عيد أحمد عيد يكتب: متى يصبح القبض قانونيًا؟

القبض ليس مجرد أن يمسك رجل الشرطة بشخص أو يطلب منه الانتقال معه. في القانون، القبض إجراء بالغ الخطورة لأنه يمس واحدًا من أقدم الحقوق الدستورية: الحرية الشخصية. ولهذا لا يكفي أن تكون هناك شبهة أو خصومة أو بلاغ حتى يصبح القبض تلقائيًا مشروعًا.
القاعدة الدستورية واضحة: فيما عدا حالة التلبس، لا يجوز القبض على أحد أو تفتيشه أو حبسه أو تقييد حريته إلا بأمر قضائي مسبب يستلزمه التحقيق.. هذه القاعدة تضع نقطة البداية الصحيحة: الحرية هي الأصل، والقبض استثناء يحتاج إلى سند.
وفي القانون الإجرائي الساري حتى نهاية سبتمبر 2026، يجيز قانون الإجراءات الجنائية لمأمور الضبط القضائي القبض في أحوال التلبس بالجنايات أو بالجنح التي تتوافر فيها الشروط القانونية المنصوص عليها، متى وجدت دلائل كافية على اتهام الشخص الحاضر. أما في غير هذه الحالات، فيكون الأصل الرجوع إلى سلطة التحقيق واستصدار الأمر اللازم وفق القانون.
التلبس هنا لا يعني أن الضابط «يشك» في أن جريمة ربما وقعت. التلبس وصف يتعلق بالجريمة وظروف اكتشافها، ويستلزم مظاهر خارجية تكشف وقوعها في الحالات التي حددها القانون. وقد يكون إدراكها بالبصر أو السمع أو الشم أو غيرها من الحواس، بشرط أن تكون الوقائع حقيقية وليست مجرد استنتاج لا أساس له.
كذلك لا يكفي وجود بلاغ مجهول أو خصومة سابقة وحدهما للقبض على شخص. البلاغ قد يفتح باب التحري، لكنه لا يسقط الضمانات. وكلما كان الإجراء أكثر مساسًا بالحرية، احتاج إلى أساس أقوى وأكثر وضوحًا.
القبض يصبح صحيحًا أيضًا عندما يصدر أمر من الجهة القضائية المختصة وفق الضوابط القانونية. في هذه الحالة لا يحتاج مأمور التنفيذ إلى أن يشاهد الجريمة بنفسه، لأنه ينفذ أمرًا صدر من سلطة تملك إصداره.
لكن صحة القبض لا تعني أن كل ما يحدث بعده مباح بلا حدود. للمقبوض عليه حقوق تبدأ فور تقييد حريته: معرفة سبب القبض، معرفة حقوقه، التواصل مع الأسرة والمحامي، وعدم التعرض للإيذاء أو الإكراه، والحضور أمام جهة التحقيق في المواعيد المقررة. كما أن أي تفتيش تالٍ يجب أن يكون مرتبطًا بإطار قانوني صحيح.
ومن المهم أن يدرك المواطن أن المقاومة الجسدية ليست طريقة اختبار قانونية القبض. حتى لو ظن الشخص أن الإجراء باطل، فإن تحويل الموقف إلى اشتباك قد يخلق وقائع جديدة. المسار السليم هو إثبات الاعتراض، الاستعانة بمحام، والطعن على مشروعية الإجراء أمام جهة التحقيق والمحكمة.
وفي 1 أكتوبر 2026 يبدأ العمل بقانون الإجراءات الجنائية الجديد رقم 174 لسنة 2025، ليحل محل قانون 150 لسنة 1950. ولذلك فإن مناقشة قانونية القبض بعد هذا التاريخ يجب أن تنطلق من النصوص الجديدة مع بقاء الضمانات الدستورية هي السقف الذي لا يجوز تجاوزه.
القبض القانوني ليس هو القبض الذي ينجح في ضبط شخص، بل الذي ينجح في ذلك من داخل القانون. فالعدالة لا تُقاس فقط بمن نضعه أمام التحقيق، وإنما بالطريق الذي أوصلناه به إليه. وإذا كان الطريق نفسه غير مشروع، فقد تتحول محاولة إثبات الجريمة إلى سبب لبطلان الدليل الذي كان يمكن أن يحسمها.