
إضاءة سريعة | الرفاعي عيد يكتب: فوضى الشاشات
لم تعد المشكلة أن الشاشات دخلت حياتنا، فقد حدث ذلك منذ سنوات، وأصبحت جزءًا طبيعيًا من العمل والتعلم والتواصل والترفيه. المشكلة الحقيقية أننا، دون أن ننتبه، بدأنا نخرج من حياتنا شيئًا فشيئًا لنعيش داخل تلك الشاشات.
نجلس في المكان نفسه، لكن كل واحد منا يعيش في عالم مختلف.
أسرة تجتمع حول مائدة واحدة، بينما العيون معلقة بالهواتف. صديقان يلتقيان بعد غياب طويل، لكن جزءًا من اللقاء يضيع في التقاط الصور وتفقد الإشعارات. أب يتحدث، وابنه يهز رأسه دون أن يرفع عينيه عن الشاشة. أم تنتظر لحظة حوار، فيسبقها صوت فيديو جديد أو رسالة وصلت للتو.
نحن موجودون بأجسادنا، لكن عقولنا في أماكن أخرى.
هذه هي فوضى الشاشات.
فهي لم تعد مجرد وسيلة نستخدمها وقت الحاجة، بل أصبحت في أحيان كثيرة هي التي تحدد إيقاع يومنا. نستيقظ عليها قبل أن نلقي التحية على من حولنا، وننهي يومنا معها، وبين البداية والنهاية نمنحها ساعات من أعمارنا دون أن نسأل أنفسنا: أين ذهب كل هذا الوقت؟
الأمر الأكثر غرابة أننا أصبحنا نصور اللحظة قبل أن نعيشها.
نذهب إلى مكان جميل، فنفكر في الصورة. نحضر مناسبة سعيدة، فنفكر في الفيديو. نشاهد حدثًا مؤثرًا، فنرفع الهاتف لتوثيقه، وربما نكتشف بعد ذلك أننا كنا مشغولين بتسجيل اللحظة أكثر من انشغالنا بالشعور بها.
وكأننا لم نعد نعيش الأشياء إلا بعد أن نثبت للآخرين أننا عشناها.
نريد أن نشارك الجميع كل شيء، حتى أصبحت الخصوصية أمرًا نادرًا، وأصبح الصمت نفسه يحتاج إلى تبرير. نعرض لحظات الفرح، ونراقب حياة الآخرين، ثم نقارن حياتنا بما نراه على الشاشات، متناسين أن ما نراه ليس دائمًا الحياة كما هي، بل جزءًا مختارًا منها.
وهنا تبدأ فوضى أخرى.
نرى نجاحات الآخرين، ولا نرى تعبهم. نشاهد صورهم المضيئة، ولا نعرف شيئًا عن أيامهم الصعبة. نقارن تفاصيل حياتنا الكاملة بلحظات مختارة بعناية من حياة غيرنا، ثم نتساءل لماذا نشعر أحيانًا بأن الجميع يعيش حياة أفضل منا.
الشاشة تعرف كيف تعرض الصورة، لكنها لا تعرض دائمًا الحقيقة كاملة.
وربما تكون المفارقة الأكبر أن هذه الشاشات قرّبتنا من العالم، لكنها في أحيان كثيرة أبعدتنا عن أقرب الناس إلينا.
يمكنك اليوم أن تعرف ما يحدث في مدينة تبعد عنك آلاف الكيلومترات خلال ثوانٍ، لكنك قد لا تعرف ما الذي يشغل بال شخص يجلس بجوارك.
تتابع عشرات الأشخاص كل يوم، وربما لا تجد الوقت الكافي لمكالمة صديق قديم.
نحن أكثر اتصالًا من أي وقت مضى، لكن السؤال: هل نحن أكثر قربًا فعلًا؟
المشكلة ليست في الهاتف، ولا في الإنترنت، ولا في التكنولوجيا. لا يمكن أن نلوم الأدوات على كل ما فعلناه بها. فالشاشات منحتنا معرفة وفرصًا ووسائل تواصل لم تكن متاحة من قبل.
لكن كل شيء، عندما يحتل مساحة أكبر من اللازم، يتحول إلى فوضى.
وفوضى الشاشات تبدأ عندما يصبح الصمت ثقيلًا، فنبحث فورًا عن شيء نشاهده. عندما يصبح الانتظار مستحيلًا دون هاتف. عندما نعجز عن الجلوس مع أنفسنا دقائق قليلة دون أن نمرر أصابعنا فوق شاشة.
ربما لا نحتاج إلى الهروب من التكنولوجيا، ولا إلى إعلان الحرب على الشاشات.
لكننا نحتاج، من وقت إلى آخر، أن نستعيد حياتنا منها.
أن نضع الهاتف جانبًا عندما يتحدث إلينا شخص نحبه. أن نذهب إلى مكان جميل ونسمح لأنفسنا بأن نراه بأعيننا قبل عدسة الكاميرا. أن نعيش لحظة كاملة دون أن نفكر في نشرها.
وأن نتذكر أن الحياة الحقيقية لا تحدث دائمًا على الشاشة.
فخارجها أيضًا، هناك وجوه تستحق أن ننظر إليها، وأحاديث تستحق أن نستمع إليها، ولحظات لن يمنحها لنا أي «إعجاب» أو «مشاركة».
فوضى الشاشات ليست في عدد الأجهزة التي حولنا، بل في عدد اللحظات التي تمر من أمامنا بينما ننظر إلى مكان آخر.





