإقامة في إنجلترا، كما تكشف بيانات السيطرة على الشركة أنه صاحب السيطرة الفعلية عليها، إذ يمتلك بصورة مباشرة أو غير مباشرة 75% أو أكثر من الأسهم وحقوق التصويت، فضلًا عن امتلاكه الحق في تعيين أو عزل أغلبية مجلس الإدارة.

ألف إسترليني رأس مال الشركة
تكشف أوراق تأسيس GTO أن الشركة أصدرت 10 آلاف سهم عادي، بقيمة اسمية تبلغ 0.1 جنيه إسترليني للسهم، ليبلغ إجمالي القيمة الاسمية لرأس المال ألف جنيه إسترليني فقط. كما تظهر أوراق المساهمين الأوائل أن الأسهم العشرة آلاف كانت مسجلة باسم محمد زعزع.
ورأس المال المحدود لا يمثل في حد ذاته دليلًا على مخالفة أو عدم قدرة الشركة على ممارسة نشاطها، خاصة بالنسبة للشركات الخاصة، إلا أن أهميته تتضاعف عند وضعه بجانب الحسابات التي قدمتها الشركة نفسها عن نشاطها خلال العامين التاليين لتأسيسها.

المفاجأة الأولى.. حسابات «Dormant» في 2024
في أبريل 2025، قدمت GTO حساباتها عن الفترة المالية المنتهية في 31 أكتوبر 2024، وحملت الوثيقة بشكل واضح وصف «Dormant Accounts»، أي حسابات شركة خاملة. وأظهرت الأرقام الواردة في الحسابات ألف جنيه إسترليني نقدًا بالبنك وفي اليد، وصافي أصول بقيمة ألف إسترليني، وإجمالي أموال مساهمين بالقيمة نفسها.
كان من الممكن النظر إلى هذه الأرقام باعتبارها مرتبطة بشركة حديثة التأسيس لم تبدأ نشاطها بصورة فعلية خلال عامها الأول، لكن المفاجأة أن الحسابات التالية للشركة أعادت المشهد نفسه مرة أخرى.

عام ثانٍ تحت وصف «Dormant»
في 28 يوليو 2026، قدمت GTO حساباتها عن السنة المنتهية في 31 أكتوبر 2025، وحملت الصفحة الأولى للمرة الثانية وصف «Dormant Accounts». وظلت الأرقام المالية شديدة المحدودية، مع ألف جنيه إسترليني نقدًا، وألف إسترليني صافي أصول، وألف إسترليني إجمالي أموال المساهمين.
لكن اللافت هذه المرة كان التوقيت؛ فأحدث هذه الحسابات جرى تقديمها قبل اجتماع وزارة الإسكان ومحمد زعزع بنحو 19 يومًا فقط. وهنا تظهر المفارقة الأساسية في القضية: كيف انتقلت شركة كانت أحدث حساباتها الرسمية المقدمة قبل أسابيع قليلة تحمل وصف «Dormant» إلى طاولة وزارة الإسكان لمناقشة التعاون في تسويق المشروعات العقارية المصرية للمستثمرين والعملاء بالخارج؟

«Dormant» لا تعني شركة وهمية
من الضروري هنا التفريق بين الوضع القانوني للشركة وبين وضع حساباتها. فوجود حسابات مصنفة «Dormant» لا يعني أن GTO شركة وهمية أو أنها غير مسجلة أو مشطوبة من السجل البريطاني. الشركة قائمة قانونيًا، بينما يتعلق وصف «Dormant» بطبيعة الحسابات المقدمة عن الفترات المالية محل الفحص.
ومن ثم، فإن السؤال ليس كيف استقبلت الوزارة «شركة غير موجودة»، وإنما ما الخبرات والإمكانات والسجل المهني والتسويقي الذي تحققت منه الوزارة قبل تقديم GTO باعتبارها مؤسسة عالمية يمكن بحث التعاون معها للوصول إلى المستثمرين في الأسواق الخارجية، في الوقت الذي كانت فيه أحدث حساباتها الرسمية تحمل هذا التصنيف.

