رئيس التحرير محمود أبو السعود
رئيس تحرير تنفيذي الرفاعي عيد
الصورة الكاملة

8 أكتوبر 1973.. يوم تحطمت فيه الضربة الإسرائيلية المضادة: أسرار معركة الفردان وتحرير القنطرة شرق

لم تكن الدبابات الإسرائيلية التي اندفعت نحو المواقع المصرية صباح الثامن من أكتوبر 1973 تعرف أنها تتقدم إلى واحدة من أخطر المواجهات التي خاضتها المدرعات الإسرائيلية في الأيام الأولى للحرب. كانت القيادة الإسرائيلية تراهن على استعادة زمام المبادرة سريعًا، وتوجيه ضربة مضادة تُنهي الوجود المصري الذي تشكّل شرق قناة السويس بعد العبور المفاجئ في السادس من أكتوبر. لكن ما حدث على الأرض جاء على خلاف التوقعات.

في ذلك اليوم، لم تكن مصر تدافع عن إنجاز العبور فحسب، بل كانت تثبت أن قواتها قادرة على الاحتفاظ بالأرض التي استعادتها ومواجهة هجوم مدرع واسع. وفي الوقت الذي كانت فيه الدبابات الإسرائيلية تتعرض لخسائر قاسية في قطاع الفردان، ارتفع العلم المصري فوق القنطرة شرق بعد تحريرها، وسيطرت قوات الجيش الثالث على موقع عيون موسى.

كان 8 أكتوبر اليوم الذي اصطدمت فيه الثقة الإسرائيلية في قوة الهجوم المدرع بواقع جديد فرضته القوات المصرية على أرض سيناء.

قبل المعركة.. لماذا أرادت إسرائيل شن هجوم مضاد سريع؟

بدأت القصة قبل ذلك بيومين، عندما انطلقت عملية بدر في السادس من أكتوبر. نجحت القوات المصرية في عبور قناة السويس، وفتح ثغرات في الساتر الترابي، واقتحام مواقع من خط بارليف، ثم بدأت إنشاء رؤوس كباري عسكرية على الضفة الشرقية للقناة.

بالنسبة للقيادة الإسرائيلية، لم تكن المشكلة مجرد فقدان مواقع عسكرية؛ فقد أصبح عليها مواجهة تشكيلات مصرية منظمة تمتلك المشاة والمدفعية والدبابات والأسلحة المضادة للدروع والدفاع الجوي.

كان التصور الإسرائيلي يقوم على استخدام الاحتياطيات المدرعة لإعادة السيطرة على المناطق التي دخلتها القوات المصرية، قبل أن تتمكن هذه القوات من استكمال تحصين مواقعها. ولهذا دفعت إسرائيل بتشكيلات مدرعة كبيرة إلى جبهة سيناء استعدادًا لهجوم مضاد في الثامن من أكتوبر.

غير أن القيادة الإسرائيلية واجهت مشكلة أساسية: المعلومات التي وصلت إليها عن حالة القوات المصرية ومدى تماسكها لم تكن تعكس بدقة ما يجري على الأرض.

لقد افترض بعض القادة الإسرائيليين أن بالإمكان إعادة المشاة المصريين إلى غرب القناة بهجوم سريع. لكن القوات المصرية كانت قد أعدت نفسها أصلًا لمواجهة هذا الاحتمال.

معركة الفردان.. عندما دخلت الدبابات إلى منطقة النيران المصرية

في قطاع شرق الإسماعيلية، كانت الفرقة الثانية مشاة المصرية، بقيادة العميد حسن أبو سعدة، تستعد لاحتمال تقدم القوات الإسرائيلية المدرعة باتجاه مواقعها.

أدرك أبو سعدة أن مواجهة الدبابات الإسرائيلية في معركة حركة مفتوحة قد تمنحها فرصة للاستفادة من سرعتها وقوتها النارية. ولهذا اعتمد الدفاع المصري على مواقع مجهزة وأسلحة مضادة للدبابات، مع وجود احتياطيات مدرعة يمكن دفعها إلى القتال عند اللحظة المناسبة.

تقدمت القوات الإسرائيلية التابعة للفرقة المدرعة 162 بقيادة أبراهام أدان باتجاه القطاعات المصرية شرق القناة. وكانت الخطة الإسرائيلية تستهدف ضرب مواقع القوات المصرية، وتخفيف الضغط على المواقع الإسرائيلية المعزولة.