المعلومات لم تكن سرية
الأكثر إثارة للتساؤل أن الوصول إلى البيانات الأساسية للشركة لم يكن يحتاج إلى تحقيق معقد. تاريخ التأسيس، رأس المال، اسم المدير، هيكل الملكية والسيطرة والحسابات المقدمة عن عامين متتاليين كلها معلومات مسجلة في الأوراق الرسمية للشركة.
ومن هنا يظهر سؤال يتعلق بإجراءات الفحص المؤسسي: هل جرت مراجعة هذه البيانات قبل الاجتماع؟ وإذا تمت مراجعتها بالفعل، فما المعلومات الأخرى التي امتلكتها الوزارة وجعلتها ترى أن GTO مؤهلة لمناقشة تسويق مشروعات الدولة بالخارج؟

عنوان جديد قبل الاجتماع
شهدت بيانات الشركة أيضًا تغييرات في العنوان. فعند التأسيس، كان عنوانها المسجل في 71-75 Shelton Street بمنطقة Covent Garden في لندن، بينما تغير العنوان لاحقًا إلى 120 Regent Street في لندن، وهو العنوان الذي ارتبط كذلك ببيانات محمد زعزع.
تغيير العنوان في حد ذاته إجراء طبيعي ولا يمثل أي مخالفة، إلا أن تتبع ارتباطات زعزع يقود إلى اسم شركة بريطانية أخرى هي INHOUSE WORLD LIMITED، التي ظهر اسمها لاحقًا ضمن التساؤلات المثارة حول ملف GTO وعلاقات القائمين عليها.
خيط «INHOUSE WORLD»
يرتبط محمد زعزع كذلك بشركة INHOUSE WORLD LIMITED، وهي شركة بريطانية أخرى سبقت GTO في التأسيس. وأثار ظهور هذه العلاقة تساؤلات إضافية بشأن الخلفية التجارية والمالية للشركات المرتبطة بالقائم على GTO.
إلا أن الفصل بين الوقائع المثبتة والاتهامات يظل ضروريًا؛ فوجود علاقة إدارية بين شركتين لا يمثل في ذاته مخالفة، كما أن أي حديث عن مديونيات أو أوضاع مالية تخص INHOUSE WORLD يحتاج إلى قراءة حساباتها ومستنداتها بصورة مستقلة قبل اعتبار تلك الأرقام جزءًا ثابتًا من القضية.
البرلمان يدخل على الخط
القضية انتقلت إلى مجلس النواب، بعدما تقدم النائب حسام حسن الخشت بسؤال برلماني بشأن ضوابط تعامل واستضافة وزارة الإسكان للشركات الأجنبية، وطالب بكشف معايير الفحص المؤسسي والمالي التي سبقت استقبال GTO، ومدى التحقق من خلفيتها وقدرتها على القيام بالدور الذي جرى بحثه خلال الاجتماع.
كما امتدت التساؤلات إلى ما إذا كان اللقاء قد ترتب عليه أي عقد أو مذكرة تفاهم أو تفويض تسويقي، وما إذا كان هناك أي التزام مالي أو مقابل أو عمولات يمكن أن تترتب على التعاون مع الشركة.
وهكذا انتقلت القضية من سؤال «ما حقيقة GTO؟» إلى سؤال أكثر أهمية: من داخل مؤسسات الدولة قام بفحص الشركة قبل فتح باب التعاون معها؟
أين كان الفحص المؤسسي؟
عندما يتعلق الأمر بكيان أجنبي يبحث التعاون في تسويق مشروعات عقارية للدولة، فإن الفحص لا يفترض أن يتوقف عند وجود الشركة قانونيًا. فهناك أسئلة عن حجم الأعمال والإيرادات، وعدد العاملين، والأسواق التي تعمل بها، والعملاء السابقين، والمشروعات المماثلة التي نفذتها، والشبكة التسويقية التي تمتلكها، والقوائم المالية التي تثبت قدرتها على تنفيذ ما تعرضه.
وفي حالة GTO، تصبح هذه الأسئلة أكثر أهمية لأن أحدث الحسابات المتاحة قبل الاجتماع كانت مصنفة «Dormant». وقد تكون لدى الشركة خبرات أو أنشطة أو إمكانات لم تظهر في الحسابات المتاحة، لكن في هذه الحالة يبقى على الوزارة الكشف عن الأساس الذي استندت إليه في تقييم الشركة وخبراتها.
هل تحول الاجتماع إلى تعاقد؟
حتى الآن، لا تثبت الأوراق المتاحة أن وزارة الإسكان أبرمت عقدًا مع GTO، كما لا تثبت صرف أموال عامة للشركة أو منحها تفويضًا حصريًا لتسويق المشروعات. ومن الخطأ التعامل مع مجرد الاجتماع باعتباره تعاقدًا.
لكن هذه النقطة تفتح بابًا آخر: ماذا حدث بعد لقاء 16 أغسطس؟ هل انتهى الأمر عند بحث فرص التعاون، أم جرى توقيع مذكرة تفاهم أو تقديم عرض فني ومالي؟ وهل صدر خطاب تكليف أو تفويض للشركة؟ وهل يحق لها الحصول على عمولات مقابل جذب مستثمرين أو بيع وحدات؟ وإذا كان هناك اتفاق، فمن قام بمراجعته والموافقة عليه؟
الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تحدد ما إذا كان الملف يتعلق فقط بمعايير اختيار واستقبال الشركات الأجنبية، أم أن له امتدادات تعاقدية ومالية تحتاج إلى فحص أوسع.