لكن الهجوم واجه مشكلات منذ بدايته. فقد تأخرت بعض الوحدات، وتغيرت التعليمات الميدانية، ولم تتحقق درجة التنسيق المطلوبة بين التشكيلات المدرعة.

وفي المقابل، كانت القوات المصرية تتمتع بميزة مهمة: لقد كانت تقاتل من مواقع دفاعية منظمة، وتعرف الأرض التي سيضطر الهجوم الإسرائيلي إلى المرور خلالها.

وعندما اقتربت الدبابات الإسرائيلية من مناطق الاشتباك، تعرضت لنيران مصرية كثيفة من الدبابات والمدفعية والأسلحة المضادة للدروع.

وتشير الدراسات العسكرية إلى أن محاولة اقتحام هذه المواقع بقوات مدرعة غير مدعومة بصورة كافية بالمشاة والمدفعية والإسناد الجوي كانت أحد الأسباب الأساسية لفشل الهجوم.

حسن أبو سعدة.. قرار عسكري غيّر مسار المواجهة

برز اسم العميد حسن أبو سعدة في روايات معركة الفردان بسبب أسلوب الدفاع الذي اتبعته قواته.

فبدلًا من استنزاف القوات المصرية في مواجهة مبكرة مع الدبابات المهاجمة، جرى استغلال عمق المواقع الدفاعية وتوزيع الأسلحة المضادة للدروع لإيقاع خسائر كبيرة بالقوات الإسرائيلية عند دخولها نطاق الاشتباك.

وتروي المصادر العسكرية المصرية أن القوات المدافعة سمحت لأجزاء من القوة المدرعة الإسرائيلية بالتقدم إلى داخل منطقة خاضعة للسيطرة النارية، قبل توجيه ضربات مركزة إليها من اتجاهات متعددة.

كان ذلك يتطلب انضباطًا شديدًا من الوحدات المدافعة؛ فالسماح لقوة مدرعة معادية بالتقدم مسافة داخل الموقع الدفاعي ينطوي على مخاطر كبيرة إذا فقدت القيادة السيطرة على المعركة.

لكن النتيجة كانت خسائر جسيمة في صفوف القوة الإسرائيلية المهاجمة، وفشل محاولة اختراق المواقع المصرية في ذلك القطاع.

ومن أبرز الوقائع التي ارتبطت بهذه المعركة أسر الضابط الإسرائيلي عساف ياجوري، الذي أصبح أحد أشهر الأسرى الإسرائيليين في حرب أكتوبر.

لم يكن أسر ضابط مدرعات إسرائيلي حدثًا رمزيًا فقط، بل كان شاهدًا على مدى الاضطراب الذي أصاب الهجوم المضاد، وعلى قدرة القوات المصرية على السيطرة على أجزاء من ساحة القتال عقب صد الهجوم.

لماذا فشلت الدبابات الإسرائيلية رغم قوتها؟

تكشف دراسة معركة الثامن من أكتوبر عن مجموعة من العوامل التي ساهمت في فشل الهجوم الإسرائيلي.

كان العامل الأول هو سوء تقدير قدرات القوات المصرية. فقد تعامل بعض المخططين الإسرائيليين مع رؤوس الكباري المصرية باعتبارها مواقع يمكن اقتحامها بسرعة، رغم أنها أصبحت تضم تشكيلات دفاعية متماسكة.

أما العامل الثاني فكان ضعف التنسيق بين بعض الوحدات المدرعة. فعندما تتحرك قوة دبابات نحو هدف دون دعم كافٍ من المشاة والمدفعية والاستطلاع، تصبح أكثر عرضة لكمائن الأسلحة المضادة للدروع.

وجاء العامل الثالث من طبيعة الدفاع المصري نفسه. فقد اعتمدت القوات المصرية على تكامل المشاة والدبابات والمدفعية، مع توظيف الأسلحة الموجهة المضادة للدبابات ضمن شبكة نيرانية يصعب اختراقها بالاندفاع المباشر.

كما واجه سلاح الجو الإسرائيلي قيودًا بسبب الدفاع الجوي المصري، إلى جانب انشغاله بمتطلبات القتال على الجبهة السورية.

وكانت النتيجة أن الهجوم المدرع الإسرائيلي لم يستطع تحقيق الاختراق الذي استهدفه، رغم امتلاك إسرائيل خبرة واسعة في معارك الدبابات.

وهنا ظهرت إحدى أهم دروس حرب أكتوبر: التفوق في السلاح وحده لا يكفي عندما يواجه قوة منظمة تمتلك خطة دفاع واضحة وتستفيد من طبيعة الأرض والتسليح المناسب.

القنطرة شرق.. العلم المصري يعود إلى المدينة

بينما كانت معركة الفردان مستمرة، شهد شمال جبهة القناة إنجازًا آخر للقوات المصرية.

ففي الثامن من أكتوبر، تمكنت الفرقة 18 مشاة التابعة للجيش الثاني من تحرير مدينة القنطرة شرق، بعد قتال ضد القوات الإسرائيلية الموجودة داخل المدينة ومحيطها.

لم تكن القنطرة شرق مجرد موقع عسكري. فقد كانت مدينة مصرية بقي فيها مدنيون خلال سنوات الاحتلال، وهو ما جعل عملية تحريرها تتطلب حسابات دقيقة لتقليل الخسائر بين السكان.

وبحسب البيان العسكري المصري الصادر في ذلك اليوم، بدأت القوات المصرية بمحاصرة المدينة، ثم تقدمت إلى داخلها، حيث دارت اشتباكات في الشوارع والمباني قبل استسلام ما تبقى من القوة الإسرائيلية المدافعة.

وأعلنت القيادة العامة للقوات المسلحة أسر 30 جنديًا إسرائيليًا، والاستيلاء على أسلحة ومعدات، بينها دبابات.

وكان لعودة العلم المصري إلى القنطرة شرق أثر معنوي كبير؛ فهي واحدة من أبرز المدن الواقعة على الضفة الشرقية لقناة السويس، وارتبط اسمها بسنوات الاحتلال التي أعقبت حرب يونيو 1967.

وبالنسبة للمصريين الذين بقوا في المدينة، لم يكن التحرير خبرًا عسكريًا بعيدًا، بل تحولًا عاشوه في شوارعهم ومنازلهم.

عيون موسى.. الجيش الثالث يوسع مكاسب اليوم

لم تقتصر أحداث الثامن من أكتوبر على قطاع الجيش الثاني.

ففي الجنوب، نجحت الفرقة 19 مشاة التابعة للجيش الثالث الميداني في السيطرة على موقع عيون موسى، أحد المواقع التي ارتبطت بالوجود العسكري الإسرائيلي شرق خليج السويس.

وجاءت السيطرة على هذا الموقع ضمن العمليات الرامية إلى تثبيت الوجود المصري في القطاعات الجنوبية، وتقويض المواقع الإسرائيلية التي كانت توفر المراقبة والسيطرة النارية على مناطق حيوية.

وبذلك شهد اليوم نفسه نجاحات مصرية في أكثر من اتجاه: صد هجوم مدرع في الوسط، وتحرير القنطرة شرق شمالًا، والسيطرة على عيون موسى جنوبًا.

والأهم أن هذه التطورات كانت تجري في الوقت الذي حاولت فيه إسرائيل استعادة المبادرة على جبهة سيناء.

ماذا كانت تعرف القيادة الإسرائيلية عن حجم الخسائر؟

تضيف الدراسات التي تناولت الوثائق الإسرائيلية بعد الحرب جانبًا مهمًا إلى أحداث ذلك اليوم.

فقد واجهت القيادة الإسرائيلية تضاربًا في التقديرات المتعلقة بنتائج الهجوم، ولم تكن الصورة الكاملة للخسائر واضحة منذ الساعات الأولى.

وتشير دراسات عسكرية أمريكية اعتمدت على تحليل العمليات إلى أن الأوامر المتغيرة وضعف التنسيق بين القيادات الميدانية ساهما في تفكك الهجوم إلى مواجهات منفصلة، بدلًا من تنفيذ ضربة مدرعة متماسكة.

وكان ذلك تطورًا خطيرًا بالنسبة للقيادة الإسرائيلية، التي كانت تعتمد على السرعة والمناورة واستخدام الدبابات في حسم المعارك البرية.

فالقوات التي كان يُفترض أن تقلب نتيجة القتال أصبحت هي نفسها بحاجة إلى إعادة تنظيم بعد تعرضها لخسائر كبيرة.