من رشح GTO؟
يبقى هذا السؤال أحد أهم مفاتيح القضية. كيف وصلت GTO إلى وزارة الإسكان؟ هل تقدمت الشركة مباشرة بعرض إلى الوزارة؟ هل جاءت عبر وسيط أو مستثمر؟ هل رشحتها جهة أخرى؟ هل كانت هناك مراسلات سابقة مع هيئة المجتمعات العمرانية؟ ومن قام بمراجعة العرض قبل تحديد موعد الاجتماع؟
لا توجد في الأوراق المتاحة إجابة عن مسار الترشيح، وبالتالي لا يمكن توجيه اتهام إلى شخص بعينه. لكن معرفة هذا المسار ربما تكون أهم من معرفة رأس مال الشركة نفسه؛ لأنها ستكشف كيف انتقل الكيان من شركة حديثة التأسيس بحسابات Dormant إلى لقاء رسمي يناقش تسويق مشروعات عقارية مصرية بالخارج.
أسئلة تنتظر إجابة وزارة الإسكان
القضية في صورتها الحالية لا تقدم دليلًا على فساد أو إهدار مال عام، لكنها تطرح أسئلة تستحق إجابة واضحة: من رشح GTO؟ من قام بالفحص المالي والمؤسسي للشركة؟ هل كانت الوزارة على علم بحساباتها المصنفة Dormant لعامي 2024 و2025؟ ما الخبرات والمشروعات الدولية التي تحققت منها؟ وعلى أي أساس جرى تقديمها باعتبارها «مؤسسة عالمية»؟ وهل قدمت عرضًا فنيًا أو ماليًا؟ وهل تم توقيع عقد أو مذكرة تفاهم أو تفويض معها؟ وهل حصلت أو ستحصل على مقابل مالي أو عمولات؟ ومن الجهة التي وافقت على ذلك إذا كان التعاون قد تجاوز مرحلة الاجتماع؟
والأهم.. من المستفيد؟
الثابت من الأوراق أن GTO تأسست في أكتوبر 2023، برأس مال اسمي قدره ألف جنيه إسترليني، وأن حساباتها عن عامي 2024 و2025 حملت وصف «Dormant Accounts»، وأن أحدث هذه الحسابات قدمت قبل لقاء وزارة الإسكان بنحو 19 يومًا فقط، ثم ظهر رئيس الشركة في اجتماع رسمي لبحث التعاون في تسويق المشروعات العقارية المصرية بالخارج.
هذه الوقائع لا تكفي وحدها لإثبات فساد أو جريمة، لكنها تكفي لطرح أسئلة رقابية يصعب تجاوزها: من فحص الشركة؟ من رشحها؟ ماذا حدث بعد الاجتماع؟ وهل ترتب على اللقاء أي التزام أو منفعة مالية؟
ويبقى السؤال الذي قد يقود إلى ما وراء القصة بأكملها.. من المستفيد؟