وقد عالجت دراسات إسرائيلية لاحقة هذه المعركة باعتبارها مثالًا على خطورة التمسك بعقيدة هجومية دون مراجعة الظروف الفعلية لساحة القتال.

هل حسم 8 أكتوبر نتيجة الحرب بالكامل؟

رغم أهمية الانتصارات المصرية في ذلك اليوم، فإن القول إن الثامن من أكتوبر حسم الحرب كلها سيكون تبسيطًا غير دقيق.

فقد استمرت المعارك بعد ذلك على جبهتي سيناء والجولان، وشهدت الحرب تطورات كبيرة، بينها تطوير الهجوم المصري في 14 أكتوبر، ثم المعارك المرتبطة بثغرة الدفرسوار، وصولًا إلى قرارات وقف إطلاق النار.

لكن 8 أكتوبر حقق نتيجة عسكرية مهمة ومحددة: فشلت إسرائيل في إزاحة القوات المصرية عن مواقعها عبر الهجوم المضاد الذي شنته، وتمكنت مصر من تعزيز إنجازاتها الأولى شرق القناة.

وكان لذلك أثر مباشر في استمرار عملية بدر، وفي منح القوات المصرية فرصة إضافية لتثبيت مواقعها وتنظيم دفاعاتها.

كما أن نتائج الهجوم المضاد كشفت للقيادة الإسرائيلية أن استعادة الوضع السابق للسادس من أكتوبر لن تكون عملية سريعة أو سهلة.

8 أكتوبر في الذاكرة العسكرية.. يوم اجتمعت فيه ثلاثة انتصارات

عند قراءة أحداث الثامن من أكتوبر 1973 كوحدة واحدة، تتضح أهمية هذا اليوم.

في الفردان، فشلت محاولة إسرائيلية كبيرة لاختراق المواقع المصرية بالدبابات. وفي القنطرة شرق، نجحت القوات المصرية في تحرير مدينة ذات أهمية عسكرية ووطنية. وفي عيون موسى، حقق الجيش الثالث مكسبًا إضافيًا في جنوب الجبهة.

تلك الوقائع لم تكن منفصلة عن بعضها، بل عكست قدرة القوات المصرية على خوض عمليات متعددة، وتنفيذ الدفاع والهجوم في قطاعات مختلفة خلال اليوم نفسه.

ولعل أهم ما يميز الثامن من أكتوبر أن الجيش المصري لم يعد يكتفي بمفاجأة خصمه بالعبور، وإنما بدأ يثبت أن النجاح الأول لم يكن ضربة عابرة.

لقد أصبح عليه أن يحتفظ بما حققه في مواجهة هجوم مضاد من قوات مدرعة كبيرة، ونجح في ذلك خلال واحدة من أبرز معارك الأيام الأولى لحرب أكتوبر.

وهكذا بقي الثامن من أكتوبر 1973 يومًا بارزًا في التاريخ العسكري المصري؛ يومًا استعادت فيه القنطرة شرق علمها، وسقطت فيه رهانات إسرائيل على ضربة مدرعة سريعة، وأثبتت القوات المصرية قدرتها على تحويل العبور إلى واقع عسكري يصعب تغييره.


المصادر والمراجع

  • الهيئة العامة للاستعلامات المصرية: ملف «انتصارات أكتوبر»، أحداث وبيانات 8 أكتوبر 1973.
  • الهيئة العامة للاستعلامات: «أكتوبر 1973.. معجزة التخطيط وروعة التنفيذ».
  • مركز دراسات القتال التابع للجيش الأمريكي: دراسات عمليات حرب أكتوبر والهجوم الإسرائيلي المضاد.
  • مجلة Military Review التابعة للجيش الأمريكي: دراسة الفرقة المدرعة الإسرائيلية 162 في حرب 1973.
  • أرشيف وزارة الدفاع الإسرائيلية لحرب أكتوبر: الهجوم المضاد على الجبهة المصرية في 8 أكتوبر 1973.

ملاحظة تحريرية: جرى وصف المشاهد القتالية وفقًا للوقائع التاريخية المتاحة، مع تجنب الجزم بأرقام خسائر تفصيلية تختلف بشأنها المصادر.

اترك تعليقاً

شارك الخبر انشر المقال
?>